سياق ومساق

قدمت لجنة النموذج التنموي تقريرها العام إلى الملك في أواخر ماي الماضي بعد قرابة سنة ونصف من تشكيل اللجنة التي قيل عنها أنها “ذات طابع استشاري وترتكز مهمتها في رسم ملامح نموذج تنموي متجدد وفق مقاربة تشاركية وشاملة”، ووعدت اللجنة “بتشخيص دقيق وموضوعي للوضع الحالي، بكل صراحة وجرأة وموضوعية، بغية رصد الاختلالات التي يجب تصحيحها وتحديد معالم القوة من أجل تعزيز المكتسبات، في أفق صياغة مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ”.

ويأتي تشكيل هذه اللجنة في سياق اتسم بنكوص شعارات ما بعد دستور 2011 سياسيا وتنمويا واجتماعيا، تُوج بإفصاح صريح من رئيس الدولة سنة 2017 بأن “النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية”.

ودون الغوص في الجوانب الشكلية المتعلقة بماهية اللجنة وطريقة تشكيلها وسقف عملها، وما أصبح يمثله هذا الأسلوب في التعامل مع الإشكالات العويصة في النظام السياسي المغربي من رهان اللعب على الوقت وافتعال نقاش لحظي ينتهي مفعوله بانتهاء مدة ومساحة المناورة السياسية لتعود بعدها الأوضاع إلى رتابتها المعهودة، فإننا سنحاول مقاربة النموذج التنموي الرسمي من أبعاد شتى لنطرح عليه الأسئلة الجوهرية الملحة.

1-    البعد السياسي وسؤال الديمقراطية

لا يمكن الحديث عن نجاح نموذج تنموي دون مدخل سياسي ودستوري، ركيزته الديمقراطية الحقيقية التي تجعل السياسات العمومية والقرارات الاستراتيجية للدولة تنبع من الإدارة الشعبية والمؤسسات التمثيلية للأمة ذات الصلاحيات الحقيقية.

 لكن يظهر أن منطق اشتغال النظام السياسي تجاه الأزمات يبقى هو هو لم يتغير؛ فلجنة النموذج التنموي تكرس منطق الاستمرارية وليس القطيعة مع نفس الأساليب المنتجة للخلل، إذ عوض الدعوة إلى حوار وطني عام تحضره كل القوى السياسية والمدنية بالبلد لتحديد مصادر الخلل المزمن الذي عطل التنمية منذ أزيد من ستة عقود من مراكمة الاخفاقات، وبناء مقترحات جدية وفعّالة لإخراج البلد من دوامة التخلف في كل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتم الوفاء للمنطق السلطوي في التدبير الذي ينسب دائما الإخفاقات للآخر المنفذ فقط دون غيره، في ضرب واضح لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي أقرت به التقارير الرسمية نفسها حين أكدت إحداها أن “المحاسبة المرتكزة على فعالية الفعل العمومي والاستعمال الناجع للمال العام، لم يترسخ بعد بشكل كامل في الممارسة المؤسساتية” 1. وهكذا أضحت عوامل فشل النموذج التنموي مقتصرة على غياب تناسق عمودي بين الرؤى التنموية المنزهة عن الخطأ والسياسات العمومية وغياب الالتقاء الأفقي بين هذه السياسات المخطئة دائما في نظر واضعي تقرير اللجنة 2

طالع أيضا  صناعة الحرية.. كتاب ماتع يقرأ فيه الدكتور الفراك التجربة السجنية للأستاذ عبد السلام ياسين

لقد تحاشت لجنة النموذج التنموي الحديث عن مدخل الإصلاح السياسي العميق بتكثيفها للخطاب حول الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وتغييب الجانب السياسي حيث لا حديث عن ضرورة تعديل الدستوري باعتباره ركيزة ومنطلقا لأي إصلاح أو تغيير، ولا حديث عن تغيير عميق في قواعد الممارسة السياسية، بالقطع مع الازدواجية في بنية الدولة بين دولة السلطة النافذة ودولة المنتخب الهامشية، وإلا فما جدوى ثلاث ولايات انتخابية بأحزابها وبرامجها،  وما سيهدر فيه من زمن وأموال الشعب إن كانت توصيات النموذج ملزمة ولم تعد ذات طابع استشاري كما أعلن في البداية؟

لم يتحدث تقرير اللجنة أيضا عن حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في ظل نزيف حاد يعاني منه الوطن في هذا المجال، بل ولا حديث عن استقلالية القضاء وفك ارتباطه بأجهزة السلطة، ووضع آليات صارمة لكف الزج به في تصفية الحسابات السياسية الضيقة مع كل ذي صوت حر غير شاهد بالزور السلطوي.

إن التجارب السابقة أكدت أن النظام السياسي المغربي يلجأ إلى مثل هذه الأساليب كلما تعرض للإرهاق السياسي نتيجة تعثر إصلاحاته الظرفية وتراكم مخلفات الاستبداد والفساد، بهدف التنفيس عن أزماته وإشراك النخب والمجتمع في تبعات إخفاقاته، وهذا ما يذكر بلحظة “السكتة القلبية” نهاية التسعينات التي واجهها بإخراج حكومة تناوب على الأزمة، وأيضا لحظة حراك 2011 حيث لجأ النظام السياسي إلى مناورة التعديل الدستوري وما تبعها من خطوات لم يستمر مفعولها كثيرا، ليأتي الحديث سنة 2017 عن فشل نموذج كان يراد له أن يكون حالة “سلطوية استثنائية” في البيئة الاقليمية المضطربة.

لقد أخلفت العقلية السلطوية مجددا الموعد مع الديمقراطية، بإصرار غريب على المضي بالبلد في نفق مظلم بمقاربة استعلائية اطفائية تروم ربح الوقت ورهن الأجيال المقبلة لسياسة الفشل، بعد أن أدت الأجيال الحالية والتي سبقتها أثمانا باهظة للعمى السلطوي.

2-    البعد الاقتصادي ورهان التنمية

رغم الحضور المهم للجانب الاقتصادي في تقرير لجنة بنموسى تشخيصا واستشرافا، إلا أن هذا التشخيص لم ينفذ إلى العمق البنيوي للأزمة الاقتصادية بالبلد، وظل التقرير يحوم تحت سقف “الخطوط الحمراء” 3 وهكذا يتحدث التقرير عن “ضعــف مكاســب الإنتاجيــة”، و“ضعف تنافســية المقــاولات الوطنيــة ومنــاخ الأعمــال”، بالإضافــة إلــى “الاختلالات الناجمة عــن منظومة التحفيــزات العمومية”، “ويتولــد عــن هــذا الوضــع تباطــؤ فــي مســار التحــول الهيكلــي للاقتصاد الوطني كما يدل علــى ذلــك بنيــة الناتــج الداخلــي الخــام التــي لــم تعــرف تطــورا كبيــرا خــال العقديــن الأخيريــن” 4.

توصيف تفادى التصريح الواضح على أن أزمة الاقتصاد الوطني أزمة ريع مرتبط بشراء الولاء السياسي للنخب على قاعدة “العطاء مقابل الولاء”، بهدف إعادة إنتاج النظام السياسي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، مما يفضي إلى تحول الفساد إلى ممارسة منظمة معلومة تنهب مقدرات البلاد وترهن الاقتصاد الوطني لمصالح اللوبيات المحلية ومؤسسات الهيمنة العالمية.

طالع أيضا  طيب معشره صلى الله عليه وسلم

لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية تصنع رخاء اجتماعيا دون فصل صارم بين السلطة والثروة والقطع مع اقتصاد الريع والولاء، ولا مدخل لذلك دون وجود إرادة سياسية حقيقية تُنزل شعارات الدولة إلى سكة التنزيل الصحيح لتوزيع عادل لثروة وطن قيل أن مواطنيه متساوون في الحقوق كما الالتزامات.

3-    البعد الاجتماعي وإشكالية العدالة

لا تفتأ التقارير الرسمية تسرد الواقع الاجتماعي الصعب الذي أضحى المغاربة يعيشونه بفعل ارتفاع كلفة الفساد المنظم والمحمي من طرف الاستبداد، فهي تقر أن “المواطنين لا يملكون الشروط والوسائل التي تؤهلهم للمساهمة الفعلية في التنمية”، و“النساء لا يزلن على هامش التنمية”، و“الوسط القروي لا يزال يعاني العزلة ونقص التجهيز ولا يساهم بالقدر الكفي في التنمية”، و“نظام الامتيازات يعمق الأزمة ويساهم في بطئ النمو”، و“السياسات العمومية الاجتماعية غير واضحة بالقدر الكافي في توجهاتها، ويعتري تنفيذها في الغالب عدم النجاعة”، و“المقاولون والمستثمرون  يواجهون جملة من الإكراهات تحد من قدرتهم على المبادرة” 5… وهلم جرا.

هذا النسق الاجتماعي المعتل هو نتيجة طبيعية لاعتلال النسقين السياسي والاقتصادي؛ فالفقر والبطالة والحرمان من الخدمات الأساسية تزداد مؤشراتها باطراد، والفوارق الطبقية والمجالية أصبحت بارزة أكثر من أي وقت مضى، والقدرة الشرائية للمغاربة تنهار يوما بعد يوما، والطبقة الوسطى لم يعد لها وجود بين قمة ضيقة محتكرة لخيرات البلاد وقاعدة عريضة محرومة، والتماسك الاجتماعي أضحى أكثر هشاشة، تنبئ بذلك مؤشرات إهلاك الذات واستفحال نزيف الهجرة، وتزايد جرائم السرقة، واتساع دوائر التسول، وحالات التفكك الأسري بسبب الأوضاع الاجتماعية الصعبة وغيرها كثير.

والأدهى أن هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة هي بؤرة انفجار يتسع قطرها رغم محاولات القمع والتنكيل التي طالت عددا من الاحتجاجات الاجتماعية، خاصة حراك الريف الذي كان مؤشرا قويا على أن رسالة الشعب كانت واضحة، وهي أن استقرار الوطن مدخله الحقيقي هو استقرار الوضع الاجتماعي للمواطن المغربي.

طالع أيضا  ذ. حمداوي: التطبيع مرفوضُ لأنه لا يخدم لا القضية الوطنية ولا فلسطين

وعوض اقتراح مداخل حقيقية لمعالجة هذه المعضلة الاجتماعية وتحقيق العدالة أطنب تقرير لجنة النموذج التنموي في سرد “متمنيات”، تدغدغ مشاعر المحرومين من قبيل “خلــق مجتمــع مفعــم بالمشــاركة الواســعة والحيويــة… وتكافــؤٍ فــي الحقــوق والفــرص وعلــى التضامــن والتمــازج والانفتــاح”! 6

4-    البعد السيادي واستقلال القرار الوطني

إن الحديث عن تخطيط دولة لتحقيق نموذجها التنموي هو حديث بالدرجة الأولى عن امتلاك تلك الدولة لقراراتها واستناد خططها الاستراتيجية على مصالح شعبها القومية، وارتباط سياساتها بالإرادة الشعبية المنبثقة عن صناديق الاختيار الحر والنزيه، والسعي إلى التموقع في عالم سمته الصراع على المصالح برهانات الاستقلالية لا برهان تكريس التعبية لقوى الاستعمار السياسي والاقتصادي.

وقد أثار عرض رئيس اللجنة التقرير المرحلي لعملها على السفيرة الفرنسية في شهر يونيو 2020 قبل عرضه على المغاربة، الكثير من علامات استفهام حول المغزى من هذه الخطوة التي تؤكد استمرار ارتهان قرار المغرب للمستعمر التاريخي.

كما أن ترحيب البنك الدولي السريع، باعتباره من أهم مؤسسات الهيمنة العالمية، بتقرير النموذج التنموي يزيد من حدة التساؤلات المشروعة حول المغزى الحقيقي من هذا المخطط وأجندته، خاصة بعد تصريح رئيس اللجنة عن حتمية الاقتراض من المانحين الدوليين لإنجاح أهداف النموذج التنموي الموعود به.


[1] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، النموذج التنموي الجديد للمغرب، مساهمة المجلس، 2019، ص42.
[2] اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، النموذج التنموي الجديد، التقرير العام، أبريل 2021، ص29.
[3] تعبير للخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، ورد في مقال: أقصبي: تقرير لجنة النموذج التنموي مليء بالمحرمات وبقي في حدود الخطوط الحمراء، منشور في موقع لكم على الرابط: https://lakome2.com/politique/232704/.
[4] النموذج التنموي الجديد، التقرير العام، ص25.
[5] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ص 45-58.
[6] النموذج التنموي الجديد، التقرير العام، ص 106.