نظمت مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات محاضرة جديدة من سلسلة “محاضرات عن بعد” في موضوع: “القضية الفلسطينية في مشروع الإمام عبد السلام ياسين” أطرها الأستاذ عبد الصمد فتحي منسق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، وذلك يوم الأربعاء 09 يونيو 2021، حيث رصد في المحور الأول حضور القضية الفلسطينية في كتابات الإمام عبد السلام ياسين، ثم في المحور التالي، تتبع معالم التحرير عند الإمام رحمه الله.

حضور القضية الفلسطينية في كتابات الإمام

واعتبر عبد الصمد فتحي في المحاضرة العاشرة للمؤسسة أن المساحة التي أعطاها الإمام رحمه الله في كتاباته للقضية الفلسطينية “مساحة كبرى“، حيث خصص كتابا لهذه القضية وهو كتاب: “سنة الله“، يتحدث فيه الإمام رحمة الله عليه عن وعد الآخرة، ويشخص فيه واقع الأمة، وأفقها المنتظر في هذا الصراع، وهذا التدافع بين روح الجاهلية، وهي الصهيونية، وبين الإسلام والصحوة الإسلامية. هو كتاب يحدد فيه قراءة الحركة الصهيونية، وفيه قراءة لجغرافيا ونفسية هذا العدو الذي في صراع مع الأمة، لكي نعرفه ولكي نفهمه انطلاقا من رؤية القرآن الكريم لهذا العدو الذي يتربص بالأمة، والذي يقتل ويسفك ويفسد، والذي على علوا كبيراً. إذن كتاب سنة الله هو تجسيد طبيعة هذا العدو، وهو قراءة في نفسيته وامتداد وتمدد هذا العدو في قوى الاستكبار العالمي شرقيها وغربيها، وهو كذلك محاولة لتشخيص طبيعة الداء الذي يثقل كاهل الأمة ويوهن جسدها.

ثم هناك كتب أخرى للإمام رحمة الله، تناول فيها القضية، مثل الفقرة الكبيرة التي سماها “الجرح الفلسطيني” وأوردها في كتاب الاسلام والحداثة، هذا الكتاب الذي كتبه الإمام رحمه الله بالفرنسية، ويخاطب فيه النخبة المغربة، ويخاطب فيه الغرب أيضاً، جعل فصلا خاصا للجرح الفلسطيني، يتحدث عن هذا الجرح ويتحدث عن حقوق الإنسان والكيل بمكيالين بالنسبة لقوى الاستكبار العالمي في تعاطيها مع هذا الجرح الفلسطيني، ويتحدث في حواره مع الغرب عما نحن فاعلون إزاء هذه القضية الجوهرية التي هي موضع الصراع وموضع التدافع، بين قوى الاستكبار العالمي، وبين أمة مستضعفة.

وفي كتاب الإسلام والقومية العلمانية نجد فصلا يعالج فيه الإمام رحمة الله عليه الحروب الصليبية، وتحرير القدس في العهد الصلاحي، صلاح الدين الأيوبي، ويتحدث فيها عن الاستعمار وتمكين الاستعمار لبث هذا الكيان الصهيوني وزرعه في جسد الأمة، ثم يتحدث الإمام عن هذه القضية في إطار سياق وفلسفة ذلك الكتاب.

طالع أيضا  على ضفاف آيات (7).. لا ظلم اليوم

ونجد أن الإمام رحمة الله عليه يستقرض هذه القضية في كل كتبه، وتحتل مساحات مضيئة في كتابات الإمام رحمة الله عليه، وهذا شيء طبيعي نظرا للبعد النسقي الذي يكتب به الامام، ونظراً لمكانة هذه القضية في الصدارة وفي صلب مشروع التحرير الذي يطرحه الإمام من أجل نهضة الامة، فبالتالي نجد هناك حديثا للإمام رحمة الله عليه في كل كتبه من “الإسلام غداً” نجد حديثاً قوياً يشخص فيه ويحفز فيه الأمة ويضع فيه المعالم والحلول لتجاوز هذا الواقع، ولتحرير القدس واستنهاض همة الأمة، انطلاقا من “الإسلام غداً: الذي كتبه في بداية السبعينات والإسلام يومئذ ضعيف وهو يبشر بغد الإسلام، ويتحدث عن القدس، ويقول بأنه إن كان جزء من أرض الأمة محتل فعلى الأمة أن تقوم من أجل الجهاد لكي تحرره، وإذا لم تجد من الإمكانيات غير الأظافر تحفر بها الأرض ولا تملك إلا الحجارة، تجاهد بالحجارة وبأظافرها لكي تحفر الأرض من أجل الجهاد، لكي تحرر تلك البقعة المطهرة المباركة، ومن تلك المقدسات، المسجد الأقصى المبارك.

معالم التحرير عند الإمام رحمة الله عليه

وانتقل فتحي إلى المحور التالي بالحديث عن أهم معالم التحرير، وأولى هذه المعالم هي التربية وتوزين العامل الذاتي، فبعد تشخيص الإمام رحمة الله عليه لطبيعة الداء الذي يسكن الأمة، هذا المرض هو مرض الغثائية الذي أصيبت به الأمة، وبسبب داء الأمم الذي بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غلو وتكبر، وكلها أمراض قلبية ونفسية، يستنير الإمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تحدث فيه عن تكالب الأمم عليكم، إذا هناك غثائية، ووهن، أي حب الدنيا وكراهية الموت، إذا فطبيعة داء الأمة وطبيعة المرض جعلها ضعيفة، رغم الكثرة العددية، وهو مرض في قلب الأمة وفي نفسها، وهذا يتماشى مع القانون الإلهي في التغيير، الذي يقول فيه الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

إن عملية التغذية والتربية هي الأساس في عملية التغيير، والتربية هي المنطلق في عملية التحرير، والعامل الذاتي هو الأساس، وتأتي بعد ذلك كل الأمور الأخرى، لكن بدايتها هي التربية. لكن هذه التربية كما يطرحها الإمام رحمة الله عليه بمفهومها الشامل هي تلك التي تملأ قلب الإنسان إيمانا، فتنور قلبه وتحرر إرادته، وتشع في عقل الانسان نورا فتدع فيه الحكمة لكي ينظر ويستبصر ويقرأ الواقع، لكي يدري ويعرف كيف يصانع هذا الواقع وكيف ينزل خطوات الجهاد من أجل تحرير الأمة وتحرير القدس المبارك. ثم التربية تربية جسدية بأن يمد الجسم بصلابته ويتمكن بآليات وأدوات وعوامل التحرك مع الصف وبنظام الصف، إذن هذا هو مفهوم التربية، وهو أول معلم من معالم التحرير المنتظر.

طالع أيضا  ذ. بوغنبور: ما جدوى المرور إلى نموذج تنموي جديد دون مساءلة فشل النماذج السابقة؟

المعلم الثاني هو إعداد القوة والأخذ بالأسباب، فالله سبحانه وتعالى وعد بالنصر الأكيد متى توفرت الشروط، والإمام يقرأ القضية الفلسطينية على ضوء سنة الله، والشروط. هي الإيمان والعمل الصالح، الإيمان بالله سبحانه وتعالى والارتباط بالله سبحانه والإخبات إليه شرط من شروط النصر. ثم المشروع الكبير باعتبار أننا مبلغين لرسول الله صلى الله عليه وسلم نعمل من أجل تحرير الأمة ونهضتها، ونعمل من أجل تحرير القدس وتحرير فلسطين، لكن التحدي الكبير بالنسبة للأمة في نهايته هو تبليغ رسالة الإسلام. الإسلام الذي ينتظره العالم ويتعطش له، فصراعنا نحن مع العدو الصهيوني ليس صراعا منحصر فينا، لأن العدو هو عدو ليس فقط للأمة الإسلامية وليس فقط للفلسطينيين، بل هو عدو للإنسانية جمعاء، فهو العدو الذي يثير التفرقة هو العدو يثير نارات التفرقة، ويشعل الحروب، لكي يغتنم من تلك الحروب بيع الأسلحة، ولكي يغتنم من ذلك التشتيت والتفرقة بأن يتمكن ويستأسد.

إن مستقبلنا وهدفنا هو لقاؤنا مع الإنسانية جمعاء، مع أحرار العالم أجمع، من أجل كرامة الإنسان، لكي يحيى الإنسان في أمن وسلام وطمأنينة، والذي يهدد هذا الأمن وهذا السلام هي الصهيونية، بما تثيره من حروب، وبما تقوم به من تقتيل للأبرياء، وبما تقوم به من تدمير لكل القيم ولكل الحضارات، إذا فخطنا وتحدينا المستقبلي هو إبلاغ رسالة الإسلام، رسالة الرحمة والأخوة والمحبة للبشرية جمعاء، حتى تعيش في أمن وأمان وسلم وسلام.

وختم الأستاذ فتحي مداخلته بالتأكيد على مسألة أساسية ركز عليها الإمام وهي الثقة في وعد الله، والثقة في موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإمام رحمة الله عليه كتب بنبرة استبشارية، كتب وهو يحفز ويبشر ويعلم ويربي الأجيال، كي توقن في هذا النصر المنتظر، هذا النصر الموعود به من طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والموعود به في قول الله سبحانه وتعالى: “وعد الآخرة” وعد يقين لن يخلف، وسنة الله تقدم بأن ينصر الله عباده المؤمنين العاملين الصالحات، لن يخلف.

طالع أيضا  بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيله.. مؤتمر دولي يناقش "البعد الإنساني في فكر الإمام عبد السلام ياسين"

واذا كانت فلسطين قد عرفت نكبة ونكسة، فإن الإمام يقرؤها في ضوء سنة الله، وسنة الله تقول أن فلسطين ابتلاء، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى جعله تداولا بين الهزيمة والنصر، تداولا للأيام، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ، الله سبحانه وتعالى بهذا التداول يريد أن يجتبي وأن يتخذ شهداء من الأمة، يريد أن يمحص أبناء الأمة، لكن مراحل هذه الهزيمة هي مرحلة وسحابة صيف في تاريخ الأمة بأسره، لا ننظر إلى هذه المأساة وننظر بها إلى التاريخ، ومن هذا المنطلق يتحدث الإمام عن أسلمة التاريخ، أي أن ننظر إليه بهذا القانون: سنة الله والتداول بين النصر والهزيمة، لكي نضع الأمور في نصابها، ولكي نضع الأمور في طريقها الصحيح، لكي نسير نحو النصر المؤزر، ونحن كلنا يقين.

كتب الامام رحمة الله عليه “الإسلام غداً” في بداية السبعينات، والصحوة يومئذ ضعيفة لازالت تتلمس طريقها، أما اليوم الحمد لله هذه الصحوة قد اشتد عودها، والحمد لله بشائر النصر تلوح في كل الأفق، وما معركة سيف القدس إلا خطوة من خطوات هذا النصر الذي صنعته المقاومة، التي قامت على هذه المعالم، معالم التربية والارتباط بالله سبحانه وتعالى، أولئك الذين تربوا في بيوت الله وفي تربية الليل، لكي تكون تلك التربية هي التي صنعت الرجال. وتلك خطوة ستأتي بعدها إن شاء الله عز وجل خطوات نستبشر بها قريباً، ونسير إليها بخطى ثابتة نستشرف بها هذا المستقبل. ونحن كلنا أيادي وقلوب وعقول مفتوحة على الإنسانية جمعاء نشيع بالمحبة والاخوة والرحمة للعالمين.