“مُــولْ عينْ واحدة ما يلعبْ فـي الـــتبَنْ” مثلٌ شعبـيٌّ مغربــــيٌّ بحمولة تحذيرية من ركوب الـمخاطر والـمغامرة، وله رواية أخرى تقول: “مول عين واحدة ما يْبُوس بَـــلاَّرَجْ”. وإذا كانت الرواية الأولـى تحذر صاحب العين الواحدة من اللعب فــي التبن لـما يتهدد عينه من أذى نتيجة تطايـُر ذرات التبن؛ فإن الرواية الثانية تحذير لذي العين الواحدة من أن يلاعب اللقلاق (بلاّرج) ويحاول تقبيله، فحركة طائشة منه قد تكلفه عينه.

مثل بروايتيه وُظّف فيها الـمجاز، فامتلاك عين واحدة كناية عن محدودية الإمكانيات التي تفرض حذرا كبيرا قبل اتخاذ أي قرار؛ مَثَل يواجَهُ به من يسيء الاختيار والتقديـر فـي التعاطـــي مع أمر ذي بال، فيكون أشبه بالـمغامر الـمتهور، حيث الإخفاق أقرب من النجاح.

وإذا كان الإقدام مطلوبا، فإنه لا يُسوغ القفز علـى معطيات الواقع: القدرات الذاتية مقارنة مع متطلبات النزال أو الـمواجهة، دون اغترار بالذات واستخفاف بالـمنافس أو الخصم. لذلك قيل: “رحم الله من عرف قدره”.

“مُــولْ عينْ واحدة ما يلعبْ فـي الـــتبَنْ” تحذير من الـمغامرة غير الـمحسوبة وركوب الـمخاطر فيما يشبه الإلقاء بالنفس إلـى التهلكة، لكن دون تهويل للأمور، وإلا فأعظم الإنجازات العلمية التي حولت مسار الحضارة البشرية كانت مغامرة وجنونا بكل ما يعنيه الجنون من معنى، والانتصارات العسكرية التي غيرت مجرى التاريخ كانت أشبه بالعملية الانتحارية: غزوة بدر نموذجا، حيث لا مجال للمقارنة بين قدرات فريقـي الـمواجهة. يقول جل سلطانه فـي سورة “آل عمران”: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي، نصركم الله وأظهركم علـى عدوكم بما كنتم عليه من قلة عددا وضعف عُدة وهوان على الناس.

ودحضا للسلبية والانبطاحية باسم الواقعية اعتبارا لـمضمون الـمثل بروايتيه، وجب التنبيه إلـى الخيط الدقيق بين الإقدام والاقتحام وبين الجبن والتردد، حيث تكون الثقة فـي النفس مع الاستعداد للتضحية وحسن استثمار الإمكانيات علـى تواضعها عوامل حاسمة فـي النصر والنجاح. هذا بالـمشترك الإنسانـي، وإلا فالإيمان بالله تعالـى يكسب صاحبه يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ يقينٌ لا يلغـي اعتبار الأسباب الـمادية وإفراغ الوُسع فـي إعدادها وترشيد توظيفها. يقول الشاعر أحمد شوقـي فـي رائعته “سلو قلبي” فـي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وهــي من الشعر الغنائــي:

طالع أيضا  خير نساء العالمين |3|يا فاطمة أنقذي نفسك من النار (فيديو)

وما نيلُ الـمطالبِ بالتمني***ولكن تـؤخـذُ الــــدنيا غِــــــــــــلابــاً

فالـمغالبة أو التدافع بالتعبير القرآنـي سُنة كونية جارية بيـن الناس، كل الناس؛ وإنما الحاسم فـي التدافع أن يُختار معسكر الحق، والحق لا يكاد ينتصر بالقوة العددية، قدر انتصاره بثبات أصحابه من ذوي العين الواحدة.

“مُــولْ عينْ واحدة ما يلعبْ فـي الـــتبَنْ” مثل بمجازيته يصلح للدلالة علـى أن صاحب الحياة الواحدة كـالعين الواحدة، لا يجدر به أن يهدرها فــي ملاعبة اللقالق والانغماس فـي “تِبْـنِ” الأمور وسفاسفها، جريا وراء شهوات زائلة ونزوات عابرة أو طلبا لسلامة “عينه” من مقارعة الفساد والظلم؛ بل عليه أن يتحرى الكياسة فيغنم حياته فـي طلب معالـي الأمور، ولا يقنع بغير مقام الصديقية وصحبة من حسُنت رفقتهم فــي الدنيا مجاهدة للنفس ومغالبة للهوى ومنافحة عن الحق تحزبـــا لله ونصرة للمستضعفين، وفـي الآخرة اعتلاء لـمنابر نورانية تتوج بالنظر إلـى وجهه الكريم.

إنها حياة واحدة تستثمَر دون تهويـن غير محسوب العواقب مفضٍ للندامة، ودون تهويل هو عنوان للركون والاستكانة. هـي إذن كياسة وتقدير الأمور بقدرها، والـموفق من رعته عين العناية الإلهية، وأُلهم التوفيقَ فـي أموره كلها. ولله درُّ الشاعر الفلسطيني عمر اليافـي القائل:

                   وإذا العـنــــايــــــــة لاحظــــتـــك عـــيونـــــُها          لا تـخـشَ مـن بـأسٍ فـأنـت تـصـانُ   

                   وبــكـلّ أرضٍ قـد نـزلــــــــــــــت قـفــــــــــارهـا          نــَـمْ فالـمــخــاوف كـلّهـــنَّ أمــانُ

                   واصطــــد بها العنقاء فهي حبائــلٌ          واطـعـن بها الأعداء فهــي سِنـــــانُ

                  وافـتـح كنــوز الأرض فهــــــــي غرائـــــــمٌ           واقـتـــدِ بها الجوزاء فـــهــــــي عَــــنانُ

والحمد لله رب العالـمين.