أول عائق أمام التنمية هي طبيعة نظام الحكم الاستبدادية:

–  التنمية تعني الحرية، وإذا تحرر الناس فإنهم سيطالبون بتغيير نمط الحكم الاستبدادي، ولهذا لن يسمح بتنمية تفضي إلى الحرية.

–  التنمية تعني إنهاء الفوارق الاجتماعية، وكلما تقلصت الفوارق ضاقت مساحة استحواذ الاستبداد، ولهذا لن يسعى إلى تنمية تفضي إلى عدالة اجتماعية.

–  التنمية تعني صحوة علمية علومية، وكلما تعلم الناس علموا أن الاستبداد نقيض التنمية، ولهذا لن يسمح الحكم بتنمية تنهي الأمية.

ويتوهم المستبدون أن بامتناعهم عن تحقيق الحرية والعدالة والتعليم سيضمنون خلود الاستبداد، وينسون أنها مطالب تطلب ولا تمنح، وأن منعها هو ما يغدي حركة المطالبة بها ويقصر المسافة إلى بلوغها.

الأسباب الجوهرية لفشل مخططات التنمية:

1- لأن المشاريع التنموية تقرر بالمنهجية الفردية نفسها وتدبر بذات الأساليب الفوقية التحكمية، ولهذا فهي تعطي نفس النتائج. فأصبحت تلك المشاريع جزءا من المشكلة وليست حلا، بل إنها مرتع لاستفحال الفساد وانتعاش الريع ومسرب لهدر المال العام.

2- أن تلك المشاريع لا تقدم حلولا واقعية وناجعة، وتطبخ في أزمنة قياسية لإرضاء أو تفادي الغضبات الفوقية، وإن كانت تسبب الكوارث وأضعاف الغضب للشعب، ولهذا فهي تملأ الأوراق بالأرقام الوردية والطموحات الحالمة المقطوعة عن الواقع. ولا عجب أن ترمى في سلة المهملات غضبة تالية دون اكتراث لما كلفت من أموال طائلة على إنجاز الدراسات وتنزيلها في الواقع، مع ما تكلف من تحريك الإدارات والأطقم البشرية وانعكاس ذلك على إرباك القطاعات المعنية والتي يكون الخلل فيها بالغ الخطورة استراتيجيا وبلا عوض وفي مقدمتها التعليم.

3- لأنها مشاريع غير مصحوبة بإرادة الحل، والإرادة في ميزان التغيير أسبق من الأرقام والمشاريع والدراسات والخبرات والمختبرات، وفي غياب الإرادة تكون الأرقام كالوميض الخادع المتلاشي مع السراب. وإن ركام ما يسمى بالإصلاحات وإصلاح الإصلاحات والمخططات العادية والاستعجالية والاستثنائية بلا جدوى على الأرض لأكبر دليل على انعدام إرادة الإصلاح.

طالع أيضا  تساؤلات مقلقة ومؤرقة حول قرار الحظر الليلي خلال شهر رمضان الفضيل

4- لأن تلك المشاريع تستهدف، في الغالب، الأعراض الاقتصادية والاجتماعية التي ليست سوى طفح لمرض كامن عضال وهو الداء السياسي المتمثل في حكم الاستبداد والاستفراد والفساد وغياب معايير الشفافية والنزاهة والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص والتقسيم العادل للثروة والقضاء المستقل … وغيرها من الشروط الأساسية للحكم العادل الرشيد.

التنمية روح ومظاهر

أما روحها فسيادة الحرية وحقوق الإنسان، والعدل الاقتصادي والاجتماعي، واختيار الشعب من يحكمه مع إخضاعه للمراقبة والمحاسبة والتداول، وفصل السلطات، والفصل بين السلطة والثروة. وأما مظاهرها فتطاول في البنيان، وتمتين للبنيات، وعافية في الأرقام الأساسية التي تشكل أعمدة التنمية.

وإنه لا جدوى ولا استقرار ولا مستقبل للمظاهر من غير روح.

ولمن يجهد نفسه لشرعنة وتقعيد إمكانية التنمية مع الاستبداد نذكره أن نظام الحسن الثاني اقترن بمظاهر السدود والطريق السيار والسكة الحديدية وإنبات المدن والتشييدات، لكنه، هو لا غيره، وقف أمام الجميع ليعترف بأن مغرب تلك المظاهر موشك على سكتة قلبية.

ثم إن من كانوا يشكلون طابور المديح ل”عهد الحسن الباني”، هم قبل غيرهم، تصدروا صفوف حاملي سياط جلد ذلك العهد، بعدما باد، ونعته بعهد الجمر والرصاص، والإشادة بما أسموه “مسلسل الإنصاف والمصالحة” الذي يعني أول ما يعني أن ذلك العهد كان عهد ظلم وطغيان ومظالم من كل الألوان، وغياب الحرية الاي تعتبر شرط وركيزة التنمية.

التنمية ليست أرقاما صماء؛ التنمية هي الإنسان أولا بهوية محترمة وحرية مضمونة وكرامة مرعية وأمن موفور وعيش مكفول.

من غير هذا فما كل الأرقام إلا كالصباغة على جدار مُسَوّس هو في حكم الانهيار وإن تلألأت واجهته بكل الزخارف.

في كلمة: لكم أن تنزلوا من رأس وثيقة النموذج التنموي الجديد إلى قدميها لتلمس الأهداف والمداخل والآليات التي تمكن لروح التنمية وأساساتها: سيادة الحرية وحقوق الإنسان، اختيار الشعب من يحكمه مع إخضاعه للمراقبة والمحاسبة والتداول، فصل السلط، الفصل بين السلطة والثروة.. لن تجدوا ما يختلف عن الكلام المكرور في الحملات الانتخابية وفي المشاريع السابقة والأرضيات المؤسسة لطابور المجالس والمؤسسات “الاستراتيجية”..

طالع أيضا  العلاقات الخارجية للعدل والإحسان تقرأ الحدث التونسي ومآلات الفعل السياسي للحركة الإسلامية في ندوة يوم غد

الذي يعيد إنتاج وتدوير الوضع القديم بأركانه المناقضة تماما للتنمية وهي:

1- الحكم الفردي المطلق المناقض لعمل المؤسسات وللتعددية السياسية.

2- زواج السلطة والثروة.

3- الحكم لمن فوق الاختيار الشعبي.

4- من يحكم لا يحاسب.

5- قضاء وصل درجة الصفر في الاستقلالية.

6- غياب الحرية ومواجهة الرأي بالاعتقال السياسي والقبضة الأمنية.

مشروع لم يجرؤ حتى على اقتراح تعديل دستوري يعيد فتح النقاش حول هذه الأسس.