بقلم: ذ. زهير بن الطالبة

إن القضية الفلسطينية كانت ولازالت وستبقى دائما هي المرآة التي تعكس حقيقة ما تدعيه الإنسانية من مبادئ وقيم، وما ترفعه المؤسسات الدولية من حقوق وقوانين وواجبات، هي الجرح الغائر في الضمير الإنساني الذي ينزف سنوات وسنوات، إنها المثال العملي على زيف وبهتان أطروحة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية لضمان الأمن وتحقيق السلام.

إن القضية الفلسطينية شاهد عيان على ازدواجية المعايير وترجمة عملية لسياسة الكيل بمكيالين، وكأن الإنسان الفلسطيني مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، في حين أن الإنسان الغربي مواطن من الدرجة الأولى، وكأن التهجير والتشريد والقمع والحصار صفات مميزة للإنسان الفلسطيني، أما الحرية والكرامة والأمن والسلام هي صفات خاصة بالمواطن الغربي وحكرا عليه.

إن القضية الفلسطينية اختبار ميداني لمدى قدرة الإنسان -هذا الكائن العاقل- على التحكم في غرائزه ونزواته وتحكيم عقله واستشارة مبادئه، والتعامل مع الناس وقضايا الناس، كما يحب هو أن يتعامل معه الآخرون، وعدم السقوط في التناقض، والتحرر من سلطة الأهواء والميولات.

إن صمود الشعب الفلسطيني وإصراره على عيش الحرية والانعتاق من ربقة الاحتلال رغم كل هذه المعاناة؛ عربون وفاء لهذا الوطن الغالي أرض الأجداد ومستقبل الأبناء، مسرى الأنبياء ومهوى قلوب المسلمين في كل الأنحاء، وطن لا يُقوّم بسعر ولا يُقدّر بثمن، بل إن ذرّة واحدة من ترابه أحسن من ملايير الدولارات.

إن صمود أهل غزة العزة رغم الحصار، بل والتحول إلى أيقونة للمقاومة والدفاع عن بيت المقدس، رغم انبطاح الأنظمة العربية البعيد منها والجار، لهو دليل على أن الإرادة القوية للشعوب تفعل العجائب، وأن بعد العسر يأتي اليسر، وأن الإنسان لا يعيش بالخبز فقط بل بالعزة والكرامة والحرية أيضا.

إن المواطن الفلسطيني اليوم يعطي دروسا لمواطني العالم في حب الوطن والارتباط بالأرض رغم القمع والحصار، في الصبر والتحمل والإصرار على المقاومة والتغيير مهما كانت العوائق والصعوبات، في المشاركة والمساهمة في المقاومة والتغيير كل من موقعه، وكل حسب قدراته وإمكاناته، في الإيمان القوي والارتباط الوثيق بالآخرة واليقين التام في نصر الله تعالى وتأييده، بل وعشق الشهادة في سيبل الله، مع سنة الأخذ بالأسباب وإتقانها.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (7)

كأن الشعب الفلسطيني يقول لجميع الشعوب المستضعفة التي تئِن ّتحت وطأة الظلم والاستبداد: عليكم بالمقاومة وعدم الاستسلام، عليكم بالتحمل والإصرار على التغيير ومواجهة الباطل بكل أنواعه، عليكم بالمساهمة والتفاعل مع قضاياكم الوطنية، تجنبوا السلبية واللامبالاة ، تجاوزوا الخلافات والصراعات والحسابات، كونوا كتلة واحدة في مواجهة الظلم والفساد. فإن تحرير القدس رهين بتحرر أوطانكم من سلطة الظلم والاستبداد، لا تيأسوا، لا تقنطوا، فإنما النصر صبرُ ساعة (إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب). صدق الله العظيم.