بقلم: إبراهيم الصقلي

أثارت دعوة أحد البرلمانيين إلى إلغاء الأقسام التحضيرية لولوج المعاهد العليا للمهندسين خلال كلمة باسم حزبه داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب يوم الثلاثاء 6 أبريل 2021، جملة من ردود الفعل وخصوصا من لدن فئة المهندسين والطلبة المهندسين الذين عبروا عن رفضهم لهذا الموقف واندهاشهم من الأسباب التي ساقاها النائب لتبرير دعوته. في هذا الصدد، شهدت عدد من مواقع التواصل الاجتماعي المتخصصة في متابعة شؤون الأقسام التحضيرية ومدارس المهندسين نقاشا وردودا، أكدت في مجملها ما لهذا المسار التكويني من خصوصيات وفضل في تكوين مهندسي وأطر المغرب منذ سنوات عديدة، ودحضت بالتالي الحجج الواهية المقدمة لإلغائها أو محاولة دمجها مع الكليات الغارقة في بحر من المشاكل التي يعرفها الجميع. من جهة أخرى، فقد كان جواب وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي الوصي على الأقسام التحضيرية على هذه الدعوة صريحا ومعززا بأرقام تبين مكانة وتميز هذا النمط الدراسي الذي يجعله حلم وبغية جل المتفوقين الحاصلين على شهادة البكالوريا بامتياز.

هكذا فإذا كانت الدعوة إلى إلغاء الأقسام التحضيرية لولوج المعاهد العليا قد تم إسقاطها ودحضها من الجانب الرسمي ومن لدن الفئات المعنية، فإن إثارة هذه النقطة يشكل مناسبة لإثارة النقاش حول هذا المسار الدراسي بغية تطويره وتجويده ودراسة سبل النهوض به حتى يستطيع الاضطلاع بالدور المنوط به. لذلك سنتطرق لهذا الموضوع من زاويتين: الأولى تهم تحليل وضعية هذه الأقسام ودورها والثاني تعرض بعض المقترحات للنهوض بها والرفع من مكانتها.

لقد أنشئ نظام الأقسام التحضيرية لولوج المعاهد العليا للمهندسين بالمغرب أواسط الثمانينات، نسجا على التجربة الفرنسية قصد اختيار نخبة التلاميذ المتفوقين بامتحانات البكالوريا، وخصوصا من خريجي مسلك العلوم الرياضية وإخضاعها لنظام غربلة خلال سنتين، تتوجان بامتحان وطني قصد تحديد المؤهلين لولوج سلك الهندسة بكبريات مدارس المهندسين. وتم تعميم هذا النظام بعد ذلك جغرافيا ليغطي أهم المدن المغربية (26 مدينة حاليا) بعدما كان مقتصرا إلى حدود نهاية التسعينات على كبرى الحواضر وتم تمديده كذلك ليشمل باقي مسالك البكالوريا ليشمل كذلك العلوم التجريبية وعلوم الحياة والأرض بالإضافة إلى المسالك المرتبطة بالعلوم الاقتصادية بعدما تم افتتاح الأقسام التحضيرية المرتبطة بميادين الاقتصاد والتجارة.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (6)

يتميز هذا النظام الدراسي الذي يستقطب زبدة التلاميذ المغاربة، ببرنامج بيداغوجي كثيف وجد مركز، ونظام امتحانات متواصل وبوتيرة مرتفعة ما يجعل منه أداة غربلة فعال لفرز التلاميذ المتفوقين والنوابغ الذين ستفتح لهم أبواب المستقبل إما بولوج المدارس العليا للمهندسين بالمغرب أو كبريات المدارس الهندسية بفرنسا بالنسبة للمتفوقين الأوائل الذين تسنح لهم فرصة اجتياز اختباراتها وولوجها. هكذا شكلت الأقسام التحضيرية على مر الزمن قنطرة للعديد من التلاميذ المتفوقين المنحدرين من مناطق المغرب المنسي للعبور إلى المدارس العليا بالرباط والدار البيضاء وكبرى المدن الفرنسية، ومنها إلى الوظائف المرموقة بالمؤسسات الكبرى والشركات العملاقة.

لذا، فلا عجب أن يكون هذا المسار حلم أي تلميذ متفوق وكذلك مطمح جل الأسر المغربية لأبنائها، لما يوفره من آفاق واعدة ويتيح من إمكانيات وإن كانت محدودة وفي طور التقلص مع مرور الوقت، إلا أنها تبقى فرصة ذهبية للتكفل بالتلميذ لما توفر من مأوى وتغذية وتكوين وخصوصا بالنسبة للطبقة المتوسطة والأسر ذات الدخل المحدود التي ينحدر منها جل تلاميذ هذه الأقسام حسب الإحصائيات التي قدمها الوزير خلال أشغال اللجنة المذكورة أعلاه، حيث أكد أن %45 من أسر تلاميذ الأقسام التحضيرية يقل دخلها الشهري عن 5000 درهم و %74 منها يقل دخلها الشهري عن 10000 درهم.

هكذا فبانصراف الأسر ذات الدخل المرتفع إلى إرسال أبنائها للخارج للدراسة أو اختيار مسارات أخرى تتطلب مجهودا وتنافسية أقل، فإن الأقسام التحضيرية تبقى الملاذ الأمثل للطبقتين المتوسطة والفقيرة لتعليم أبنائها في بيئة مازالت تتسم بنوع من الجودة والنزاهة، وترتكز على معيار التميز والاستحقاق بعيدا عن مظاهر المحسوبية والرداءة والكلفة العالية التي تعاني منها معظم أنظمة التعليم العالي بالمغرب. لذا فقد شكل هذا النظام الدراسي دوما قاطرة لصعود وتسلق عدد من أبناء الطبقات المهمشة السلّم الاجتماعي وما يتبع ذلك من تطور مستوى المعيشة لعدد من الأسر المغربية والتي يتعدى أحيانا مجال الأسرة ليبلغ القرية بأكملها وذلك من خلال ما عايناه في كثير من التجارب الحية.

طالع أيضا  “جماعة العدل والإحسان” المغربية.. تاريخ ومواقف وتصورات (8)

إن تفرد نظام الأقسام التحضيرية وما يفرزه من نتائج طيبة على مستوى الفرد والمجتمع، بما لا يدع مجالا للشك للبرهنة على بطلان أي دعوة تروم إلغاءه أو تدجينه، لا يمكن أن ينسينا مطلب إصلاح هذا النظام بما يكفل له مزيدا من التميز والنجاح وبما يتلاءم مع مستجدات التكوين الهندسي والطفرة الرقمية التي يشهدها العالم. لذا فمن الواجب الوقوف مليا على ضرورة النهوض بالأقسام التحضيرية وتطوير تجربتها، لما يمكن أن تلعبه من دور محوري في بزوغ نموذج تنوي جديد للبلاد، وتحويله من بلد استهلاكي إلى بلد معرفي منتج للتكنولوجيا والمعارف الدقيقة. في هذا الصدد نود الإشارة إلى ثلاث نقط ومقترحات قد تكون مرتكزا لإصلاح هذا النموذج وتجويده وتطوير نسخة جديدة من هذه الأقسام أكثر فاعلية وأثرا.

تتمحور النقطة الأولى حول ضرورة إصلاح بنية ومنهجية التلقين والتكوين بالأقسام التحضيرية، بنقلها من الاعتماد على الجانب النظري الصرف والحشو والحفظ، إلى التركيز على مبدأ الفهم والاستيعاب والتحليل والبرهنة والتجريب وتغليب الكيف على الكم، وتشجيع الابتكار والاختراع وتنويع طرق التدريس والاستفادة من الوسائط الرقمية ووضع نموذج جديد لتدريس الرياضيات والفيزياء، بما يتيح للتلاميذ ترجمة الأرقام والأشكال الهندسية والنظريات إلى اختراعات ومعارف ملموسة.

أما النقطة الثانية فتتمثل في ضرورة مراجعة الإمكانيات المرصودة لهذه الأقسام، بما يضمن جودة التكوين والرفع من مردوديته وذلك عن طريق تعميم تجربة نموذج الأقسام التحضيرية بمدينة بنجرير الذي تشرف عليه مؤسسة المكتب الشريف للفوسفاط، والذي أنشئ في إطار شراكة مع وزارة التربية الوطنية سنة 2015. هذا النموذج وإن أطلق عليه تجاوزا شراكة بين القطاع العام والخاص فإنه يبقى نموذج شراكة بين القطاع العام والعام بحكم أن المشرف عليه ما هو إلا مؤسسة عمومية تنفق عليه من المال العام. لقد أثبت هذا النموذج نجاحه وفعاليته من خلال النتائج التي حققها ونوعية الفئات المستفيدة منه. فالمؤسسة تتكفل بمصاريف التمدرس والإيواء وباقي الاحتياجات اليومية ل%96 من التلاميذ حسب تقرير لجريدة لوموند الفرنسية ليوم 27 أبريل 2021 المنجز عن هذه المؤسسة، وقد بلغت نسبة النجاح بها %100 إضافة إلى تمكن 17 من تلامذتها من ولوج مدرسة البوليتكنيك العريقة بفرنسا سنة 2020 ما جعلها تحتل المرتبة السادسة في ترتيب الأقسام التحضيرية بشعبة الرياضيات والفيزياء، متقدمة على عدد من أعرق الأقسام التحضيرية الفرنسية. إن نجاح هذه التجربة والتحضير لإطلاق تجربة ثانية بمدينة تطوان بشراكة مع الوكالة الخاصة طنجة المتوسط، يبرز ضرورة تعميم هذه التجربة على مختلف جهات المغرب. فكيف يعقل أن تصرف الملايير من المال العام لرعاية بعض الرياضات والفرق والمنتخبات ولا تصرف على إعداد النخب العلمية والطاقات الكفيلة بتطوير البلد ونقله إلى مصاف الدول المتقدمة علميا وتكنولوجيا واقتصاديا.

طالع أيضا  د. العسري: تأسيس الجبهة رد شعبي على خطوة التطبيع اللا شعبية التي أقدم عليها النظام المغربي

أما فيما يخص النقطة الثالثة فتتعلق بما أبرزته جائحة كورونا من ضرورة اعتماد الدول على نفسها ومواردها ورصيدها البشري والمعرفي لمواجهة النوازل وخصوصا عند اشتداد الأزمات. فقد أثبتت هذه الجائحة أهمية تطوير الصناعات المحلية وضرورة التوفر على علماء ومهندسين قادرين على رفع التحديات والابتكار والاختراع، ما يبرز وبإلحاح محورية وأهمية النهوض بنموذج الأقسام التحضيرية التي تشكل مخزونا وجسر عبور زبدة تلامذة المغرب، وبالتالي فإن تكوين العلماء والمتخصصين في شتى المجالات التقنية والعلمية لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذا المسلك الفريد.