للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعلّق شديد بالقضية الفلسطينية؛ تراه باسطا ذكرها في مؤلفاته جميعها، عادّاً إياها قضية مركزية في نسقه المنهاجي، وقضية مصيرية للأمة في مواجهة الباطل، استشرافا للخلافة على منهاج النبوة، موعود الله ورسوله الكريم.

فنقرأ له رحمه الله ورفع قدره أن: «قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنَبؤٌ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين، وبالخلافة على منهاج النبوة، وبظهور هذا الدين على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون» 1. بهذه الكلمات الجامعة المانعة لخص الإمام رحمه الله مآلات المواجهة، بين الحق الفلسطيني وباطل بني صهيون وما يأفِكون.

ثَم صراع قديم بين الحق والباطل، ومواجهة عظيمة تلوح علائمها في الأفق القريب. وإن نتائج المعارك على الأرض لتنبئ بدنو لحظة التلاحم العنيف بين الندّين، كما أن القارئ الراكب متن التاريخ من أعاليه، القارئ المؤمن بما أخبر به القرآن الكريم وبشارات الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من تفاصيل عن لحظة المواجهة في فلسطين أرض «وعد الآخرة»، ليدرك بحق حساسية هذه المرحلة من تاريخ الأمة ومن تاريخ الإنسانية جمعاء.

وللإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله وعي دقيق بالمحطات التي عاشتها الأمة الإسلامية وانكساراتها، وله فيما يرتبط بلحظات المواجهة التي عرفتها قضية فلسطين ومستقبلها مواقف تفصيلية؛ إذ “ستظل إسرائيل الابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون هويتهم الحقيقية، لأن الابتلاء مفهوم مركزي في الإسلام يميز الله به الذين آمنوا من الكافرين. وعد الله جلي في كتاب الله، لكن تحقيقه رهين ببضعة شروط؛ بالإيمان، بالمؤهلات السياسية والاجتماعية، بالمقاومة والاستشهاد، وبالإعداد الطويل المتأنِي إلى أن يحل يوم «التداول»، فالنصر رهين بالاستحقاق !” 2.

وفيما يأتي نبسط بعض الخطوط العريضة لهذه الشروط، مسترشدين في ذلك بما نثره الإمام المرشد رحمه الله في مؤلفاته. على أننا سنقتصر في بسطنا هذا على ذكر ما يتعلق بالشروط الخمسة عند الإمام رحمه الله حصرا؛ لتحديد نطاق الدراسة والوفاء بالعقد المبرم بيننا وبين قارئ ذِهِ الصفحات، المسيّجة بحدود بيان الشروط القمينة بتحقيق «وعد الآخرة».

طالع أيضا  “الأحكام الفقهية والمقاصد التربوية” لرمضان.. حوار تفاعلي مع الدكتور المسئول

1.    الشرط الإيماني
جعل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله الشرط الإيماني الأساس الذي تقوم عليه الشروط الأخرى. الإيمان عنده شرط وجود؛ بغيابه تكون حركة الإنسان ساعة المواجهة مفرغة من جوهرها المتمثل في الإيمان؛ فـ “ما المؤمنون موعودون بالاستخلاف، وهو طلب، إلا بشرط أن يقرنوا الإيمان القلبي بالعمل الصالح العقلي الجوارحي التنظيمي السياسي إلخ. وما المؤمنون موعودون بالنصر في «وعد الآخرة» إلا إذا كانوا عِباداً لَنا أُولي بَأسٍ شَديد 3. فالعبودية معنى قلبي روحاني والبأس الشديد له وسائل اتخاذه الأسبابية الأرضية الكونية. ثم إن الله تعالى لا يريد منا إن استخلفنا في الأرض أن يمتعنا بزهرة الدنيا للدنيا، لكنه يريد أن يصطنعنا لنمكن لدينه. يريد أن نتمكن في الأرض لنعمل للآخرة في حق أنفسنا فرادى وفي حق كل جن وإنسان نُبلغه رسالة الله ليعبد الله ويعرف الله 4.

إنه توجيه سلوكي وتنبيه لطيف يبين الغاية من الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله فيها. ومطلب إحساني جهادي يستدعي الأخذ بالأسباب الكونية، إعدادا وتخطيطا وبرمجة. كما يستوجب الاتصال القلبي بالله عز وجل والجثو على باب كرمه الواسع، وتوسّد الصبر تحت ميزاب قدره في خلقه وسنته فيهم. سبحانه.

وجود الشرط الإيماني والوازع التربوي -إذن- كفيل بنفث روح الحياة في أعمال المجاهد بميدان التدافع، وغياب هذا الشرط أو إغفاله مفض -بلا ريب- إلى تضعضع الهمة والميل عن سبيل الرشاد؛ فـ”ما كل من حمل السلاح مجاهد ولو رفع شعارا، ما دام الشعار الإسلامي لا ينبعث من سويداء قلبه صادقا يحيى معاني «في سبيل الله». في سبيل الله. في سبيل الله. قل لي: ما هي سبيلك؟ أنت صائر إلى الله قهرا وهو القاهر فوق عباده يتوفى الأنفس حين موتها. فهل أنت سائر إليه طوعا، متقرب إليه طاعة وسمعا، بالفرض والنفل، بكرة وعشيا، من آناء الليل وأطراف النهار؟” 5.

من أجل ذلك… تتمة المقال على موقع ياسين نت.

طالع أيضا  ذ. فتحي: التوظيف الديني للتطبيع مع الكيان الصهيوني يقوم بليِّ عنق نصوص صريحة

[1] عبد السلام ياسين، سنة الله، تطوان: مطبعة الخليج العربي، الطبعة الثانية، 2005، ص 119.
[2] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، وجدة: مطبوعات الهلال، الطبعة الأولى، 2000، ص 132.
[3] سورة الإسراء، الآية: 5.
[4] سنة الله، ص 174.
[5] المرجع نفسه، ص 924.