بقلم: ذ. زهير بن الطالبة

إن تقدم الشعوب والمجتمعات يقاس اليوم بمدى اهتمامها بالشباب، وتوفير شروط البناء المتوازن لشخصيتهم، والتكوين المتين لمعارفهم، والنمو السليم لأجسامهم، فالشباب هم الضامن لاستمرارية قيم المجتمع ومبادئه، في الزمان والمكان، وهم قوة الحاضر وأداته التي لا بد منها من أجل تجاوز كل الأزمات والصعوبات، وهم رمز المستقبل والأمل في غد أفضل.

إن الشباب عموما يتصفون بالقوة والشجاعة، الشيء الذي يؤهلهم دون غيرهم لتجاوز كل العقبات والمساهمة في التغيير مهما كان الثمن، وكيفما كانت التضحيات، ولهم القدرة على إعادة بناء الذات ومراجعة الأفكار والقيم والعادات، لتجاوز ما هو سلبي منها والتشبث بما هو جيد ومتجدد، ينسجم وروح العصر ويحقق الأحلام والطموحات.

إن مثل هذه الخصائص والصفات (القوة، الشجاعة، الصبر، التحمل، القابلية للتغيير…) لا يمكن إلا أن تكون دعامة أساسية للتنمية والتقدم داخل كل مجتمع من المجتمعات، بل لا يمكن أن نتحدث عن أي تنمية بدونها.

إذن عندما يُهمَّش الشباب ولا يُسمح لهم بالتعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم، عندما لا يعترف بمواهبهم وقدراتهم، عندما يَهجُر هؤلاء أوطانهم بسبب الفقر والبطالة، عندما يستولي الشياب على المناصب والمكاسب، ويستأثرون بالقرارات والثروات، عندما يصبح حلم الشباب الحصول على سكن لائق وشغل يضمن كرامة، فحدِّث ولا حرج عن التخلف والظلم والاستبداد، والفشل التنموي المتجدد.

إن الشيء العجيب داخل هذا الوطن الحبيب هو أن المؤسسات الرسمية تعترف، وبالأرقام والإحصائيات (الاستراتيجية الوطنية للشباب، النموذج التنموي الجديد) بأن الشباب يعاني الإقصاء والتهميش، وتؤكد على ضرورة معالجة هذا الواقع، لكن على مستوى العمل  والفعل هناك تكريس لسياسة الإقصاء والتهميش، بل وإصرار على تغييب دور الشباب وعدم السماح لهم بامتلاك سلطة القرار والفعل والمبادرة.

إن الاهتمام بالشباب والعناية بهم لا تكون فقط بالتقارير والمناظرات التي تناقش واقع الشباب وتتأمل في أحوال وجودهم، أو بالأرقام والإحصائيات التي تصف معاناتهم وآلامهم، أو بالمبادرات العرجاء التي تجعل الشباب رهينة للأبناك ومؤسسات التمويل.

طالع أيضا  رفعت الأقلام وجفت الصحف

إن الاهتمام بالشباب يكون أول ما يكون بتحصينه بمنظومة من القيم والمبادئ، تكون له حِرزا من الوقوع في المهالك، وتُمكنه من ضبط غرائزه وشهواته ووضعها في المكان الذي تستحقه، بماهي وسائل وأدوات للاستمرار في الحياة – حياة التميُّز والإبداع والتفوق – وليست أهدافا وغايات من أجلها وجدت الحياة.

إن الاهتمام بالشباب يكون من خلال تعليم جيد يكتشف المواهب والطاقات ويطورها، وينمي المعارف والمدركات ويوسعها، تعليم ينسجم وما يعرفه العالم من تحولات، وما تعرفه سوق الشغل من تحديات، وما يتطلبه من كفاءات وخبرات.

إن الاهتمام بالشباب يكون من خلال الاستجابة لمطالبه وتطلعاته، ولعل أولها وأولاها نظام سياسي عادل يفصل بين السلط، يربط المسؤولية بالمحاسبة ويمكّن الشباب من سلطة القرار، سلطة اختيار من يحكُمه وينوب عنه في تدبير الشأن العام، ومحاسبته أيضا على قراراته واختياراته.

إن الاهتمام بالشباب يكون بمصارحته بحقيقة خيراته وثرواته وكيف يتم توزيعها، والاعتماد عليها في تمويل المشاريع الكبرى للشباب، عوض تسوُّل الدعم والتمويل من المؤسسات الدولية والتي لها شروطها وأهدافها ولعل أهمها تكريس التبعية والخضوع.

إن الاهتمام بالشباب والعناية بهم وتوفير الشروط اللازمة لاكتشاف مواهبهم، وتطوير قدراتهم لهو الضامن للتحرر من قيود التبعية والتخلف، والانطلاق نحو التنمية والتقدم، أما إقصاؤهم وتجاهل مطالبهم وعدم الإصغاء لتطلعاتهم وطموحاتهم، فهو لعمري رمز ودليل على فشل تنموي متجدد ومتجذر، رغم تنوع  التقارير والاستراتيجيات، وتعدد العناوين والمسمَّيات.