أجرى موقع الجماعة حوارا مع المهندس أبو الشتاء مساعيف عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بمناسبة الذكرى العاشرة لاغتيال الشهيد كمال عماري رحمه الله يوم 02 يونيو 2011 إبان حراك عشرين فبراير بالمغرب.

إليكم نص الحوار:

1.   نظرا للحصار المضروب على قضية الشهيد والتحكم في الإعلام العمومي، كثير من الناس لازالوا لا يعرفون الشهيد كمال عماري ممن عاصروه أو أجيال منهم، من هو كمال عماري وكيف تم قتله وفي أي سياق؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه بداية جزى الله خيرا القائمين على هذا الموقع، وأتمنى لكم التوفيق والسداد، وأسأل الله جلت قدرته أن يرحم الشهيد كمال عماري وكل شهداء هذا الوطن وشهداء فلسطين الجريحة وشهداء الأمة.

سنة 2011 في سياق متحرك فيما أطلق عليه بالربيع العربي، كان شعبنا المغربي بالساحات يناضل سلميا من أجل الكرامة والعدالة والحرية. وفي إحدى المسيرات من شهر ماي 2011، جاءت التعليمات خارج القانون إلى السلطات المحلية بتعذيب نشطاء الحراك العشريني في مدينة آسفي، بتجاوزات تم توثيقها، يجرّمها القانون الجنائي المغربي والمواثيق الدولية والدستور الذي منع ويمنع المسّ بالسلامة الجسدية والتعذيب، والاختفاء القسري والمعاملات القاسية خاصة في حالات النشاط والاعتقال السياسي، والذي أدّى العنف المُفرط والاجتهاد الزائِد فيها عن اللزوم إلى قتل أحد المتظاهرين السلميين، وهو الشهيد كمال عماري رحمه الله الذي نحن بصدد قصته. مدّة طويلة كان المخزن ولازال يراهن فيها على الوقت والنسيان وعلى إطلاق حملات التشويش والتشويه والتخوين على ألسنة تابعيه المباشرين أو غير المباشرين الذين يخدمونه وربما عن حسن نية منهم في تناولهم الملف.

سنوات كانت كفيلة بترسيخ ملف كمال عماري رحمه الله يوما وطنيا للشعب المغربي، وأنه قضية مركزية في عملنا خدمة للشهداء وقضيتهم، سعيا إلى إظهار الحقيقة ومحاسبة الجناة لا غير، لو كانت هناك فعلاً إرادة سياسية صادقة لدى التوجّه الرسمي بكل تجليّاته، لكن للأسف لحد الآن التماطل هو سيد الموقف. دستور زعموا أنه متقدم، ومؤسسات ضخمة وقانون جنائي صارم حازم. كان كل هذا كافيا لإكمال تحقيق فُتِح ثم علق، وتقرير طبي رسمي أنجز ومنع من التداول، وتقارير رسمية وحقوقية كلها مجمّعة، ومحاكمة أعدمت جلساتها.

كمال عماري، هو شاب مغربي خرج في مسيرات انطلقت بتاريخ 20 فبراير 2011 في المغرب، كان كبقية شباب المغرب توّاقاً إلى غدٍ جديدٍ ومرحلة تقطع مع سنوات الرصاص وتبدأ ديمقراطية حقيقية وتنمية، وشغلاً للعاطلين ومستشفى للمرضى بالمستوى ومدرسة للفقراء واليتامى والمعوزين وجامعات عالية التدريس والتكوين، وخدمات وسياسات عمومية ناجعة وكل ما يطمح إليه جيل فتح عينيه على العهد الجديد. كان واحداً من شبيبة العدل والإحسان ورجالات رباطاتها التربوية. يوم 29 ماي 2011، وهو اليوم الأسود الذي مورِست وارتكِبت فيه فظائع، كان منها اختطاف وتعذيب سبعة نشطاء آخرين بنفس المدينة أي آسفي، وتزامناً مع ذلك وأثناء نفس المجزرة التي ارتكبت بالخلاء، كان سبعة أمنيين ينهالون ضرباً وسلخاً على كمال عماري أمام أعين المارّة. طوّقه عناصر “الصقور” ومَن معهم في إحدى الأزقّة الضيّقة في مدينة آسفي بدار بوعودة، جنوب الرباط العاصمة، وسط المغرب، ولم تتركه إلا وهو مُضرّج في دمائه. لم يتوجّه للمستشفى لتطويق جنباته طوال الليل وبقية الأيام ومراقبته أمنياً والتربّص بالنشطاء واعتقالهم. وظل يئّن المسكين في بيته وتمّ علاجه بشكلٍ استعجالي لم يكفه ولم يسعفه لتجاوز حالته الخطيرة، فكان كما يحكي أبوه، ينعى لحظاته الأخيرة لأسرته. خلّفت جريمة التعذيب هذه إصابات خطيرة على مستوى الرأس والصدر وكسراً في الرجل اليمنى، وكدمات على مستوى الوجه ورضوضاً كذلك في جميع أنحاء الجسم، تطوّرت كثيراً مع المدة، لينقل على وجه السرعة للمسار الأحمر بالمستعجلات لحالته المتفاقمة، وبعد إجراء العديد من الفحوصات واليأس من حالته.. وبعد أخذ ورد لتكون النتيجة النهائية لهذا القمع الوحشي الشرس استشهاده يوم الخميس 02 يونيو 2011 بنفس المكان الذي نقل إليه، بمستشفى محمّد الخامس بآسفي. أجمع الائتلاف الحقوقي على الجريمة، وتمّ إنجاز عدد من التقارير الرسمية وغير الرسمية، بالإضافة إلى تقرير دولي لمنظمة أفدي أنترناسيونال ببروكسيل، أكّدوا كلهم من خلال الاستماع للضحايا والشهود والوقائع والسلطات على تورّط الدولة في الجريمة، وطالبوا بإعمال مسطرة المتابعة كاملة.

طالع أيضا  ذ. الجوري: لماذا ننظم امتحانات غير قادرة على تحقيق رهاناتها الكبرى؟

المُقرّر الدولي خوان مانديز، مُقرّر الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة والحاطّة من الكرامة، زار مساء الأربعاء من شهر شتنبر 2012 المغرب، واستمع لأسرة كمال عماري حسب مقال نشرته جريدة الصباح بتاريخ 21 شتنبر 2012. وبتاريخ 10 يونيو 2014 أعرب الوسيط للديمقراطية وحقوق الإنسان عن قلقه من البطء والتأخير، وطالب السلطة القضائية بتحمّل مسؤوليتها كاملة في تسريع وتيرة البحث والكشف عن النتائج وتمكين العدالة من أن تأخذ مجراها، وتقديم المسؤولين عن الجريمة للمتابعة القضائية من خلال مراسلته بهذا الخصوص لكل من الوزير الأول ووزيري الداخلية والعدل والمجلس الوطني لحقوق الإنسان بتاريخ 13 أكتوبر 2011. لكن مرت عشر سنوات لحد الآن، ولازالت الدولة تراوغ وتتماطل وتجمد المسطرة لأسباب مجهولة لتناقض نفسها مع الشعارات التي ترفعها.

2.   يحضر كمال عماري وتغيب باقي الملفات، هل من توضيح؟

بعد فضل الله عزوجل وعنايته، الذي ثبت أسرة كمال عماري رحمه الله وأصدقاءه ومن خطفوا يومها، الذين لولا صمودهم تجاه محاولات الشراء والثراء والإغراء، لما وصلنا إلى هذه المرحلة. وكذا مساهمة كل الأطراف إلى جانب الجمعية إلى أن يبقى هذا الملف حيا تقديرا وتدبيرا ويجد مساحته الأساسية وسط ساحة التدافع والتناول والتداول بكل واجهاته المتعددة ووسط مشاريع مجتمعية مختلفة بكل همومها. وكان الشعار الدائم: “الشهيد خلا وصية لا تنازل عن القضية”.

ولا يمكن أن نلوم الناس على اختياراتهم، دورنا كجمعية أو باقي الأطراف الحقوقية الوطنية مشكورة التي تتبنى ملف شهيد هو ملف للشعب المغربي هي الإسناد والمرافعة إلى جانب أسرة أي شهيد، هي بيدها فقط قانونيا حق المتابعة من عدمها. ولا نريد أن نخوض في تفاصيل ملفات أخرى اختارت غير مسلك أسرة كمال عماري رحمه الله.

طالع أيضا  الأستاذ محمد العلوي رحمه الله: كيف يكون لي عهد جديد مع الله تعالى (فيديو)

3.   مسار قانوني متعثر من المسؤول؟

الدولة طبعا. لسنا جهة قضائية، بل طرف مدني داعم ومساند، ولنا محامونا الذين يتابعون الأمور أولا بأول. سهام النقد يجب أن توجه لمن يجمد الملف لحد الآن ويمنعه من أن يأخذ مجراه الطبيعي والقانوني ويعدمه من التناول الإعلامي العمومي. لو كنا في نسق ديمقراطي يحترم نفسه وينسجم مع ما يطلعنا عليه كل يوم على ألسنة ناطقيه من أنها دولة الحق والقانون، وأن حق التظاهر السلمي مكفول، وأن المغرب قطع مع هذه الممارسات، وأن التعذيب مجرم وأن كل من ثبت تورطه فيها سيتم تقديمه للمحاكمة، لكان الأمر شيئا آخر.

لكن العكس، الوقائع توضح أن هناك تغاضيا عن هذا الملف وعن أمثاله، بل من الناس من تتم مساومتهم ليتغير مسار ملفاتهم بمقابلات أو بضغوطات، ولا نريد ذكر أسماء احتراما لاختيارات الناس وقدرتها على التحمل والمتابعة والصمود. يبقى ذلك حقهم.

4.   تتهمون أنكم إما تخليتم عن الشهيد وبعتم دمه، أو أنكم لحد الآن تستغلونه سياسيا، ما قولكم؟

إذا تحركنا وساندنا الملف، فنحن نستغله، وإذا سكتنا، فنحن تخلينا وبعنا! ألا ترون أن الأمر فيه تناقض بين. ما العمل إذن؟

نحن اخترنا بصدق مساندة أسرة الشهيد كمال عماري وأصدقائه منذ اليوم الأول، والزمن كان كفيلا بتوضيح الحقائق، وكل من كانوا يرموننا بهذه التهم، رأوا ولمسوا كيف طمست الدولة ملفات أخرى وسعت إلى محوها.

على العكس والحمد لله، وهذا بجهود كل المساهمين من كل مواقعهم ومستوياتهم، قضية الشهيد هي مركزية في اهتمامنا ولم ننسه يوما وبذلنا ولازلنا كل الجهود لكي يبقى حيا كإنسان في الوجدان، وكأحد أبناء حراك سلمي ودعوة إلى الله محاصرة هي الأخرى ومضطهدة.

لازلنا بفضل الله أوفياء للشهداء جميعهم، ولو أتيحت فرص المساهمة لما بخلنا، ومحامونا دائما حاضرون بالعديد من الملفات المشابهة، متطوعون في هذا الملف وفي غيره.

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (10).. لْعُودْ للّي تْحَكْرُو يَعْمِيكْ

لكن لا يمكن لأسرة وهي المخولة قانونيا بحق المتابعة، أن يقفز عليها طرف ما ليرغمها على غير ذلك بل ستكون خطواته خواء في هواء. لأن المتابعة من الأساس لا توجد. فماذا سيسند، والشكاية من الأساس اختفت؟

ولهؤلاء الذين يشكون في أي تفصيل، ولازالوا يريدون المساهمة، نقول لهم بابنا مفتوح ونحن لا نخون أحدا، بل نؤمن أن كل طرف يمكن له المساهمة من موقعه، وتفاصيل الملف مفتوحة للرأي العام للاطلاع والترافع الحقوقي والقانوني.

ولو كانت الأسرة ومن معها من أصدقاء الشهيد لهم نية أخرى لقبلوا منذ اليوم دعوات المتصلين وضغوطات عدة جهات. لكن التاريخ سيظل شاهدا على صدق النيات وثبات وصمود الأسرة والجمعية التي لم تزدها السنوات إلا رسوخا ووضوحا، وها نحن بصدد إحياء الذكرى العاشرة ولازلنا ثابتين على نفس مطالبنا بالحقيقة والإنصاف وجبر الضرر كما هو منصوص عليه دوليا وقانونيا.

والحمد لله من قبل ومن بعد.

5.   مآلات الملف؟

لا بد من التنويه أولا بصمود عشر سنوات وما بذل لحد الآن. ليس سهلا في الوقت الذي يصبح المرء مؤمنا بمبدأ أو قضية ثم ما يلبث أن يمسي غير ذلك والعياذ بالله. فنحن حريصون بعون الله بأن تبقى قضية الشهيد كمال حاضرة وحية. وننوه بكل المجهودات وأصحابها. بحمد الله أصبحت ذكرى قتله محطة سنوية ثابتة كيوم وطني للشهيد، ليس له وحده بل ربما مسار ونموذج والمنة على الله.

الحق لا يسقط بالتقادم جنائيا ودوليا، مهما حاولت الدولة جاهدة وساعية إلى قتله مرات ومرات بطمس الحقيقة وإعدام المتابعة بكل الوسائل، ولازالت المسارات أمامنا مفتوحة على كل المساطر والطرق المخولة قانونيا وتدافعيا وسلميا. ولسنا ننتقم لأنفسنا أو ممن يصرف مواقف أو يبتز أو يساوم ويتفاوض من خلف الشعب وظهره. مواقفنا كانت ولازالت واضحة ومطالبنا وكما قلنا ولا زلنا نؤكد، مرحبا بكل من يريد الاطلاع والملف ملك للرأي العام ومعلومته متاحة.

فلا بد، إذا استنفذت المسطرة وطنيا طريقها، فلن يترك الماسكون بزمام الملف قضائيا إلا أن نسلك مسارات أخرى حتى تحقيق الحقيقة كاملة غير منقوصة.