المرأة في مشروع الجماعة

 بعد استعراض مركّز للمحطات الكبرى في تاريخ جماعة العدل والإحسان في الحلقات السابقة، نقف فيما تبقى من حلقات هذه السلسلة على بعض تجارب الجماعة في مجالات مهمة، مع التركيز قدر الاستطاعة على ما يمكن اعتباره مميزا للجماعة عن باقي التجارب الحركية الإسلامية.
ونعرض في هذه الحلقة لموضوع “قضية المرأة في مشروع جماعة العدل والإحسان”، من خلال النقاط التالية:
ـ تقديم عام: يوضح أهمية عمل المرأة وموقعه في التجارب الأخرى.
ـ كرونولوجيا عمل المرأة في جماعة العدل والإحسان، وأهم واجهاته.
ـ مبادئ عامة مؤطرة لتصور جماعة العدل والإحسان لقضية المرأة وبعض وسائل تنزيلها. 
ـ تقويم عام لتجربة العمل النسائي داخل جماعة العدل والإحسان.
وسنقسم الموضوع لأهميته لحلقتين: حلقة أولى نخصصها للتقديم وكرونولوجيا عمل المرأة في جماعة العدل والإحسان، وأهم واجهاته، وحلقة ثانية نستعرض فيها لاحقا بحول الله تعالى مبادئ عامة مؤطرة لتصور جماعة العدل والإحسان لقضية المرأة وبعض وسائل تنزيلها، وتقويم عام لتجربة العمل النسائي في الجماعة.


تقديم عام

تعتبر قضية المرأة من أكبر التحديات التي لم تتمكن كثيرا من التوجهات الفكرية ولا القوى السياسية في المجتمعات الإسلامية في التصدي لها بعمق وموضوعية، لذلك ظلت تشغل مساحة محدودة في الأدبيات الإسلامية، وكان يغلب على الكثير منها حالة من الانفعالية والدفاعية في الرد على الشبهات والإشكاليات التي تثيرها الأقلام والتيارات غير الإسلامية حول المرأة. 
ورغم الحضور المتميز لهذه القضية في رؤى الحركات الإسلامية وبرامجها، فلا يمكننا إنكار تباينات ملحوظة في مواقفها بين من يتقيد بظاهرية النص وحرفيته، ومن يروم الانفتاح، والبحث في مقصد النص الشرعي ومراميه، وهو ما خلف تفاوتا بينها في الرؤى وفي البرامج وأساليب العمل والمواقف. مع استحضار كون الطرح المقدم من الحركات الإسلامية في قضية المرأة أكثر تقدما من الأطروحات الأخرى؛ بما فيها العلمانية التي ظلت أسيرة استنساخ النموذج الغربي. إلا أن كثيرا من هذه التجارب تعرف فجوة عميقة بين التنظير والممارسة في مسألة المرأة، حيث إن الموروثات التاريخية والتقاليد التي تؤثر في الواقع أقوى وأكثر من التنظير الإسلامي الأصلي. 
وتتفاوت الوضعية التنظيمية للنساء داخل الحركات الإسلامية، بين من تعتبر وجودهن تكميليا تستهدف به تحسين صورتها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، ومن ثم لا يسمح لهن إلا بتقلد بعض الأدوار الدعوية تحت قيادة الرجل، وأخرى تعتبر الوجود النسائي ضرورة، ليس تناغما مع المستجدات المجتمعية والخارجية، ولكن من باب إنصاف المرأة كما أراد لها الخالق سبحانه، ولذلك تعمل على تقلد النساء لأدوار اجتماعية غير تقليدية تناسب موقعهن ودورهن الريادي في المجتمع. 
أما في مشروع الجماعة، فالأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله يدرج قضية المرأة في سياق مصير العبد مع ربه الذي يعتبره أم القضايا، وليس في سياق الصراع بين الرجل والمرأة، أو في سياق تخليص المرأة من النزعات المتغربة أو غيرها من السياقات المتداولة.
لذلك، فحضور قضايا المرأة في مشروع العدل والإحسان لا يخضع لحسابات سياسية ولا تحكمه توظيفات إيديولوجية، بل هو نابع من قناعة راسخة بضرورة النهوض بأحوال المرأة لتحقيق الغايتين العدلية والإحسانية، وعليهما مدار وجود الجماعة ومجال اشتغالها وتهممها (هي الغاية الإحسانية).
وتحتل المسألة النسائية الصدارة في هذا المشروع، وتتأسس على رؤية تجديدية متميزة؛ سواء من حيث تشخيص الأسباب التي أوصلت المرأة إلى الواقع المهين الذي تعيشه اليوم؛ أو من حيث اقتراح بدائل لهذا الواقع ومداخل لإصلاحه، وذلك من أجل تمكين المرأة من أداء دورها الأساسي في المجتمع. 
ويعتمد هذا المشروع أسسا تجديدية في التعاطي مع هذا الموضوع أهمها:
ـ رفض التسطيح في معالجة قضية المرأة بنقلها من نزاع حقوقي صرف بين الرجل والمرأة، إلى هم المصير الأخروي للطرفين وعلاقتهما بالله سبحانه وتعالى. 
ـ رفض التجزيء بوضع القضية في إطار شمولي بربطها بالتردي العام لأحوال الأمة، واعتبار علاجها جزءا من مطلب التغيير الشامل. 
ـ رفض التقليد في تناول هذه القضية بالدعوة لتجاوز القراءات الفقهية المذهبية الضيقة، والمناداة بضرورة اجتهاد حقيقي ينهل من النبع الصافي: الكتاب والسنة.
ـ تأكيد التكامل بين وظيفتي المرأة والرجل في كل المجالات، عوض مجاراة موضة الصراع بين الجنسين، أو نزعة الدعوة “للمساواة” الميكانيكية التماثلية بين الجنسين، التي تقفز على خصوصيات كل واحد منهما. 
ويرجع الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أسباب انحطاط المرأة إلى عاملين أساسيين، هما: 
ـ الصدمة الأولى: التي جسدها الانكسار التاريخي المتمثل في انتقال المسلمين المبكر من خلافة شورية راشدة إلى ملك عضوض وجبري، وما رافق ذلك من ظلم عام، نالت المرأةُ الحظَ الأوفرَ منه باعتبارها كما يقول الإمام رحمه الله “مستضعفة المستضعفين”، حيث أًقصِيت من المشاركة العامة، و”حُجِبت” عن المجتمع.
ـ الصدمة الثانية: جسدها الاستعمار، الذي روج للأطروحة التغريبية اللائكية بديلا عن الوضعية المزرية للمرأة في المجتمعات الإسلامية. 
ويرى الإمام رحمه الله، أن طريق المرأة نحو الإنصاف يمر بالضرورة عبر إنصاف المجتمع ككل، حيث لا يمكن حل قضية المرأة إلا في ظل حل شامل، يتقاطع فيه ما هو تربوي بما هو اقتصادي، وما هو سياسي وما هو اجتماعي؛ فإذا حَلّ عدلُ اللهِ على أرضه ألقى بظلاله على خلقه كافة رجالا ونساء. وعلى المرأة التي هي “مستضعفة المستضعفين”، خوض جهاد متعدد الواجهات لاقتحام عقبات الفكر، والعادات الموروثة، و”الفقه المنحبس”، وجهاد لمقاومة غطرسة الرجل الذي يتذرع بالإسلام وشريعته ليظلم المرأة، وجهاد كسب القوت لتأمين حاجيات أسرتها، وجهاد طلب العلم بكل تخصصاته، وجهاد مواجهة النزعات التغريبية.

مشاركة أخوات الجماعة في أحد الرباطات التربوية التعليمية

أولا ـ كرونولوجيا مركّزة لعمل المرأة في جماعة العدل والإحسان، وأهم واجهات العمل النسائي في الجماعة

مر عمل المرأة في جماعة العدل والإحسان بثلاث مراحل أساسية:
ـ مرحلة التأسيس الأولي (1981 ـ 1994): 
خلال هذه المرحلة خضع العمل من حيث الإشراف العام لتنظيم الإخوان، بسبب ظروف التأسيس التي مرت بها الجماعة، وكان فرصة للأخوات لاكتساب تجربة تنظيمية، وتلمس الطريق نحو تأسيس عمل نسائي يراعي خصوصيات المرأة، ويتكامل مع عمل الإخوان.

طالع أيضا  د. اليونسي: العشر الأواخر.. فضلها والأعمال المستحبة فيها

ـ مرحلة بلورة تصور عمل المرأة في الجماعة (1995 ـ 2009): 
كان صدور كتاب “تنوير المؤمنات” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في سنة 1995 تأسيسا لمرحلة جديدة في عمل الأخوات وفق مبادئ تحترم خصوصيات المرأة، وانطلاقا من رؤية تكاملية لوظيفتي الجنسين. ولتنزيل هذا الفهم تم استحداث “لجنة الزائرات” سنة 1996، وهي امتداد وتطور لـ”لجنة المحاضرات” التي تأسست للغاية نفسها سنة 1995. وكان للأستاذة ندية ياسين حفظها الله (نجلة مرشد الجماعة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى) دور ريادي في اللجنتين، ومن ثم في تأسيس عمل نسائي متميز في جماعة العدل والإحسان.
كما كان من سمات هذه المرحلة، إنشاء لجنة تحضيرية لإعادة النظر في عمل الأخوات في شباط/فبراير 2000، توجت أعمالها بالحسم في خصوصية واستقلالية عمل الأخوات. وبعده مباشرة في أيار/ماي 2001 فوض مجلس الإرشاد لـ”لجنة الزائرات” مهمة الإشراف على عمل الأخوات، تفعيلا لمبدأ “قيادتهن من جنسهن”.
استفتحت هذه المرحلة بمحطة تشاورية في تموز (يوليو) 2001 حددت فيها أولويات المرحلة في توسيع دائرة التواصل، وما يتطلبه ذلك من ضرورة تحيين البرامج التربوية والتعليمية لتوافق خصوصيات المرأة، وتأسيس حلقة “منسقات الأقاليم” للإشراف على تنظيم الأخوات. وقد صادق مجلس الشورى على هذه المقترحات في أيلول (سبتمبر) 2001.

من مجالس الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مع ثلة من القيادات

 

 

ـ مرحلة الاستواء (2010 إلى الآن): 
فيها تم العمل وفق مقتضيات “البناء الجديد”؛ انسجاما مع النقلة النوعية التي عرفتها الجماعة، من بينها تقوية العمل المشترك، مع الحفاظ على مكتسبات عمل الأخوات وخصوصياته. وكانت للأخوات مساهمات منذ البداية في ورشة تجديد بناء الجماعة التي صودق على خلاصات أعمالها في مجلس شورى حزيران/يونيو 2009. كما كانت لهن مساهمة فاعلة في تنزيل هذا البناء الجديد وما يلزمه من جهد في الاستيعاب والحفاظ على المكتسبات وتقوية العمل المشترك. 
ومن ثمار هذا البناء، تأسيس “الهيئة العامة للعمل النسائي” التي تولت الإشراف العام على العمل النسائي في الجماعة في شقه التربوي والدعوي؛ بينما يشرف “القطاع النسائي” التابع للدائرة السياسية على هذا العمل في شقه السياسي.

طالع أيضا  تعلم لغتك وتعرف ما ينبغي عن "الحال"

خلال هذه المراحل، حرصت الأخوات في الجماعة على تنزيل “تصور تجديدي” لقضية المرأة على أرض الواقع، بالاستفادة مما سبقه أو يعاصره من تجارب نسائية، وهو عمل تراكمي يتطور بالتجربة والممارسة الميدانية، ويواجه تحدي التوفيق والانسجام على مستوى الفهم والممارسة بين ما هو اندماج داخل جسم الجماعة باعتباره ذات واحدة، وما هو تخصص وجبهة خاصة بالأخوات تستجيب لخصوصيتهن.
وبالرغم من أن المهمة غير يسيرة، تطلبت سنوات من التجارب، فقد حققت الأخوات تطورا متميزا، وحضورا قويا عبر انخراطهن في كل مجالات العمل داخل الجماعة، التربوية والتكوينية والتعليمية والدعوية والسياسية. 

نساء الجماعة في أحد الأنشطة التواصلية

وبخصوص واجهات العمل النسائي في الجماعة، فإنه يغطي كل مجالات عملها، بالتركيز على الواجهات التالية:
أ‌ ـ الأساس التربوي الإيماني:
هو لب عمل الجماعة ومحور كل برامجها، ويتعلق بحث المرأة على الترقي في مدارج القرب من الله تعالى مثل أخيها الرجل. مع التأكيد أن التربية في مشروع الجماعة لا تقتصر على التعلم والمعرفة فحسب، بل هي عمل اليوم والليلة المتواصل “لتتربى المؤمنات التربية الكاملة المتكاملة عقلا وقلبا وخلقا. قلبا قبل كل شيء، ليتأهلن بالأنوار المقتبسة المشعة من جيل مؤمن لجيل مؤمن، ولينشِئْنَ أجيالا مؤمنة يرضعنهم مع لبن الجسم لبن الإيمان” 1.
ب‌ ـ الواجهة التعليمية التكوينية:
تصحيحا وتجديدا لفهم الدين، ومحاربة للتسطيح والتجزيء، وتأهيلا تربويا وتعليميا ومهاراتيا، وتنمية للذوق الجميل، مع مراعاة الاستعدادات الفردية والحاجيات الخاصة لكل فئة ومرحلة، وفق أهداف محددة وبرامج مضبوطة، ومن أولويات هذه الواجهة محو الأمية “الدينية واللغوية” وتعلم صغار الأمور قبل كبارها.
ت ـ واجهة الاستقرار الأسري:
باعتباره الأرضية الصلبة التي يرتكز عليها بناء مجتمع منسجم وقادر على الإشعاع والعطاء، وضامن لسريان تربية سليمة للأجيال، وصمام أمان من عواقب التشتت الأسري، وذلك وفق برامج للتأهيل الأسري للآباء والأمهات، وأنشطة تربوية تعليمية ترفيهية للأبناء.
ث ـ الواجهة الدعوية:
إحياء للمعاني الإيمانية في المجتمع ومساهمة في تحصينه من دعوات الانسلاخ من هويته الإسلامية السمحة أو انجراره إلى التطرف والعنف، وتهمما بالقضايا العادلة لعامة نساء الشعب وتسجيلا لحضور إيجابي لبنات الجماعة في ذلك، وبخطاب مبشر بموعود الله ورحمته مُحْيٍ لليقين فيه سبحانه، سمته الرفق المنطلق من حسن الظن بالناس وبالمؤمنين والمؤمنات، وتغليب الأمل والرجاء في الله عز وجل، والتذكير برحمة الإسلام وسعته بجهاد حجة الكلمة الطيبة، “الدعوة إلى الله نداء من قلب مؤمن وعقل عالم إلى سمع الناس وعاطفتهم. اللسان أداة هذا النداء، واللغة وسيلة، والفصاحة المقنعة المخلصة أسلوبه… نحن بحاجة لخطاب يبلغ الأسماع ويخرق أسوار الحصار الإعلامي، ويقارع كتائب الغزو الفكري” 2.

مشاركة نساء الجماعة في مسيرة 10 دجنبر ٢٠١٧

 

طالع أيضا  تعلم لغتك العربية.. كل ما ينبغي معرفته عن الخبر

ج ـ الواجهة التوعوية التأهيلية:
تعد من أهم الواجهات، من خلال العمل الميداني للنهوض بالمرأة من واقع التهميش إلى أفق الفعالية، وهو عمل دؤوب ولصيق بالحياة اليومية لنساء الأمة وتهمم بأحوالهن عارف بأدوائهن محتضن لجراحاتهن. “هناك في بيوت المسلمات، وفي كل صَقْع نَبَذَتْهُنَّ فيه حاجة الكسب وحركة المجتمع، ثغرة من ثغور المسلمين لا يَسُدُّها إلا المؤمنات. يُعَلِّمْنَ الأساسيات، يُصَحِّحنَ البديهيات، يُطَهِّرْنَ الجذور، يُقَلِّمْنَ الفروع الخبيثة، بصبر وتؤدة ومتابعة. يُعلمن النظافة والكياسة في الحياة الاجتماعية كما يعلمن الوضوء والصلاة والعقيدة. يُلقِّنَ مبادئ الاقتصاد المنزلي وتربية الطفل ومعاشرة الزوج والبِر بالأقارب وخصال الإيمان. يحاربن الأمية الدينية محاربتهن الأمية الأبجدية” 3.
ح ـ الواجهة التواصلية:
تعريفا بمشروع الجماعة عامة، وشقه النسائي خاصة، وانفتاحا على كل الفعاليات النسائية وكل الأطر والمثقفات وعموم النخب، باعتباره خطوة أساسية في إطار الإسهام في إيجاد أرضية للعمل المشترك. ودعوة مختلف المهتمين بقضايا المرأة للحوار من خلال عقد ندوات وملتقيات وحضور إعلامي… في أفق تقريب وجهات النظر حول سبل النهوض بوضعية المرأة.
ولا بد من تصدي ثلة من الأخوات لجهاد مقارعة الحجة بالحجة والذود عن المشروع التجديدي للجماعة بصفة عامة، وما يخص المرأة بصفة خاصة مع معرفة دقيقة بالطروحات النسائية المنافسة، خصوصا أن قضية المرأة من أهم القضايا الخلافية، وغالبا ما تؤتى منها الحركة الإسلامية لخلل في التصور أو لضعف في التبليغ.

مصدر المقال: العربي21


[1] من كتاب تنوير المؤمنات ج2ص18.
[2] المنهاج النبوي ص231/ 232 وص262.
[3] كتاب العدل ص 315.