65- تعلمت أن الحال منصوب؛ واستحق النصب لأنه مفعول. والحال تأتي بعد تمام الكلام، فلما أتى بعد تمام الكلام، صار كالمستغنى عنه فنصب؛ ومنه تعلمت أن المستغنى عنه له أضعف الحركات، وأقل نصيب من الاستحقاق، ولهذا قال أهل التربية: علامة المخلوق أوصاف النقص، لأن المخلوق مستغنى عنه، قال تعالى: والله الغني وأنتم الفقراء، وأدركت قول الإمام عبد القادر الجيلاني قدس الله سره: “أنت لا شيء لكن لا بد منك”.

66- تعلمت أن الحال لا يكون إلا نكرة، وأنه وصف هيئة الفاعل والمفعول به، ومن شرطه أن يكون نكرة منصوبة، ومنه فإن السالك المقتحم المراغم متوجه إلى الله تعالى في إصلاح حاله، مجتهد في تنكير نفسه، كي لا يعرف، فأحواله مع الله مستقيمة منتصبة، وهي بستر التورية والنكرة محتجبة، كما يقول لإمام ابن عجيبة رحمه الله، ولذلك فإن السالك يجب ألا ينظر لحاله لأنه إذا عرف حاله لاحظها، وإذا لاحظها أعجب بها، وإذا أعجب بها تلاشت، وكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول: “أخص الأحوال ما استترت عن صاحبها”.

67-علمني الحال أن اليد التي لا تنكسِر لا تغرِفُ الماء، والقلبُ الذي لا يفتقِر لا يتلقّى مَددَ السماء، فآمنتُ بإخلاص العطاء ثم بالظلّ والرجاء؛ فأتتني المواهب والألطاف تَمشي على استحياء، فقلت: إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير، وبدل القَحط حلّ الغيثُ المِدرار، وبَدلَ اللّطف الواحِد تزاحمت الألطاف.

68-علمني الحال أن الله يمحق الربا والرّبا كما قالَ العارِف الغارف: كلُّ عَمَلٍ أو قَولٍ مَشروطٍ بتحقّق فائدَة، مُتعلّق بِحُدوث العِوض والنتيجَة، مُعتمد على ذاته مُعجَب بصفاته لم يتجرّد من آفاتِه، مَزهو بِكَثرَتِه إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا، والمَحقُ الإتلافُ والمَحو وعدَم القبول، ولابن عطاء رحمه الله: “إنما أورد عليك الوارد، لتكون به عليه وارداً. أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار. أورد عليك الوارد، ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهوده”.

69- علمني الحال أن طريق الدعوة/حمل الرسالة ليس لمن يتمنى حملها بل لذاك الذي يتعنى ويتعب من أجلها، الذي لا يصده عن طلبها استتارها، ولا يثنيه عن انتظار ثمارها وجود التكذيب والتسفيه، ولا يعييه مهرها مهما غالت فيه، ولا يرهقه طبعها الشديد وإلحاحها الدائم في طلب المزيد، وأن لا أبرح حتى تبلغ مجمع البحرين، إنها قول ثقيل لا تحمله إلا الرواحل التي لا ترضى بالقفول قبل الوصول؛ “لا راحة بعد اليوم يا خديجة”؛ ورحم الله سيد حيث استطرد معلقا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: “مضى عهد النوم، وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الشاق الطويل، لأن من يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وماله والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح؟!

طالع أيضا  لطائف ونسمات من وحي الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المجدد رحمه الله

ولله در القائل:

بَصُرت بالراحة الكبرى فلم أرها *** تنال إلا على جسر من التعب

70- علمني الحال أن السالك الحامل العامل لا يهمه حب الظهور القاسم للظهور؛ وإنما هو علامة شديدةَ الظهور، ونجما مُشّعا دائمَ الحضور، قذفَ الله فيها اشتعالا لا ينطفئ وارتفاعا لا ينخفِض وشموخا لا ينكسِر وحرصا على البذل والعطاء لا ينقطع ووفاء وإخلاصا وعفافا من غير نكوص ولا نكوس وفق عمل مخطط مدروس موفق غير معكوس ولا منكوس؛ جعل قلبه قبلة للناس، وضوء يستضاء به في مدلهمات الحياة، ومن كانت همّتهُ للاستخدامِ ثابِتَة جَعلهُ الله لافِـتَة؛ كما يقول أهل المعرفة؛ إنه الحمل الثقيل الذي لا يرضى بفضول الأوقات ولا يستوطن القلوب الغافلة اللاهية اللاعبة المستقيلة السائبة المنشغلة بسفاسف الأمور الهابطة، المرتجفة المترددة الملتفة الهشة العاجزة الناكصة. له هِمّة ترفعُه فتُسكِنُهم القِمّة، مرددا مع شاعر القوم:

فَحَيَّهَلًا إِنْ كُنْتَ ذَا هِمَّةٍ فَقَدْ **حَدَا بِكَ حَادِي الشَّوْقِ فَاطْوِ الْمَرَاحِلَا

وَحَـــيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَــــدْنٍ بِقُرْبِهِمْ**مَنَازِلُكَ الْأُولَى بِهَا كُنْتَ نَازِلًا

وَقُــلْ سَاعِدِي يَا نَفْسُ بِالصَّبْرِ سَاعَةً**فَعِنْدَ اللُّقَّا ذَا الْكَدِّ يُصْبِحُ زَائِلَا

فَمَا هِيَ إِلَّا سَـــاعَةٌ ثُمَّ تَنْقــــَضِي**وَيُصْبِحُ ذُو الْأَحْزَانِ فَرْحَانَ جَاذِلَا

71-علمني الحال أن أتجرد من العلائق كي تشرق على قلبي أنوار الحقائق، وأن أخرج من رق الأوقات وسجن الأكوان إلى شهود المكون، فما كان في السرائر ظهر في شهادة الظواهر. ومن كان مع الله كان الله معه، ولن تستطع قوة في الدنيا أن تُخضعه، وبمعية الله لا حزن، لا استسلام لا ضيق. فمن كان معه ربه اتسع له بطن الحوت، وانشق لأجله البحر العميق وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا. صدق الله العظيم.

وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ الْتُكْلَانُ.

طالع أيضا  ذ. عبادي يقارب "مركزية القدس في الصراع الإسلامي الصهيوني" في حوار مع قناة تلفزيونية

(يتبع)