لفت الدكتور محمد باسك منار إلى أن التحول السياسي في العالم العربي والإسلامي تقف دونه عقبات أساسية أهمها “مشكل نشأة الدولة بعد التحرر من الاستعمار” معتبرا أن الدول العربية لم تنطلق من مواثيق وطنية، بل “أعطيت الأولوية بعد الحصول على الاستقلال لاستنساخ مؤسسي وهيكلي على حساب ترسيخ الحريات والديموقراطيات وحقوق الإنسان”، وكان لهذا أثره إلى حدود الساعة.

منار أثناء مشاركته أول أمس في ندوة في موضوع: “تحديات التعاون الدولي والتحول السياسي في العالم العربي والإسلامي” التي نظمها مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان، أوضح أن المقصود بالتحول السياسي؛ “مسار القطع مع السلطوية وفق مسار قد يطول ويكتنفه شيء من التقدم أحيانا وشيء من القهقرى أحيانا أخرى”.

وأجمل أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري الحديث عن التحول السياسي في العالم العربي والإسلامي بعد الربيع العربي الذي كان في منتديات دولية وفي مؤتمرات وفي كتابات عديدة، في توجهين كبيرين.

التوجه الأول وهو أن التحول السياسي في العالم العربي والإسلامي، “تحول مستحيل بالنظر إلى البنيات الثقافية وبالنظر إلى طبيعة العلاقات”، وفي هذا التوجه إحياء لأطروحات بعض المستشرقين منهم برنارد لويس، الذي أصبح توجها مرجوحا على الأقل من وجهة نظر بحثية وأكاديمية. يقول منار.

أما التوجه الثاني -يضيف المتحدث- فهو أن “التحول السياسي في العلم العربي والإسلامي، رغم أنه مستعص فهو ممكن بشروط معينة، وكان هناك نقاش كبير فيما يتعلق بهذه الشروط، ويمكن إجمالها أيضا في توجهين، الأول أن هناك من يجعل العامل الذاتي هو العامل في التحول السياسي في العالم العربي، وهناك من يجعل العامل الخارجي هو العامل الحاسم في التحول”.

وانطلق الباحث الأكاديمي المغربي في هذا النقاش من الفرضية التي تقول إن التحول في العالم العربي والإسلامي صعب أو مستعص لكنه ممكن، “والأولوية للعامل الذاتي دون أن يعني ذلك إلغاء تأثير التوازنات الدولية”.

بل يمكن القول إن الاختلالات في العامل الذاتي أحيانا هي التي تجعل العامل الخارجي حاسما، يقول منار ثم يضيف “إما في إعاقة التحول كما في سوريا، أو قد يصبح مساعدا في مسار التحول كما يحدث مؤخرا في ليبيا”.

طالع أيضا  من صام رمضان إيماناً واحتساباً.. مع الإمام عبد السلام ياسين (فيديو)

وأوضح أن الشعوب العربية والإسلامية كغيرها من الشعوب يحكم حركيتها منطق عام، حيث إن تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع إمكانية المقارنة المتاحة اليوم بشكل مسبوق من خلال الثورة الرقمية مع مستويات عيش شعوب أخرى، يجعل حجم المطالب يرتفع، وحينما يكون حجم المطالب مرتفعا ولا يكون هناك عرض سياسي ومؤسسي مقنع وبإمكانه احتواء هذه المطالب يحدث هناك ضغط من أجل التحول السياسي.

وأشار إلى أن العالم العربي والإسلامي عرف محطات لمحاولات التحول السياسي، أولها حركة التحرر من الاستعمار “رغم الالتفاف الذي حصل بعد الاستقلال لكن تلك الحركات شكلت تعبيرا واضحا عن إرادة التحول والرغبة فيه لولا ما حدث من التفاف في سياقات معينة”.

ومن تلك المحاولات محاولة يضيف الباحث الأكاديمي “الربيع العربي وما وقع فيه من زلزال الأنظمة التسلطية في العالم العربي، وقد استمر هذا رغم سياق التراجع كما وقع في السودان والجزائر ولبنان…” وكان يمكن أن تكون هناك مآلات مهمة لهذه الحركات لولا استغلال الأنظمة لجائحة كوفيد 19 للحد من هذه الاحتجاجات والحركات. وفق ما ذهب إليه المتحدث.

واعتبر أن التوصيف الحالي لحالة التحول في العالم العربي، بعد أن كان بعض الباحثين يتحدثون في سنة 2010 و2011 عن إمكانية موجة رابعة للانتقال الديموقراطي يكون فضاؤها العالم العربي والإسلامي، “يمكن اليوم أن نتحدث ونجمل هذا التوصيف في توصيفين اثنين، ونقول هناك انطلاقات محبطة وهناك انطلاقات غير مكتملة في بعض الدول”.

وما جعل هذه الانطلاقات تبقى في هذه الحدود من الإحباط وغير الاكتمال؛ هو وجود عقبات، ومن المهم للفاعلين السياسيين، العاملين فعلا من أجل إحقاق التحول في العالم العربي والإسلامي أن يعوا هذه العقبات.

من هذه العقبات مشكل نشأة الدولة بعد التحرر من الاستعمار، مشيرا إلى ما ذكره المفكر الفرنسي “بيرتران بادي” في كتابه “الدولتان” حيث طغيان الحيز السلطاني في الدولة العربية على الحيز السياسي، وكان العرف عوض القانون وكانت شرعية التقليد عوض شرعية التحديث وكانت الفتنة عوض الأمن وكان الاغتراب عوض المواطنة وكانت المنازعة عوض المطالبة. وكل هذا كان له تأثير سلبي على التحول السياسي في العالم العربي.

طالع أيضا  الدكتور لحلو يستعرض في مجلس النصيحة الكمال الخلقي عند الإمام ياسين

أما العقبة الثانية فهي “دعم الأنظمة الغربية للأنظمة العربية المستبدة مقابل مصالح اقتصادية قد يكون القليل من هذه المصالح مشروعا والكثير منها غير ذلك والأمثلة على ذلك كثيرة جدا”، كما وقع سنة 2014 حيث زار السيسي الرئيس الفرنسي الأسبق هولاند، وبعد الزيارة كمكافأة تم شراء 24 مقاتلة من مقاتلات رافال من طرف الدولة المصرية. ولقاء السيسي بالمستشارة الألمانية ميركل وفي نفس يوم اللقاء وقعت فيه شركة معروفة في ألمانية صفقة مع مصر تبلغ قيمتها 8 ملايير يورو لتوليد محطات طاقة تعمل بالغاز والرياح.

عقبة أخرى يضيف منار “هي الصراع العربي الإسرائيلي”، حيث إن عرقلة الديموقراطية في هذا الصراع “يجعل عرقلة الديموقراطية في العالم العربي من قبل بعض القوى الدولية أولوية حتى لا تهزم إسرائيل”، ومن العقبات أيضا ما ناتج عن الاستعمار من صراع بين الدول العربية نفسها.

وجعل منار “عدم نضج الفاعلين السياسيين” عقبة من العقبات وذلك في ثلاثة مستويات، الأولى عدم التمكن من طرح مشاريع قابلة للتحقق في ظل الإكراهات الدولة والإقليمية، والمستوى الثاني عدم بلورة حركات اجتماعية محتضنة لتلك المشاريع، والمستوى الثالث وهو مشكل كبير وهو مشكل غياب التفاهم وغياب التنسيق بين هؤلاء الفاعلين، “بل أحيانا لاحظنا سواء في مجموعة من الدول كمصر وتونس وغيرهما لاحظنا كيف تتحول بعض القوة بسبب العداء الإيديولوجي لبعضها إلى خادمة للسلطوية وخادمة لأجوندات إقليمية ودولية مضادة للتحول السياسي”.

ومن خلال هذه العقبات الأساسية يظهر بأن هناك تداخلا في البعد الداخلي والبعد الخارجي، “لذلك لا يمكن التطلع إلى تحول سياسي في العالم العربي والإسلامي دون استحضار التأثير الخارجي، هذا التأثير الذي لا ينبغي بأي حال من الأحوال تهويله، كما لا ينبغي التهوين منه”.

وحيال ذلك يضيف الباحث أنه يطلب من الفاعل السياسي والمدني التخلص من ثلاث وضعيات، الوضعية الأول هي وضعية المستقيل التي تجعله مستسلما لفكرة عدم إمكانية التحول الديموقراطي في ظل الظروف الدولية والإقليمي الحالية، والوضعية الثانية هي وضعية المرتهن الذي يرتمي في أحضان القوى الدولية والإقليمية لتحقيق التحول السياسي، والوضعية الثالثة هي وضعية المغامر الذي لا يقيم أي وزن لتلك التوازنات إلى أن يصطدم بها في الواقع.

طالع أيضا  التربية النبوية المتوازنة وآثرها في درء المفاسد وجلب المصالح (2)

ومراعاة هذه التوازنات تقتضي من الفاعلين السياسيين المدنيين الراغبين في التحول -يقول منار- “معرفة بأهم التحولات وحسن التعامل مع هذه التحولات العالمية والإقليمية، ويمكن أن نبرز أهم هذه التحولات في أربع تحولات أساسية”.

التحول الأول هو أنه رغم أن الولايات المتحدة لا تزال هي القوة المهيمنة الأولى فيلاحظ أن هناك توجها نحو تعدد الأقطاب وصعود قوى دولية أخرى كالصين وكوريا واليابان، وهذا التصاعد إذا ما تم التعامل معه بشكل جيد من القوة العاملة على التحول السياسي يمكن أن يكون عاملا مساعدا، فهو حديث عن استغلال الفرص وليس الارتهان للعامل الخارجي، يوضح منار.

التحول الثاني، فلاحظ من خلاله المتحدث أن هناك تحديات جديدة تفرض أكثر من أي وقت مضى التعاون الدولي، هناك الجريمة المنظمة وتحديات مرتبطة بالبيئة وكورونا وما نتج عنها، “كل هذا أصبح بشكل غير مسبوق يفرض التعاون الدولي”.

أما الثالث في التحولات الدولية، هو “وضوح الآثار السلبية للعولمة المتوحشة، ليس فقط على شعوب الدول النامية ولكن أيضا على شعوب الدول المتقدمة”.

بينما التحول الرابع له ارتباط بهذا التحول الثالث، وهو أن اليوم أصبح هناك تمايز في الدول الغربية بين الأنظمة واللوبيات الاحتكارية من جهة وبين منظمات المجتمع المدني الداعمة للتحول السياسي في العالم العربي.