تحدث الدكتور محمد الشرقاوي أستاذ تسوية الصراعات الدولية عن التحديات الجديدة للتعاون الدولي أو المسافة بين الردع النووي والردع الوبائي، وخاصة عن سؤال اعتبره مغيبا في هذه المرحلة، هو هل يمكن الاعتداد بأهم المؤسسات التي أنيط بها تحقيق التعاون الدولي وعلى رأسها الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة؟ وما هي حصيلة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين منذ تأسيسها بمقتضى معاهدة سان فرانسيسكو قبل ستة وأربعين عاما؟ وذلك خلال مشاركته في الندوة الدولية التي نظمها مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان حول: “تحديات التعاون الدولي والتحول السياسي في العالم العربي والإسلامي“، يوم الجمعة 11 يونيو 2021 في بث مباشر على قناة الشاهد الإلكترونية.

الأستاذ الزميل في مركز السرديات وتحليل النزاعات بجامعة جورج ميسن بواشنطن أضاف بأن الدول التي وقعت على المعاهدة آنذاك، وكذا الدول التي انضمت إليها في العقود اللاحقة، اتفقت على ضرورة العمل على الردع النووي، فيما فرضت وتفرض الآن جائحة كورونا منذ عام ونصف سؤالا أكثر إلحاحا: هل يسعى المجتمع الدولي حقيقة لردع نووي موازن بعد اجتياح أوبئة سابقة مثل الكوليرا وإيبولا؟ وهل يمكن تفادي ارتفاع عدد الوفيات من جراء الإصابة بكورونا حاليا بعد أن تجاوز إجمالي الضحايا ثلاثة ملايين شخص في العالم في شهر أبريل الماضي؟

وانطلق الشرقاوي في حديثه متسائلاً عن كيفية تعريف مفهوم التعاون الدولي؟ وكيف تحول إلى لبنة أساسية للعلاقات بين الدول؟ وكيف ولدت الدبلوماسية المعاصرة من رحم فلسفة التعاون خلال القرن الماضي؟ وأضاف بأنه يمكن استعراض عدة تعريفات لهذا المفهوم، مقترحاً تعريفا بسيطا يحدده بأنه “نمط عالمي من التفاعل بين دولتين أو أكثر، يعتمد على مشاركة نتائج البحوث، والإنتاج، والتجارة، وحماية الاستثمارات، والمعرفة الصناعية“، وهو أيضا مرتبط. بما قد يدور في الذهن عندما يأتي السؤال، كما هو الحال مع تحديات كورونا في المرحلة الراهنة، كيف ولماذا نتعاون كدول وشعوب؟ في مقال منشور في نوفمبر الماضي بعنوان: تعددية الأطراف: ما هي خيارات السياسة العامة لتعزيز التعاون الدولي؟ يوضح كمال درويش، كبير الباحثين في مركز شؤون الاقتصاد العالمي والتنمية في واشنطن، والمسؤول السابق في البنك الدولي كيف أن العديد من النداءات إلى التعاون الدولي تتضمن بالإضافة إلى الإشارة إلى قيم معينة مثل القيمة الجوهرية المتساوية للحياة البشرية في كل مكان، تشمل إضافة إلى ذلك الاعتبارات الأخلاقية والمصلحة الذاتية كأساس منطقي للتعاون. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك اقتراح الوصول العالمي إلى لقاح كوفاكس، وذلك للحد من انتشار كورونا، وهو مثال يدافع عن أمرين معاً: أنه يمكن لكل بلد الاستفادة من نشر لقاح عالمي منصف للمساعدة في الحماية من حملات الاصابة المستوردة أو عن طريق الاختلاط، وأن هناك واجبا أخلاقيا لضمان ألا يحرم المواطنون في العالم من تلقي الأدوية التي تنقذ أرواحهم.

وطرح المتحدث سؤال مهماً آخر، وهو كيف أصبح التعاون الدولي منظومة معيارية في العلاقات بين الدول، مجيباً أنه في نظره هناك عاملان أساسيان يندرجان ضمن ما أسماه بثنائية الواقعية السياسية والمثالية السياسية، أو سياسة القيم بين فترات تحول، تتم عن طريق الباب الدوار، من فترة حرب إلى فترة تعايش سلمي، ثم إلى فترة حرب جديدة، وهكذا دواليك. العامل الأول أنه حتى بداية القرن العشرين لم تكن هناك مقومات واضحة لهذا التعاون الدولي، وحتى بعد قيام منظومة الدولة الأمة في ضوء اتفاقية عام 1648 عقب الحروب الدينية التي استمرت ثلاثين عاما وسط أوروبا، وتنافس الامبراطوريات فيها استمر بالتلويح بطبيعة عدائية مفترضة عند الفرد، وعند الدولة ايضاً، وذلك حتى في فكرة العقد الاجتماعي كما تصوره عدد من الفلاسفة، ومنهم توماس هوبز الذي اعتبر العلاقات بين الدول هي بمثابة حرب مطلقة، أو حالة الحرب الدائمة بشكل فطري حسب اعتقاده، ولوّح أيضا في كتابه اللفتيان عام 1651 قائلاً: الوقت الذي يعيش فيه الرجال بدون قوة مشتركة لإبقائهم في حالة من الرهبة فإنهم يكونون في تلك الحالة، التي تسمى الحرب، وهي في نظره حرب كل إنسان ضد كل إنسان. ولم يظهر نسق التعاون الدولي كتطور تلقائي، أو كتطور سياسي بين الدول، وإنما كضرورة هددت البشرية في صراعها الوجودي، مرتين على الأقل في حربين عالميتين، في النصف الأول من القرن العشرين.

أما العامل الثاني فهو ما يمكن اعتباره الأطروحة النقيض أو من يتمرد على المستوى البنيوي الدولي في الواقعية السياسية، للحد من مخاطر الإفراط في اتكال الدول على القوة، وهي قوام السياسة، وكيف أصبح العالم منطقة تقاسم نفوذ بين القوة العظمى والقوة الاستعمارية، فتحولت المناطق التابعة للمعسكرين الشيوعي أو الغربي إلى مناطق صراعات مفتوحة، لا تزال الأرواح تزهق فيها حتى هذه اللحظة، من الكونغو إلى اليمن إلى أفغانستان. وبالنظر إلى ضراوة الحرب العالمية الأولى تبينت ضرورة وضع آليات معينة لتفادي العودة إلى أتون الحرب، وتراجيديا الموت بالملايين، وتجسد هذا المنحى نحو فكرة تعالايش والتعاون وبقية مفاهيم المثالية السياسية، أو سياسة القيم، فيما يعرف أيضا بالمبادئ الأربعة عشر التي قدمها الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون لأعضاء الكونجرس في الثامن من يناير عام 1918، وهي صيغة من أجل التركيز على جهود إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى.

طالع أيضا  قراءات في الفكر المنهاجي.. كتاب للأستاذ بويبري يعرض جوانب من تصور الإمام ياسين

وانتقل المتحدث إلى النظر في التقييم السلبي لعمل المؤسسات الدولية، والنقاش الذي دار خلال الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيس الأمم المتحدة، حيث كان المتحدث ممن انتقدوا أداء هذه المنظمة العالمية خاصة في العقد الاخير، خصوصاً عن تأمل دور الأمم المتحدة بكافة مبعوثيها المتعاقبين إلى اليمن أو الأزمة السورية أو حتى صراع الصحراء، وتعثر خطط التسوية كافة، ومتاهة اختيار وتحديد مبعوث جديد للأمين العام للوساطة بعد اعتراض الطرفين بنسب مختلفة على ترشيح اثني عشر من الشخصيات حتى الآن. مضيفاً بأن مجلس الأمن يعاني “حالة ارهاق“، وهذا التقييم السلبي لا يبتعد عما نبه إليه من قبل بعض الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة مثل رئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو ونظيراه البريطاني ديفيد لويد والايطالي فيتوريو أورلاندو، عندما شكك في قابلية تطبيق تلك “المثالية الويلسونية الأمريكية”. لكن المعضلة ليست مدى قوة أوضاع المؤسسات التي انبثقت من فلسفة ويلسن، سواء كانت عصبة الأمم او حاليا الأمم المتحدة، بقدر ما هي تعثر الإنسانية في تعديل أو تحوير العلاقة بين الحرب والسلام، وأيضا أسباب تناحر الدول بين بعضها البعض خلال فترات مد وجزر. وقد انضمت الولايات المتحدة إلى الوفاق الثلاثي في الحرب العالمية الأولى لعدة أسباب، منها استئناف ألمانيا حرب الغواصات ضد السفن التجارية التي كانت تجري التصدير والاستيراد مع كل من فرنسا وبريطانيا، ولم يكن الرئيس ويلسون رجل حرب أو مواجهات تدميرية بقدر ما حاول، كما يقول بعض المؤرخين، بغض النظر عما في الحرب من نزاعات أو طموحات قومية، هو أن يحفظ ماء الوجه لبلاده، وأيضا للدول الغربية الأخرى بعدما كشف بعد سقوط الحكومة الروسية في موسكو عن معاهدات سرية تمت بين الحلفاء، فجاء خطاب الرئيس ويلسون بشأن السلام الصادر في نوفمبر 1917 بمثابة رد على مرسوم فلاديمير لينين بعد شهر واحد على ثورة اكتوبر 1917 في روسيا كما نتذكر في دروس التاريخ.

مثالية ويلسون التي قدمت أفكارا تقدمية ودعوة لتشجيع التجارة الحرة والاتفاقات المفتوحة ونشر الديموقراطية وحق تقرير المصير ليست بالضرورة. صحوة ضمير أو دعوة من نبي سياسي، وإنما تحمل في طياتها عناصر استراتيجية بما يحمي القوة والمعنوية الأمريكية، ويمنح خطابا إصلاحيا لسياسته الخارجية. واستعرض المتحدث بشكل مقتضب بعض المحاور الرئيسية في مبادئ الرئيس ويلسون، والتي لا تزال تحافظ على زخمها واستمرارها حتى الوقت الراهن، أولا أن العلاقات تقوم على مواثيق سلام عامة، وتكون المعاهدات الدولية علانية وغير سرية، ثانياً تأمين حرية الملاحة في البحار خارج المياه الإقليمية في فترات السلم والحرب إلا ما ينص عليه الاتفاق الدولي خلافا لذلك، ثالثا إلغاء الحواجز الاقتصادية بقدر الإمكان وايجاد مساومة بين الدول المتعاونة في الحفاظ على السلام، رابعاً تخفيض التسلح إلى الحد الذي يكفل الأمن الداخلي، خامسا وضع إدارة عادلة للمستعمرات تنفذ ما يحقق مصالح سكانها، سادساً الجلاء عن الأراضي الروسية كلها والتعاون مع أي حكومة روسية يختارها الشعب، إلى أن يصل ألى المبدأ الرابع عشر وهو تأسيس عصبة الأمم. هذه أهم ما في مبادئ ويلسون.

هناك أيضا سؤال ثالث مهم، حيث يمثل التعاون الدولي أحد المنصات الاخلاقية التي ينطلق منها اليسار في الولايات المتحدة وأوروبا، وذلك في رده على غلظة المحافظين واليمينيين في خدمة الذات القومية والمركزية الغربية، وتحن الأوساط اليسارية في الحزب الديمقراطي الأمريكي خلف الرئيس بايدن حاليا في البيت الأبيض إلى ما كانت عليه أمريكا بفضل المبادئ الأربعة عشر التي سطرت عقب الحرب العالمية الأولى وألهمت بالتالي بفكرة عصبة الأمم، وأيضا بخطة إعمار غزة كصيغة مصغرة جداً لخطة مارشال التي تبناها الرئيس روزوفيلت للمساعدة في إعادة إعمار أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945، وأيضا لتفكير الرئيس جون كينيدي في مساعدة الدول الصديقة وتأسيس الوكالة الأمريكية الدولية في بداية الستينات. ينم خطاب التعاون مع الدول الأخرى والذي يرتدي عباءة النزعة الدولية، أو عباءة الأممية عن مغزى استراتيجي في تطور السياسة الخارجية الأمريكية، بين فترات خدمة الأجندة الجمهورية وافتعال حروب مثل حرب العراق عام 2003، وفترات السلام والاستقرار والانفتاح مجددا على المؤسسات والمعاهدات والمواثيق الدولية، مثل ذلك قرار الرئيس بايدن استئناف عضوية الولايات المتحدة في منظمة الصحة العالمية، وأيضا اتفاقية باريس للمناخ، والسعي لاستئناف العمل بالاتفاق النووي الإيراني، وبقية تجليات تلك النزعة الدولية أو الأممية وتعميق الإصلاحات والديمقراطية ومعايير حقوق الانسان في مختلف الدول. هكذا إذن يعود خطاب التعاون الدولي في حقبة كورونا، ويثير أسئلة مركبة جديدة، ما السبيل لتفكيك ما بعديات الجائحة وتركيب منظومة بديلة في الاقتصاد والعلاقات الدولية وتوازن القوة؟ وأيضا دور الدولة ومسؤوليتها عن الأمن البشري والأمن البيئي وليس مجرد الأمن الدفاعي على الحدود أو حراسة الممتلكات وبناء المحاكم والسجون؟ لكنها في الوقت ذاته تحسم ما بعديات قديمة ظلت عالقة في تفكيرنا السياسي والفلسفي منذ عام 1989، وهي أسئلة ما بعد الحرب الباردة، وقبلها ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية منذ سبعينات القرن الماضي. حقبة كورونا إذا تؤسس لشبه قطيعة مع التذبذب في تركيب منظومة اقتصادية وسياسية جديدة، وتلح على “التقريض“، وهو في نظر المتحدث اللفظ المناسب لدى الغرب لمقولة نقد وتقريض الوجود البشري صحيا واقتصاديا وسياسيا وفلسفياً.

طالع أيضا  ذكرى المولد النبوي والاحتفال المنشود

التفكير في الغد يبنى على سلسلة طويلة من اللا يقينيات، بموازاة طابور طويل من أسئلة الما بعديات، فما هو مدى المضاعفات المادية والبنيوية لجائحة كورونا؟ وكيف هي طبيعة التحولات النفسية والذهنية والسلوكية لدى الفرد والأسرة لدى المجتمع، ما بين الما قبل والما بعد من بعديات الجائحة؟ هل هناك أي مؤشر تاريخي موضوعي يمكن أن نستعين به في تدوين ما بعد كورونا، على أنها مرحلة مفصلية قد تكون أكثر عمقا وتأثيرا من سقوط جدار برلين ونهاية الحرب في نوفمبر 1989؟ أو حقبة العولمة التي اتخذتها الليبرالية الجديدة مطية منذ الثمانينات من القرن الماضي؟ والمرحلة القانونية أو الاستعمارية في الستينات؟ وأيضا الاقطاعية في القرن التاسع عشر وانتشار الحداثة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وقبلها الثورة الصناعية في القرن الخامس عشر؟ وهكذا دواليك في تعقب المنعرجات الكبرى في تطور التاريخ البشري وتطور المجتمعات والحكومات؟

وأشار المتحدث إلى دراسة جديدة نشرها مركز بروكينز قبل أسابيع قليلة بعنوان: حان الوقت الآن للتركيز على النظام متعدد الأطراف، يقول الباحثان بروس جونز وسوزانا مالكورة إنها “أجندة طموحة لعالم يجتهد الفعل للتعامل مع الاستجابة لكورونا، وبغض النظر عن التعددية التنافسية فإن الفرضية الأكثر مثالية هي العودة إلى الزعامة الأمريكية متعددة الأطراف، مع تبادل الأفكار والطموح والمبادرات السياسية للقوة المتوسطة في العالم. وبوجود بايدن الآن في البيت الأبيض من الواضح أن الولايات المتحدة تعود للقيام بدور نشط في الشؤون العالمية”.

ثم انتقل الشرقاوي للحديث عن أهمية الردع الوبائي، وأيضا البعد الانساني في أي صيغة مرتقبة للتعاون الدولي، وما بعد وجود الأمم المتحدة إذا غابت أو انهارت. إذ تشكل تقلبات معدلات الاصابة بكورونا وعدد الوفيات من جرائها والجائحات المتحورة الأخرى تحديا للحكومات الوطنية وأيضا منظومة الأمم المتحدة على حد سواء. ثمة مؤشران في نيويورك وجنيف يكشفان ليس التأثير المدمر للوباء فحسب، بل وأيضا عدم قدرة النظام العالمي الحالي، فقد قال الامين العام للأمم المتحدة أن الوباء كشف أوجه قصور هائلة، وهشاشة وخطوط تصدع. وكانت أفضل نصيحة اقترحها الدكتور جابريسوس، وهو على رأس منظمة الصحة العالمية، هي الرجاء والدعوة بعدم تسييس كورونا، وكما قال ينبغي ألا نضيع الوقت في توجيه أصابع الاتهام.

وأكد الأستاذ الجامعي أن التعاون الدولي الآن يمهد لمرحلة ما بعد كورونا، وذلك فتح الطريق لثلاثة سيناريوهات محتملة، الأول هو استمرار النقاش بين جل دول العالم حول ضرورة إعادة تركيب مجلس الأمن، وتقييم حق النقد أو الفيتو الذي يبقى حكراً على خمس دول كبرى دون غيرها. وهذا نقاش شهدته الذكرى الخامسة والسبعين قبل أشهر، كما عايشته جلسات الذكرى الستين لتأسيس الأمم المتحدة، عام 2005، وتتمسك بعض الدول مثل البرازيل، أحد أعضاء مجموعة الأربعة إلى جانب اليابان وألمانيا والهند الذين كانوا يتطلعون إلى أن يصبحوا أعضاء دائمين في مجلس الأمن، يتمسك بالقول أن المرحلة الراهنة تجاوزت منذ فترة طويلة حقائق القوة وميزانها كما كان عام 1945، والهيكل الامني الذي تم إنشائه آنذاك أصبح الآن قديما بشكل صارخ. وأكد سفير اليابان أن الدول التي لديها الإرادة والموارد للقيام بدور رئيسي في مهمة السلم والأمن الدوليين يجب أن تشارك دائماً في عملية صنع القرار في الأمن الدولي في نيويورك. وقد يؤدي الخوف من فيروس كورونا حالياً إلى انعزالية قصيرة المدى، ومع ذلك فإن الحكمة التقليدية ستستعيد أهمية التعاون الدولي بالضرورة على المستوى الطويل، وقد يكون هناك جانب إيجابي في الانتقال من كهف فيروس كورونا القاتم إلى إعادة بناء الأمم المتحدة كمنظمة عالمية، أو استشراف مرحلة ما بعد الأمم المتحدة.

ثمة تحول بنيوي يثيره مستقبل التعاون الدولي أيضا ضمن المعركة بين المنتقدين والمدافعين عن النيوليبرالية، إذ يبدو أنها نيو ليبرالية محرجة، ففي لحظة الحقيقة عندما انجرفت الإنسانية العام الماضي، من علياء التبشير بها من قبل رونالد ريغان في الثمانينات كدعوة براقة لتحرير القيود أو إلغاء القوانين التنظيمية أو التحرر الاقتصادي أو توسيع القطاع الخاص أو حتى التقشف المالي، هذه النيو ليبرالية أو الليبرالية الجديدة التي عايشت ربيعها لأربعين عاما لن تستمد قوتها من عدة مفاهيم افترضت أنها ترتكز على المفهوم الكلاسيكي للإنسان الاقتصادي، وهو باختصار إنسان عقلاني تماماً موجود في العديد من النظريات الاقتصادية، ويسعى دائما لمصلحته الذاتية فقط، لكن هذه المصلحة الذاتية تصبح الآن شائكة معقدة في حقبة كورونا دون الاعتداد بحتمية الصحة العامة، ولن يكون لها قوام الدفاع عن أي حرية وعن أي مبادرة من قبل القطاع الخاص.

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام.. حبه صلى الله عليه وسلم من حب الله (11)

كلما أثير التعاون الدولي تزداد أهمية البعد الانساني الملحة في التعامل أيضا مع البيئة في إعادة بناء النظام العالمي، وتكتشف الصحة العامة خاصة أهمية أكبر في أي تصور للأمن القومي للدول منفردة، وحتى للعالم بأسره. أي فترة تاريخية ما بين وما ما قبل وما بعد كورونا ستعزز الحاجة لردع الجائحة، كفرع من الاحتياجات الإنسانية الأساسية التي دعا إليها مجتمع حل النزاعات بشدة منذ عقود، أو ما نسميه البعد الانساني كما نظر له ابراهماز وجون دورتون وغيرهم من أهم من كتبوا في نظريات الصراع ونظريات بناء السلام، ويشير بيان الذكرى الخامسة والسبعين للأمم المتحدة إلى دعم الجمعية العامة الكامل لاستعراض هيكل بناء السلام.

واعتبر الشرقاوي أن هناك حاليا كما يلاحظ قناعة متزايدة بأن القوة الصلبة والقوة الذكية لم تعودان في تحليل تطورات السياسة الدولية، وأن الدول العظمى ذات الحق في استخدام الفيتو في مجلس الأمن الدولي تركز على الردع النووي ولم ولا تفكر في الردع الوبائي، ويبدو أن السنوات السبعين الماضية نسجت على الردع النووي واصطفاف الكبار في النادي النووي، وامتلاك القنابل والمفاعيل النووية، والرؤوس الصاروخية المتطورة، وكل المنظومة العسكرية التي تقوم أساسا على استعراض القوة، فضلا عن تكريس وتوسيع القوة الاقتصادية، واكتساح الأسواق من خلال تيار العولمة، دون الاهتمام حقيقة بالردع الوبائي الذي نواجهه حالياً، فكل منظمة تقوم على القوة أصبحت الآن على الهامش إزاء التركيز على حتمية الصحة والوجود البشري، حتى داخل مجلس الأمن أو ما سيصبح عليه مجلس الأمن الجديد، وسط النقاشات المحتدمة، وسيفرض القانون الدولي والإنساني بضرورة تجاوز منطق القوة إلى التعايش من أجل البقاء المشترك في الوجود لذلك سيواجه ميزان القوة الحالي داخل مجلس الأمن مزيدا من التحدي والنقاشات ستكون أكبر بفعل السجالات في الجمعية العامة طيلة خمسة وسبعين عاماً بعد الحرب العالمية الثانية، قيل للرأي العام العالمي أن الاسلحة النووية ضرورية وأساسية للأمن الدولي، وتوازن القوة الاستراتيجي، وبدونها سيواجه العالم صراعاً عالميا آخر. تتضائل هذه القراءة النووية لمخاطر العالم وتتراجع أهميتها بسبب غلبة القراءة الكورونية، أو القراءة الصحية أو الطبية، وأيضا الاستشراف القائم على مستقبل الصحة العامة في العالم، وتهديده بالجلوس على صدر الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة.

فقد قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهو الجهاز الأكثر دقة على ما يبدو بين وكالات الأمم المتحدة، قام بالتعامل مع تحليل التحديات الاجتماعية والاقتصادية للعالم، وقدم هندسة استراتيجية تستجيب على ما يبدو لأزمة كورونا إلى حد ما بمساعدة صانعي السياسات، للنظر إلى ما بعد مرحلة التعافي أي نحو عام 2030، وذلك في أربعة مجالات رئيسية: هي الحكامة أو الحوكمة، وأيضا توفير الضمان الاجتماعي، وأيضا الدعوة للاقتصاد الأخضر وحماية البيئة من الاضطراب، والتطور الرقمي.

وختم الشرقاوي مداخلته بالإحالة إلى ما يعتقده أمين عام الأمم المتحدة من أن تأثير كورونا يضيف الوقود إلى نار مشتعلة بالفعل، من السخط. والقلق في العالم، ودعا إلى اتخاذ إجراءات على ثلاث جبهات، أولا الدعم الفوري للعمال المعرضين للخطر، والمؤسسات والوظائف، والسعي لتجنب الإغلاق، وفقدان الوظائف وانخفاض الدخل الفردي في عدد من الدول، ثانيا زيادة التركيز على كل من النشاط الصحي والاقتصادي بمعادلة متساوية بعد تسهيل عمليات الإغلاق، وتوفير أماكن عمل آمنة بديلة، واحترام حقوق الانسان والسكان المعرضين للخطر، ثالثاً الحاجة للتعبئة من أجل الانتعاش، اقتصاد أخضر ومستدام، وشامل، يكون الإنسان محوره، ويسخر إمكانات التقنيات الجديدة لإيجاد وظائف لائقة للجميع، ويعتمد على الطرق الإبداعية والايجابية التي تكيفت معها الشركات والعمال خلال هذه الأوقات العصيبة. وتعكس هذه التوصيات الثلات الحاجة لإشباع حاجات إنسانية أساسية، كما أنها تشير إلى تحول استراتيجي في وحدة تحليل جديدة ننتقل من السلطة إلى الإنسان كوحدة تحليل، ليس في الصراعات فحسب، بل أيضا في السياسة العامة والدولية.