انطلق برنامج “ضفاف” في قناة الشاهد الإلكترونية في تعريفه لمعنى الاستبداد، مما قاله الكواكبي “لو كان الاستبداد رجلاً، وأراد أن ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة.. أخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة”، فهو ذا الاستبداد أصلا ومعنى تقول مقدمة البرنامج هاجر الكيلاني، ثم تضيف “فكيف هو يا ترى حاله حرفا ولغة وشعرا؟”.

وأوردت ما قاله الكواكبي في سفر مهم في بيان طبائع الاستبداد، وتشخيص مصارع الاستعباد، حيث إن: “المستبد يتحكم بشؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه غاصب متعدٍّ، فيدوس برجله الملايين، ويخرسهم عن النطق بالحق والتداعي لمخالفته، والمستبد عدو الحق والحرية”.

ومما جاء في البرنامج: إن الملوك عَدَت على الأمة بالاستضعاف والإسراف والإجحاف والاستخفاف، وتوسلت في ذلك بالاستبداد والسلطان والحجاب، “حتى أفسدت الأمة في دينها ونفوسها وعقولها وأموالها وأعراضها، فصارت غثاء تداعت عليها الأمم بفراعنتها المستعينة بهامانات البأس الشديد وقارونات المنافع”. وأضافت المقدمة: “في طبائع المستبدّين تشابه عابر للعصور والأماكن”، معتبرة أن للاستعباد آفات وأضرارا تستمر عبر الأجيال.

طبائع الاستبداد

اعتبر “ضفاف” في حديثه عن طبائع الاستبداد أنه من اللافت أن كل الصفات التي قام عليها الاستبداد والمستبدون موجودة بوضوح في فرعون الذي تواجه مع موسى عليه السلام، فاتصف بالانفراد بالرأي وفرضه على الرعية، مستندا إلى قوله تعالى: قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد (غافر، الآية 29). كما اتصفت علاقته مع شعبه بالقهر والقتل والاستعباد والاستعلاء.. كما قال تعالى: قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (الأعراف، 127). وكذلك اتصف فرعون بالاستئثار بأموال مصر، قال تعالى: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الزخرف، 51).

ثم إن من عادة المستبد -يضيف البرنامج- “أن يجمع حول نفسه المستبدين فيزيدونه استبداداً وجهلاً حتى يذهب إلى آخر الطريق فلا يجد ملجأ للتخلص من تبعات استبداده، وعند وقوع الحادث عليه لا يجد من ينصره، لأنه بنى حول نفسه بنياناً شامخاً من كره الناس والتاريخ”.

طالع أيضا  زكاة الفطر 1/2

 واستحضرت المنشطة في هذا السياق ما نقله أحد الشعراء الذين ينمون عقلية الاستبداد في الملوك، حيث خاطب ملكا من الملوك بهذا الشعر قائلا:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار ** فـــاحكـــم فأنت الواحد القهار

يُحكى أن

في فقرة الحكاية اختار “ضفاف” مثلا من أشهر الأمثال المتداولة التي ضربها العرب لبيان غلبة الطبع على التطبع وسرعة العودة إلى سابق العهد.. مثل: عادت حليمة إلى عادتها القديمة.

وقال البرنامج إن المثل قد يكون له أكثر من قصة، وتبقى قصة حليمة زوج حاتم الطائي أشهر قصص هذا الـمثل؛ ذلك أن حليمة كانت بخيلة، عكس زوجها حاتم الطائي الذي كان مضربا للمثل في الكرم، وقد بلغ بها البخل أنها لا تضع السمن الكافـي أثناء إعداد الطعام، إلى درجة أن يدها ترتجف كلما أخذت ملعقة سمن فلا تلبث أن تعيدها، وسعيا منه لتخليص زوجه من آفة البخل أخبرها أن الـمرأة تزداد عمرا بيوم عن كل ملعقة سمن في الوعاء، فبادرت حليمة للعمل بنصيحة زوجها وأضحى طعامها لذيذا شهيا.

 وبعد مدة، مات ولدها وحزنت عليه حزنا شديدا إلى درجة عافت الحياة، فبدأت تقلل السمن بالطعام ظنا منها أن ذلك سيقصر من عمرها ويُدني أجلها، فقال الناس: “عادت حليمة إلى عادتها القديمة”.

من دلالات المثل يقول البرنامج؛ أن الطبع غلاب، فيغلب الطبع التطبّع، فقد يجتهد الإنسان للتغلب على بعض طباعه وعاداته غير الحميدة، لكنه سرعان ما يعود لـما كان عليه من العوائد والـمألوفات التي ترسخت في طباعه بحكم العادة.

واعتبر أم “ما يجري على الأفراد يجري على الجماعات البشرية، بل والأنظمة السياسية، فتحْت ضغط الـمطالبة بالتغيير والإصلاح يُضطر الاستبداد للتجاوب مع نبض الشارع، يُناور ويوحي له دهاقنته الـمحليون والعالـميون بالانحناء للعاصفة، فيُعطــــي الوعود بالإصلاح، وتتولـى الـماكينة الإعلامية التسويق للعهد الجديد والقطع مع عهود سوء التدبير، لكنه سرعان ما ينكص ويُخلف الوعود ليعود لسالف عوائده وطبعه، فلا عجب أن يتردد الـمثل بعد كل نكوص وانقلاب على وعود الإصلاح” فيقال تبعا لذلك “عادت حليمة لعادتها القديمة”.

طالع أيضا  ذ. تشيكيطو: ذكرى وفاة كمال عماري نقف فيها مع لحظة من لحظات التاريخ الأسود لهذا البلد

واسترسلت هاجر موضحة أن ذلك هو “حقيقة لا تحتاج برهانا، فالواقع يشهد بها، والوحي الإلهي أقَـــرّها في حق الأقوام العاتية الطاغية التي طُبعت على الظلم والاستبداد، ولا تمنعها القوارع والوعيد الإلهي من العودة للبطش والعتو فـي الأرض كلما سنحت لها الظروف”.

علمتني اللغة

أنت في الناس تقاس ** بالذي اخترت خليلاً

فاصحب الأخيار تعـلو ** وتـــنل ذكــرًا جميلاً

في فقرة علمتني اللغة اختار البرنامج ما يستشف من الأسماء التي تُعَلم أن الناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وإنما تنقض عرى الإسلام إذا نشأ في الإسلام جيل لم يعرف الجاهلية. والمعدن: هو الشيء المستقر في الأرض، والمعادن منها النفيس ومنها الخسيس وكذلك الناس معادن، فمن الناس من معدنه نفيس، ومن الناس من معدنه خسيس. والنفاسة والخسة في معادن الناس بحسب ما معهم من التقوى والدين والخوف من الله، والالتزام بأحكام الإسلام، وبما اتصفوا به من محاسن الأخلاق.

علمتني الأسماء –يضيف البرنامج- أن أحذر كل نكرة؛ خاوي الوفاض، مشوب القلب والفكر، ومن ذي تخليط؛ قاتم الأعماق، خاوي المخترق، مشتبه الأعلام، لمّاع الخَفق؛ دخيلة نفسه داكنة، يهيم على نفسه، مكبا على وجهه، لا تسعفه علامة أو دلالة، يعد وعودا جميلة لمّاعة لكنها لا تستقر، كثير الذكاء قليل العقل، إمّعة غريق وتائه لا تبدو له طريق؛ وهل يستوي العطّار ونافخ الكير.

واسترسلت هاجر مضيفة: “علمتني الأسماء أن أتأمل وآخذ العبرة في زمن الهبوط، وصعود النكرات، وبيع النفس، والتذلل، والتدسيس، وتسلط الأدعياء، إذ النفرة الجماعية واجبة وهي الحاسمة”.

وتابعت قائلة: علمتني الأسماء أن أحذر كل نفس هدامة، غير مشتاقة ولا توٌاقة، وأن لا أقربن من ليس ذا أشواق، وبعض الأسماء والنفوس والعناصر معاول، لا تخفي سيفها في قُراب، بل هو جاهز، ولا تلجأ سهامها إلى جعبة، بل وتر قوسها مشدود، من أهلها من تستفزه كلمة فينسى الفضل، ويخرج إلى عدوان، ويجرد أصحابه من كل فضل، كأن لم تكن بينه وبينهم مودة وخبز وملح، ومن أهلها صاحب بسْمَة الثغر والحزازات تحته! نبني فنعلو، ويسفل فيهدم فيتساقط فيهوي.

طالع أيضا  مقدمة إمامة الأمة

وهكذا حال الاستبداد مهما طال؛ يسفل فيهدم فيتساقط فيهوي. 

شذرات شعر

أما في فقرة الشعر، فقد اختار فريق الإعداد انتقاء أبيات “قطوف” للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، كما يلي:

تَجَبَّرْتَ يا فرعونُ في الأرض فترةً ** تُذَبِّحُ أبناءَ الضِّعافِ وتَقْمَعُ

تُفرِّقُ جمعَ المؤمنينَ بقَسْوةٍ ** تُهَدِّدُ بالويْلاتِ قوماً وتُفْزِعُ

وفي حِضْنِ لُطْفِ الله ينشَأُ مُرْسَلٌ ** فترْعاهُ إذْ يُغْذَى وإذْ هوَ يُرْضَعُ

عَصَيْتَ كليمِ اللهِ والبحرُ مُغْرِقٌ ** ويا طالَمَا في الأرض كُنتَ تُرَفَّعُ

فإن ينْجُ يا فرعونُ جسمُكَ آيةً ** فما كُلُّ فرعونٍ أتى بعد يَسْمَعُ

دعوْنا فراعينَ الزَّمان لتوْبةٍ ** فلمْ ياتِنا إلاَّ الأذى والتَّمَنُّعُ

صلاتُك، ربي، والسلام على النبي ** إليك به في همنا أتشَفَّعُ

عبد السلام ياسين، قطوف 2، قطف 138.