تتأسس الانتخابات الديمقراطية -على الأقل في المتون المتخصصة في الموضوع- على ثلاثة أسس ناظمة، يعتبر الإخلال بأحدها إخلالا بمنظومة العقد الديمقراطي، وسقوطا مباشرا في شبهة التزوير والتحايل.

أما أبرزها فهو الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات بداية، وحرية هذه الانتخابات ثانيا، ثم فعاليتها ثالثا وأخيرا. وسنقف على كل واحد منها- إن شاء الله تعالى- بشكل موجز غير مخل.   

تندرج الانتخابات الديمقراطية داخل المتن الدستوري في باب الحقوق والحريات وتتأسس على مبدأ حكم الشعب نفسه بنفسه، أي تمليك السلطة للشعب وممارسته إياها من خلال مؤسسات التعبير والتقرير والرقابة والمحاسبة، مما يجعلها تتبوأ مركز الفعل السياسي، إذ بها يكرم القائم على الأمر أو يهان.

ويشير الإطار الدستوري للنظام الانتخابي عادة إلى مجموع الفصول المعتمدة في الدستور والتي تخص كل مراحل وأشكال العملية الانتخابية، انطلاقا من حق الترشح والتصويت والاختيار وصولا إلى الحصول على البيانات والنتائج وإجراءات رفع الشكاوى والطعون وقبولها.

ويعد التنصيص الدستوري على حق التصويت والترشح وكذا الحريات المنْشِأة له، خطوة كبيرة في “الانتقال” إلى مصاف الأنظمة الديمقراطية لكن هل يمكن إسقاط هذه القاعدة على الدول العربية؟

إن الإجابة على هذا السؤال هو الحديث في الأس الثاني والثالث المشار إليهما في مقدمة هذه المقالة وهما حرية الانتخابات وفعاليتها.

بيد أنه “لا يوجد حتى اليوم تعريف متفق عليه بين المهتمين بالانتخابات، أو مجموعة من المعايير القاطعة التي تحدد معالم الانتخابات الحرة والنزيهة، كما لا توجد منهجية واحدة يمكن من خلالها وضع مؤشرات محددة وشاملة للانتخابات الديمقراطية”.

لكن يمكن القول -حقيقة- وفي الحالة العربية أن النبش في مؤشرين اثنين يحيلانا على الحقيقة الصادمة، وهما: مدى احترام حرية الأفراد وحقوقهم الأساسية ثم إدارة عملية الانتخابات.

يبدأ التضييق على حرية الفرد في الوطن العربي من تصفية الساحة من المعارضين هيئات كانوا أم أفراد، حقيقيين أم محتملين، بالجزرة حينا وبالعصا أحايين كثيرة.

طالع أيضا  مكتسبات 20 فبراير ومآلاتها بعد عشر سنوات.. موضوع ندوة غدا

أما المنافسين “إن وجدوا” فتكفي في حقهم عمليات جراحية بسيطة لبتر الأطراف أولا من خلال التلاعب في التقطيع الانتخابي وإقصاء المرشحين للمنافسة ثانيا ليتكفل الإعلام والقضاء بالباقي، تمهيدا لنزع القلب والأحشاء وتعويضهما بأخرى بلاستيكية، تكفي لتلميع “بورتري” الديمقراطية في الداخل استخفافا وفي الخارج إرضاء واستجداء.

في حين يكفي القول إن الإشراف على هذه الانتخابات يتم من طرف أم الوزارات الداخلية وتحت المراقبة المباشرة للأجهزة الأمنية.

أما الفعالية والمقصود بها الاعتبارية التي تأخذها هذه الانتخابات وهو الشيء الذي يجعل لها مقاصد ووظائف، فلنفترض جدلا أن دستور البلد قد أمن الإطار القانوني للانتخابات، وأنها مرت في جو من النزاهة والشفافية ما لا ينكره عاقل وفاز من فاز وخسر من خسر فلا الحزب الفائز سيحكم -أو يسير في حالة الانتخابات الجماعية- وليس لبرنامجه الانتخابي -على علته- والذي دخل به السباق أي اعتبار. لتعود حليمة إلى أريكتها القديمة.   

وختاما    

لقد باتت الانتخابات في الوطن العربي كحفلات الزفاف التي هي في حقيقة الأمر إشهار نهائي للعامة بزواج فلان من فلانة، كل ذلك بعد أن قامت العائلتين بالاتفاق على كل شيء بل وكتب العقد و… ولم يبقى إلا زف العروس إلى بيت زوجها، أما الحضور فكان قياسيا لم يغب أحد ولم يعتذر أو يمت أحد ولم يغضب أحد، الكل لبى الدعوة؛ فقط وجب الإشارة إلى أن زوج اليوم هو نفسه زوج الأمس بعد أن غير طقم أسنانه المهترئة.