“ادَّاوْها نخّاضاتْ الليالــي” مثلٌ شعبيٌّ مغربـيٌّ بامتياز يمْتَح من بيئتنا البدوية الذي تشكل رافدا رئيسا فـي ثقافتنا الشعبية. وتسهيلا لتقاسم مضمونه نفكك شفراته اللغوية. “ادّاوْها”: فازت بها. “نَخّاضات”: “نَخَضَ” أي مَخَضَ اللبن وخضّه أخرج زبده. “الليالـي” هــي أربعينية فصل الشتاء شديدة البرودة، تبدأ من الخامس وعشرين (25) دجنبـر وتنتهـي فـي اليوم الثانـي(02) من شهر فبراير، وقد تم تقسيمها بحسب برودتها وأثرها علـى الإنسان ومحيطه مزروعاتٍ ودواجـنَ إلـى أربع مجموعات عشرية: الكوالح، الطوالح، الـموالح، الصوالح.

“ادَّاوْها نخّاضاتْ الليالــي” مثلٌ فـي صيغة حُكم قيمة يعني باللسان الفصيح “فازت ماخضات اللبن فـي ذروة زمهرير فصل الشتاء”، حيث تصعب صناعة اللبن لاعتبارين موضوعيين: ندرة الحليب فـي هذا الفصل مقارنة مع فصل الربيع حيث تغزر الأعشاب؛ ندرة تتطلب تجميع الحليب لأيام، ثم صعوبة تختّـُر اللبن بسبب انخفاض الحرارة، وهو ما يستدعــي تدفئته بـوضع الـمِـرْوَبِ قريبا من مواقد النار. 

هذا عن فحوى الـمثل، أما مجال الاستعمال فينصرف للتأكيد علـى أن الأعمال والـمنجزات عموما إنما تكتسب قيمتها من ظروف الإنجاز ووسائله صعوبة وبساطة؛ ظروف توفر للكثيرين مسوغات التقاعس، وتتبخر بذلك فرص للتميز. فشتان بين القيمة الـمادية والـمعنوية لزبدة صُنعت شتاءً، وبين زبدة صنعت ربيعا أو صيفا، وقد توفرت الـمادة الأولية (الحليب) وغزرت، وأسعف الطقس لتختر الحليب.  

 “ادَّاوْها نخّاضاتْ الليالــي” مثل يصلح معيارا لأي نجاح دنيوي أو أخروي. ففي دنيا الناس يتطلب النجاح مسابقة للزمن وتغلبا علـى الصعاب والإكراهات لـمفاجئة الـمنافسين بمنتوج قبل أوانه، يُـهيمن به علـى السوق. وأُخرويا، تعتبر “الليالي” ربيع الـمؤمن يصوم نهاره القصير ويقوم ليله الطويل، فلا فلاح مع الإصرار علـى الـمألوفات ومجاراة الشهوات وركوب الرخص والأعذار. وفـي حديث الترمذي قوله صلـى الله عليه وسلم: “من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ الـمنـزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة”. الدلجة السير فـي أول الليل، وتعني البِدار والـمسارعة دون تلكؤ أو تسويف. ومراد الحديث أن الظفر بجنة الله ورضوانه يُلتمس بالتشمير والاجتهاد الدائم فـي الطاعات، دون توانٍ أو تراخٍ أو التفات للمعيقات. يقول الحق سبحانه فـي سورة “الزمر” علـى لسان من ضيع عمره وخاب مسعاه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنزِلَ إِلَيْكُم ممن ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت فـي جنب الله. قيل لأعرابي: أتصومُ (صوم تطوّع) فـي هذا اليوم الحار؟ فقال: “صُمتُ ليوم أحرّ منه”. ولله درّ إبراهيم بن أدهم لـما قال: “من عرف ما يَطلب هان عليه ما يبذل”.

الناجحون الـمتميزون أفرادا ومجتمعاتٍ من اقتحموا العقبات وتحرروا من الـمألوفات واستثمروا أنصاف الفرص ولم يتحججوا بقلة اليد وضعف الحيلة. النجاح عنوانه البدار والـمسارعة، والتسويف سمة العاجزين ضعيفـي الإرادة الـهادرين للفرص. وإنما الدنيا فرص، من غنمها واستثمرها فاز وأفلح، ومن ضيعها بتسويف أو سوء استعمال خاب وندم.

طالع أيضا  الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله والاجتهاد

“ادَّاوْها نخّاضاتْ الليالــي” مثل شعبيٌّ يختزل علـى بساطته أمّ قضايا فلاح الأفراد والـمجتمعات؛ إنها مسألة الإرادة، والتـي علـى قدرها قوة وصلابة وإصراراً يكون النجاح. وما أروع قول الشاعر أبي الطيب الـمتنبـي:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتـي العَزائِمُ// وَتَأتـــــي عَلـــى قَــدرِ الكِـــــرامِ الـمَكـارِمُ

وَتَعظُمُ فـي عَيـنِ الصَغيـر صِغارُها// وَتَصغُرُ فـي عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

والحمد لله رب العالمين.