فجأة تحول الطيف السياسي المغربي إلى عزف ألحان “النموذج التنموي الجديد“، وذلك بعد أن انتبهت تشكيلاته إلى إعلان الملك فشل “النموذج السابق” في تلبية طموحات المغاربة وتطلعاتهم، وبات الهم الغالب على خرجات السياسيين هو التأكيد على الحاجة الملحة للرؤية التي ستغير وضع المغاربة وتبدّل أحوالهم.

وبمجرد إعلان اللجنة الخاصة بصياغة النموذج تقريرها النهائي، انطلقت الأصوات المطبلة بالأهازيج فرحاً بالتوصل إلى الخلطة أو الوصفة التي ستغير أحوال المغاربة عند حلول سنة 2035، وانهالت الأصوات المشيدة على كل منتقد أو مشكك، معتبرة أن القراءة المتأنية والرصينة لمشروع اللجنة هو الأولى قبل إبداء أي رأي. وأصبح لزاماً علينا أن نبدي الرأي بخصوص هذا النموذج المقترح، ونتساءل بجدية: هل يعيد هذا المشروع تكرار نفس الأسطوانة بلحن جديد أم هو بالفعل مشروع طموح يساهم في انتشال المغرب من مراتبه المتأخرة، ويعيد وضع قطار التنمية إلى سكته الصحيحة؟

منهجية الإعداد: 

أول ملاحظة يمكن رصدها بخصوص المشاريع هي من أوكلت لهم هذه المهمة وكيفية اختيارهم؟ وأيضا طريقة اشتغالهم وعملهم؟ الصلاحيات والأداء وحدود العمل، قبل التطرق إلى المضمون.

لفت المراقبون النظر إلى الطريقة “المثيرة” لتشكيل اللجنة، حيث طرح الملك الموضوع أول مرة في البرلمان في أكتوبر سنة 2017 داعيا الحكومة والبرلمان إلى “إعادة النظر في النموذج التنموي”، ثم بعد مضي سنة أعلن الملك تكليف لجنة بالقيام بهذه المهمة. “انتزاع المبادرة“، حسب تعبير الدكتور والباحث في العلوم السياسية خالد العسري، هو إدانة من رئيس الدولة يثبت فيها “عجز المؤسستين عن وضع تصور للنموذج التنموي“.

وبعد سنة أخرى تقريباً، رسم الملك في خطاب العرش سنة 2019 “الإطار العام لاشتغال اللجنة” الذي هو “الاستمرارية وليس القطيعة” حسب الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي عمر إحرشان، الذي أضاف أن عمل اللجنة كان محافظاً حد “الجمود” مما جعلها تتحدث عن أن “الدستور هو الإطار المعياري للنموذج التنموي“، رغم توضّح عيوب هذا الدستور إبان تنزيله، ولم تطرح اللجنة إطلاقاً حتى فكرة مراجعته.

لجنة النموذج التنموي كانت “ذات طابع استشاري“، لكن بعد تقديم التقرير دعا الديوان الملكي الأحزاب والحكومة إلى “تنفيذ التوصيات الوجيهة لهذه اللجنة“، فتحولت الأحزاب المشكّلة للحكومة التي لها سلطة تنفيذية، إلى هيئات استشارية للجنة ذات طابع استشاري، وأصبحت اللجنة الاستشارية ذات طابع تأطيري، وتشريعي، وتنفيذي. وهو “قمة الإهانة لكل الأحزاب المكونة للجهاز الحكومي” وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية كما يصرّح الباحث خالد العسري.

أمر آخر أثار حفيظة المغاربة وخلق ضجة في حينه، كان هو مسألة “الولاء”، حيث عُرض تقرير مرحلي من طرف رئيس اللجنة على السفيرة الفرنسية في يونيو 2020، ونشرت تدوينة على صفحتها الرسمية تؤكد فيه الأمر، مما أثار الالتباس حول حقيقة أن هذا مشروع “تم تصميمه من طرف المغاربة، مع المغاربة ومن أجل المغاربة“!

كذلك عاب أكثر المنتقدين منهجية إعداد التقرير التي كانت أقرب “للاستعراضية” منها إلى الوظيفة العلمية، وتمثلت أبرز مظاهر هذا الاستعراض في:

  • منهجية الاستماع: اللقاءات المتعددة والمصورة مع ممثلي الأحزاب والجمعيات، ليتم بعد ذلك تسريب أحاديث للصحافة تفيد بضعف “مقترحات” الأحزاب و”هشاشة” أفكارها ومعطياتها؛
  • لقاءات المؤثرين: تنظيم لقاءات مع نوعية خاصة من “المؤثرين” على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبثها مباشرة، حيث يخرج المتابعة لهاته اللقاءات بخلاصة وحيدة مفادها أن اللجنة تريد صناعة “البوز” ليس إلا؛
  • تكثيف الرصد الإعلامي لخرجات ولقاءات اللجنة وجولاتها المختلفة، والحرص على “تمويل” منشوراتها بمواقع التواصل الاجتماعي.
طالع أيضا  هيئة مغربية: 20 وقفة بعد صلاة الجمعة بمدن مختلفة شجبا للعدوان ونصرة لفلسطين وتأييدا للمقاومة الباسلة (بلاغ+صور)

ويبدو للمنتقدين الذين يحاججون أن الهدف أصلاً من هذه اللجنة هو “تدوير” القديم، ومحاولة لفت الانتباه أو إشغال الرأي العام، أكثر إقناعاً حين يرصدون أدوات التسويق تعمل أكثر من أدوات الحوار والإشراك المطلوب، خاصة وأن اللجنة تعتزم القيام بلقاء الأحزاب والمنظمات مجدداً من أجل “شرح” النموذج التنموي، بعد أن التقتهم “لجمع” المقترحات بشأن النموذج التنموي.

السياق المصاحب: علامات مقلقة

يصعب فصل أي مشروع سياسي أو اقتصادي عن السياق المصاحب له، بما يشكله من دافع للثقة بمخرجاته أو للطمأنة على الأقل على مساراته المستقبلية، أو على العكس من ذلك، حيث يدفع عنه السياق السلبي أي احتمالية للنجاح بسبب ما يسبقه من دواعي ومسببات الفشل أو بما يشيعه من مناخ الإحباط وفقدان الثقة، ويكفي السياق وحده في بعض الأحيان للحسم في التعاطي مع أي مشروع، خاصة في بلد تعوّد قادته تقديم الوعود وإخلافها. فأي سياق يصاحب الإعلان عن النموذج التنموي الجديد؟

اعتقال شباب الريف، توقيف الصحافيين، قمع الاحتجاجات السلمية، استهداف حرية التعبير، استغلال ظروف الجائحة، تمكين القبضة الأمنية.. يستطيع أي مراقب محايد أن يسجل على المناخ السياسي المغربي الحالي عدة ملاحظات تفيد بأن هناك نكوصاً على الأقل عن العرض السياسي الذي أعلن قبل عشر سنوات إبان الربيع العربي، أو قد يخلص إلى أن هناك “مفارقة” حسب الفاعل السياسي حسن بناجح الذي اعتبر أن تقرير النموذج التنموي يقدم على “إيقاع القمع والاعتقال السياسي“، متسائلاً عن أي نموذج تنموي يتم الحديث “في ظل قضاء سياسي يعقل ويفصل الأحكام على هوى أهل السلطة“، و”السجون تعج بمعتقلي الرأي“، بل “يجري تقديم التقرير في الوقت الذي كانت قوات المخزن تنكل بمحتجين سلميين من أجل حياة صحافي يموت، وأمام البرلمان“، يضيف المتحدث قائلاً “أي تنمية بلا ديمقراطية ولا حقوق الإنسان ولا قضاء مستقل؟”.

الأستاذ الجامعي عبد الرحيم العلام أكد بدوره أن السياق الذي صدر فيه تقرير لجنة النموذج التنموي “لم يكن جيداً“، إذ أننا نعيش “حالة مفرطة من اللجوء السياسي خارج المغرب، وارتفاعا في حالات الانتحار، وحالات مفرطة في اعتقال الصحفيين، وإغلاقا لمؤسسات صحفية، واحتجاجات في قطاعات حيوية مثل التعليم“، مضيفاً أن هذا السياق “يشكك في إمكانية أن هذا التقرير يؤتي مفعوله، فلدينا استعداد للانتخابات بعقلية الضبط، وقانون انتخابي يكون التصويت فيه على أساس المسجلين، أي بعقلية ضبطية“. وتابع العلام في تصريح إعلامي له أن صدور التقرير في هذا الوقت “لا يساعد في تنبؤ أن ما سيتبعه سيكون إيجابيا، لأن عشرين سنة الماضية علمتنا أن نتشاءم، لأننا تفاءلنا في 1999 بالعهد الجديد وانقلب علينا بالسيء، وتفاءلنا بدستور 2011 وأحبطنا“.

طالع أيضا  مهرجان ينبه إلى خطورة التطبيع على المغرب والقضية الفلسطينية (صور)

غض النظر عن السياق سيكون محفوفاً بكثير من المخاطر، خاصة وأن التجربة الحالية غير مشجعة على الإطلاق لرفع منسوب الثقة، لكن لابد أن نعالج مضامين التقرير، بل الخروج بخلاصات نهائية تجعل الموقف من النموذج التنموي موضوعياً إلى أبعد مدى ممكن.

قراءة في المضامين

بعد التطرق إلى منهجية الإعداد والسياق بالإمكان الآن التطرق إلى المضامين العامة للتقرير، والتي سجلنا عليها مجموعة من الملاحظات:

أولها في التشخيص وذلك بمحاولة التمييز بين حقبتين من حكم الملك محمد السادس، منذ 2000 إلى 2010 ومن 2010 إلى 2019، فيذكر المرحلة الأولى بشكل إيجابي، فيما يذكر المرحلة الثانية بشكل سلبي وأوصاف قدحية، وذلك من خلال ذكر مجموعة من الأرقام والملاحظات والمؤشرات بشكل واضح وصريح، ومن أمثلة ذلك حديث التقرير عن:

  • اتسام الائتلافات الحكومية المتتالية بـ”توترات متكررة وبدينامية سياسية لا تحفز بالشكل الكافي على التقاء الفاعلين حول تصور للتنمية الاقتصادية والاجتماعية “، مما ساهم في “إبطاء وتيرة الإصلاحات وفي خلق أجواء عميقة من عدم الثقة“؛
  • هبوط معدل النمو من 4.8% ما بين 2000-2009 إلى 3.5% ما بين 2010-2019؛
  • تراجع صافي المتوسط السنوي لإحداث فرص الشغل من 144 ألف بين 2000-2009 إلى 69 ألف منصب بين 2010-2019..

وإن كان هذا التقسيم يقرأ منه حرص واضعي التقرير على إدانة تجربة العدالة والتنمية في “السلطة”، فهو أيضاً إدانة لكل المرحلة التي أعقبت مسار ما بعد دستور 2011، والإطار العام الدستوري والسياسي الذي تحايل على جملة من المبادئ كربط المسؤولية بالمحاسبة وإعطاء المنتخب الصلاحيات الحقيقة لممارسة السلطة بعد إصلاح النظام الانتخابي وفصل السلطة عن الثروة…

وفي التشخيص أيضاً لاحظ المراقبون ضعف اللغة في انتقاد الواقع الفاشل، إذ كان النقد ملطّفا لا يتناسب نهائياً مع الوضع العام، ولا ينقل حتى صدى احتجاجات الشارع والحراكات الشعبية. بالإضافة إلى الغرق في العموميات عند الحديث عن القضاء، والأمن، والديمقراطية، وحقوق الإنسان.. مما دفع ببعض المتابعين إلى القول بأن “اللجنة ومنتوجها، من حيث لا يدريان، لا يرفعان من منسوب الثقة عند المغاربة بل على العكس، يعززان ويكرسان عدم الثقة“.

وفي المرتكزات وضع التقرير جملة شروط لنجاح التغيير، وحدّدت اللجنة أيضاً أولويات المغاربة وهي: جودة الخدمات العمومية، فرص شغل، وفرص اقتصادية كافية، تغطية اجتماعية شاملة، حكامة جيدة، وفعالية الإدارة… والمرجعية العليا في كل هذا هي الدستور ومبادؤه الأساسية، ورغم كل الملاحظات المسجلة على تداخل الأدوار والمهام وعدم وضوح المسؤوليات، وقصور الفاعل السياسي عن اتخاذ القرار فإن اللجنة لم تشر إلى أي “إصلاح دستوري” مكتفية بالتأكيد على “التفعيل الإيجابي للدستور” و “الالتزام بالاختيار الديمقراطي وبالتعددية“، مع وضع ذلك كله تحت رقابة “آلية للقيادة الاستراتيجية” بيد الملك، بمعنى نفس الآلية والطريقة التي يمارس بها رئيس الدولة رقابته على الجميع.

اقترح التقرير 15 مؤشراً إحصائياً لتتبع مدى نجاح هذا النموذج التنموي، وهي مسألة مهمة، لكونها تسمح بالحكم موضوعياً على ما سينجز على أرض الواقع. وأول هذه المؤشرات هو الهدف التنموي الرئيسي الذي حدده واضعو التقرير “مضاعفة معدل الدخل الفردي للمغاربة” من حوالي 7800 دولارا اليوم إلى 16 ألف دولار سنة 2035، وذلك بتحقيق المغرب نسبة نمو سنوية تقدر بـ 6%، واستغرب المحلل الاقتصادي نجيب أقصبي من هذه النسبة، حيث قال في تصريح إعلامي “إن هذا أمر غير واقعي، لأنه منذ سنة 2000 إلى الآن أي خلال عشرين سنة لم تصل نسبة النمو في المغرب إلى ثلثي 6 في المائة التي تتحدث عنها اللجنة“، مضيفاً بأن “الحلول التي تقدمها لجنة النموذج التنموي لن تجعل الاقتصاد المغربي يصل إلى مستوى 4 بالمائة في نسب النمو”.

وأمام الملفات الحارقة والكبرى التي يغرق بسببها المغاربة في التخلف الاقتصادي اكتفى التقرير باقتراح مداخل محتشمة لمعالجة هاته القضايا؛ فمثلا اقترح واضعو التقرير “التقليص من الرخص والمأذونيات فقط، وكأن اقتصاد الريع مشكلة تقنية، بل ولم يطالبوا حتى بإلغائها، واعتبر أقصبي بأن “الريع مرتبط بالنظام السياسي وهو آلية مستخدمة لتثبيت النظام وتكريس الهيمنة الطبقية والعلاقات الاجتماعية المبنية على المصالح والامتيازات والزبونية“.

طالع أيضا  ليلة القدر: ليلة الأسرار والأنوار

مثال آخر يظهر مقترحات اللجنة وكأنها تعيد تكرار نفس الحلول المجرّبة دون أي مساءلة لأسباب فشل الدعوات السابقة إليها، فـ”منذ خمسين سنة والدولة تحفز القطاع الخاص عبر التمويلات والقروض وتراهن عليه كخيار جوهري، وفي الأخير خسرنا هذا الرهان، فلا يمكن اليوم أن تأتي اللجنة بتقرير يقول إن القطاع الخاص يواجه مشاكل مع البيروقراطية والعدالة يقول أقصبي، متسائلا “كيف يمكن لهذا الوضع أن يتغير بتحفيزات أكثر، الدولة منذ سنوات وهي تدعم القطاع الخاص ورغم ذلك فشل، فكيف يعقل أن يأتي تقرير لجنة النموذج التنموي اليوم ويتحدث عن المزيد من الدعم والتحفيزات“.

ونفس الأمر ينطبق على الحديث عن “السيادة الغذائية“، فلم يتجرأ معدّو التقرير على تقييم حصيلة مخطط المغرب الأخضر، حيث يرى مراقبون أن تكرار الحديث عن تثمين المنتجات الفلاحية وتنويع وجهات التصدير، وتطوير نفس الزراعات التصديرية الحالية من خضر وحوامض، لن يقدم جديدا، وتساءل خبراء عن مدى قدرة هذه الزراعات على ضمان أمننا الغذائي؟ ومن نقاط الضعف أيضا غياب الحديث عن وضعية الزراعات الأساسية مثل الحبوب، والسكر، والزيوت، التي تمثل القاعدة الأولى في أي أمن غذائي، رغم أنها هي الزراعات التي يعتمد فيها المغرب على الاستيراد من الخارج لأكثر من نصف حاجياته، وأي طارئ يحدث في العالم بشأنها قد يدخلنا في أزمة كبيرة، ونموذج ذلك الارتفاع الصاروخي الأخير في ثمن الزيت الذي كان بسبب النقص العالمي في التزويد بحبوب الصوجا، ومن المحتمل وقوع ذلك مع الحبوب أو السكر.

كل هذا يؤكد خلاصة أساسية يخلص إليها متفحص التقرير وهو أنه كان مليئاً بالمحرّمات والخطوط الحمراء، غير قادر على الإفصاح عن مشاكل المغرب الحقيقية ومسبباتها، وإذا ذكر بعض ملامح الفشل ومظاهره، فإنه يعمد إلى الهروب إلى عبارات فضفاضة وتعميمات تشوه الحقائق.