قال الخبير التربوي الأستاذ منير الجوري؛ إنه للإجابة عن سؤال كسب الرهان في منظومتنا التعليمية من عدمه، تتوجب الإجابة أولا عن سؤال: ما هو هذا الرهان بالتحديد؟ مضيفاً أنه إذا كان الأمر يتعلق بوضع تمارين بمعايير بيداغوجية، وإعداد أمكنة بمعايير صحية، وحضور التلاميذ وفق معايير تنظيمية، وإعلان النتائج بمعايير عددية، والإدلاء بتصريحات بمعايير صحفية.. إذا كان هذا هو الرهان وفقط فقد كسبناه. لكنه يستدرك بالقول: “ينبغي أن نخجل من أنفسنا إذ اهتممنا بالشكل على حساب الجوهر“.

وأضاف في تدوينة نشرها في حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك أنه “إذا كانت امتحانات البكالوريا هي محطة تربوية لتقييم المنظومة التعليمية قبل تقييم المتعلم، ومحطة تقويمية لتصنيف المتعلمين وترتيبهم في إطار من المساواة وتكافؤ الفرص، وتتويج مسار من التحصيل والتعلم، إذا كانت هذه رهاناتنا، وينبغي أن تكون كذلك، فإننا خسرنا وعلينا أن نعترف بذلك“.

الباحث في علم الاجتماع التربوي رصد أربعة أسباب أساسية لتأكيد الخلاصة التي ذهب إليها، أولها هي “البكالوريا وتكافؤ الفرص”، حيث لطالما عاشت المنظومة التعليمية المغربية اهتزازا في تكافؤ الفرص، وقد زاد الأمر استفحالا خلال هذه السنة بشكل كبير جراء سلبية الوزارة المعنية في التعامل الناجع مع تداعيات وباء كورونا. لذلك وجدنا أنفسنا في نهاية السنة نجري امتحانات على قاعدة اختلالات في شروط التعلم بين القروي والحضري، بين الخصوصي والعمومي، بين مدن توقفت الدراسة بها شهورا وأخرى لم تتوقف… فيما تم الترويج لكذبة “التعلم الذاتي” إلى جانب التعليم الحضوري فتم تصديقها واعتمادها في تقويم إشهادي. تفاوتات بالجملة عاشها تلاميذ المغرب بسبب الاختلاف المجالي ثم الاختلاف بين الأساتذة في تقدير ما يلقن حضوريا وما يحال على تعلم ذاتي لا يتم أصلا، أو يتم بالشكل الخطأ. وصلنا إلى نقطة النهاية وأخضعنا كل التلاميذ لمعيار اختباري موحد وطنيا وجهويا في لامبالاة تامة بما وقع طيلة الموسم.

طالع أيضا  د. إحرشان: "مشروع النموذج التنموي" مُوجَّه يُغيّب ما هو سياسي وغير متناسب أبداً مع طبيعة المشاكل بالمغرب

وثانياً يتعلق الأمر بالبكالوريا والتحصيل فقد صدرت الأطر المرجعية للامتحانات متأخرة، وفي نهاية السنة وليس في بدايتها كما كان مفترضا. وكأن الأطر المرجعية وجدت فقط للامتحانات وليست، قبل ذلك، لتأطير البرامج والمناهج الدراسية أثناء عملية التعلم والتحصيل التي بدأت منذ بداية السنة الدراسية. وبدل أن تبذل الجهات المعنية في الوزارة جهدا لتعديل المناهج الدراسية بما لا يفوت على التلاميذ تلقي أهم ما فيها وحذف الأقل أهمية، ورسم رؤية واضحة لتوزيع زمني معقول وموحد، عمدت إلى أسهل الطرق و”أكثرها خمولا” وهي حذف دروس ووحدات دراسية بأكملها. فيما كان الأولى إعادة وضع برنامج جديد يلائم الوضعية التعليمية وغلافها الزمني الاستثنائي في ظل الوباء. وهكذا تم حذف دروس ووحدات هامة كانت مبرمجة في نهاية السنة (مثل درس المناعة ووحدة الجيولوجيا في مادة علوم الحياة والأرض) فيما تم تدريس وحدات أقل أهمية كان يمكن الاستغناء عنها أو عن أجزاء منها.

أما السبب الثالث حسب الجوري فهو البكالوريا والغش، فالغش لم يعد ظاهرة بل أصبح قاعدة تم التطبيع معها في أوساط التلاميذ بشكل كامل، وفيما لازالت الوزارة تتعامل معه بطرق تقليدية فإن التطورات التقنية تهرب بمئات الأميال متجاوزة الوزارة وأطرها، خاصة أولئك المراقبين الذين يجدون أنفسهم أمام فوهة بركان بعض التلاميذ المتحللين من كل القيود التربوية والأخلاقية. ما عاد التلاميذ يختبؤون وهم يغشون، ولا أصبحوا يلتمسون المساعدة مباشرة من المراقبين بعبارتهم الشهيرة “أستاذ تعامل معانا”، بل أصبحوا يضغطون بكل الطرق المستفزة ويتجرؤون بشكل وقح على إزعاج وتهديد المراقبين. وبالموازاة مع ذلك تتطور الوسائل المستعملة لتصل هذا الموسم إلى ظهور شريحة رقيقة جدا وغير مرئية توضع في الأذن ولا تحتاج لا إلى هاتف ولا VIP للتواصل معها، بل إن المتواصل يكون بعيدا بمئات الأمتار. وأمام وقوف الوزارة متفرجة، وإصرارها على طرقها التقليدية في صياغة الأسئلة والتعاطي اللوجستيكي مع الظاهرة، تثار الشكوك والأسئلة، هل فعلا تريد الوزارة محاربة الغش وتنظيم امتحانات إشهادية نزيهة وشفافة؟

طالع أيضا  اللهم بارك لنا في رجب

والسبب الرابع الذي يختم به المتحدث هو البكالوريا وتقويم المنظومة التعليمية، فهو سؤال هام آخر يهم تقويم المنظومة. يفترض أن امتحانات الباكالوريا محطة لتقويم أداء المنظومة التعليمية برمتها. لكن إذا كانت شروط النزاهة والإنصاف والتحصيل متعذرة فهل يمكن اعتبار النتائج مؤشرات على نجاح أو فشل المنظومة؟؟ طبعا لا. وهل يمكن اعتماد النتائج وسيلة للانتقاء في المدارس العليا؟؟ طبعا لا. فلماذا إذن ننظم امتحانات غير قادرة على تحقيق رهاناتها الكبرى؟ إلا إذا كان الرهان هو التنظيم في حد ذاته بغض النظر عن أي نتائج، وهذا نقاش آخر يفتح على سؤال الحكامة والنجاعة والكلفة المادية والبشرية والزمنية.