أعترف يا سيدي أنني لا زلتُ أبيتُ هانئا في سريري وأنت تئنّ من حزّ مناشير جوعك الاضطراري الطويل الذي بلغ يومه الخامس والأربعين، وأنني، لطالما، كنت أحاول ألا ألتفت لبعض الوخز الذي يسعى كي ينبّهَني إلى أنّ هناك خطر محدق بحياتك، وأنني كنت أراوغه حينا، وأتغافل عنه أحيانا أخرى، منغمسا بسرعة في لامبالاتي، معلّقا كُلَّ فعلٍ ممكن إزاء محنتك، على مشجب ذلك الآتي الغامض، الذي يكون بموجبه على الآخرين أن يفعلوا لا أنا طبعا.
ولماذا أنا؟ أليس الجميع يفضّل الصمت والتغافل؟ أليس الجميع يبتلعُ لسانه ويَنْحَشِرُ مَعَ جُبْنِهِ في تفاهات التدوين الأناني الشارد، واللغو المستكين البارد، والتفلسف الملتفّ القاعد؟ ولماذا يكون عليّ، أنا بالذّات، أن أتفوّه بما لا قِبَلَ لي به، وأنا أرى ما فعلوه بك وبغيرك، وأرى الفاتورة التي لا تشبع من حريتك ومن عذاباتك؟ ! لماذا عليّ أن أقفز من دون الجماهير المتفرّجة الخرساء، وأجازف بالرقص وحدي مع أشباح الوقت الموجوع؟ !
أعترف يا سيّدي بأنّني أنانيّ وجبان، وبأنني وصولي وضيّق الأفق، ذلك أنك لا تعرف أنني أَعُدُّ نفسي مجرّدَ حشرة صغيرة في هذا الوطن، لا تستطيع أن تَطِنَّ حَتَّى لا تزعجَ أَحَدا، فأنا لا قِبَلَ لي بتلك الأفلام الهوليودية التي سيصعب على أغلب العقول المسطّحة اكتشاف زيفها رغم بساطة توليفها، ولا قِبَلَ لي، إن أنا صرخت لصرختك، بتلك النظرة الغاضبة التي تنبئك بأنّ عليك أن تغادر قبل أن يأكلك النسيان خلف الشمس.
لست مستعدا يا صديقي، إن أنا أعلنت وقوفي إلى جانب أنينك، أن أفقد وظيفتي بإعفاء يحطُّ ليلا كخُفّاش، ولا أملك قدرة، إن أنا سمحتُ لدموعي كي تَهْمِيَ لحالك، أن أبني بنفسي الأسوارَ الخرساءَ حَوْلَ عُمْري القصير، فلا أستطيع بعدها إقداما ولا فرارا، ولست مستعدا أن أغامِرَ بإدانَةِ ما يَحْصُلُ لك من جنونٍ لا يتقبّلُهُ العقلُ والقانون، أو التفوّهَ بما يمكن أن يُفْهَمَ منهُ أنّني أستهينُ بكوادر النكوص والتقهقر في هذا البلد، لأنني حريصٌ على ما تبقّى لي من موضع أقدام أخفيه بالكاد عن الرقابة، وأحرص نقطة ضوئي من ريح الحَسَدِ اللعينة ومن جشع تُجّارِ السوق السوداء، ولذلك تراني أقلّص حجمي قهرا كي لا أُتَّهَمَ بالتَّمَدُّدِ وتهديدِ “فَسَاحَةَ” الفضاء العام.
آه يا صديقي ! لا يمكن أن أنكر – بيني وبينَكَ فقط- أنّني متأثِّرٌ للغاية بما أَزْمَعْتَ عليه من خوض صراع الإرادة ضد شيء غامض لا يتبيّن ما هو، ولا أستطيع أن أمنع نفسي من الخوف وأنا أرى زَوْجَتَكَ تُعِدُّ كفَنَك وتستعدُّ لفتح باب العزاء، لا أستطيع أن أُنْكِرَ أنّني فعلا أتألم خُفيةً عن “الشاشات الرّاصدة” وكل “مجسّات” “وزارات الحب”، ولكنّني، كما ترى، لا أملك شيئا أقوم به، ولا حيلة لي أمام فوّهات التشهير، وفنون التكسير، وعناد الحصار، واحتمالات السعار، فلا تلمني إن وقفتُ مع القطيع متحمّسا بغباوة في حصص الكراهية حتّى أبرِّىءَ نفسي من “تهمة التفكير”، وأتطهّر من “لعنة الذاكرة”.
أعترف أنني مواطن هزيل الوجود، أقف على قارعة الوقت الميت، مجرّدا من كل شيء، حزينا دون أن أملك ترف البكاء بصوت عالٍ خوف التأويل اللعين، ذلك التأويل الذي قد يجعل الآهَ الجريحةَ بيانَ عصيان، ويقْلِبُ الزفرة الحَرَّى خيانةً عُظمى لا سبيل إلى الإفلات من زواجرها، ذلك التأويل المقيت الذي يمكن أن يجعل مجرَّدَ ابتسامة دليلا ماديا على وجود مؤامرة.
أنا يا صديقي مواطن متعب، ولا ظهر لي كي أحمل أكثر مما أنوء به، فلا تلمني من فضلك، إنني منهزم وألوذ بركن الهوان عن اقتناع كامل، وإيمان عميق، فأرجوك لا تعدم لي حجّةً تدثّرُ بها غيابي وخَرْسي، ولا أظنّكَ تفعل، فلطالما كنتَ القَلَمَ المدافعَ المشاكس، وحملت آلام الناس وآمالهم موقفا ورأيا، وجادلتَ عنهم بحذق وشجاعة، وتمثّلتَ “سلطةَ إعلام” ظننتَ أنها، هنا كذلك، يمكنها أن تنجح في دفع القطار الكسيح بعض الشيء كي يزيحَ عن السكة صدَأها المتراكم، لكنّكَ كنت خاطئا فعلا، ويجب أن تعترف بذلك، كما يجب عليكَ -إن أطال الله عُمرَك- أن تعرف حدودك كما عَرَفَهَا آخرون من قبلك، ظنوا كما ظننت، قبل أن يستفيقوا، ويَطْوُوا أجنحَتَهُم، أو ما تبقّى منها بعد عمليات النتف القاسية في أجوائنا المعلومة.
فعذرا يا رجل، كما سلّمناك في البداية، نؤكد لك، أننا أعجز من أن ننتفض لما آل إليه وَضْعُكَ، ولا أظنُّنَا يمكن أن نضطرب، أو ينكسر فينا شيء، إذا ما طرأ لك مكروه لا قدّر الله، فحتّى مناشَدَتَك أن تُوقِفَ إضرابَك، أخافنا مُجرّد التّوقيع عليها، لأننا لا نأمنُ، كما تعلم، أن تصبحَ أسماؤنا في سجلّ “عدم الرّضى التام”.
فسامحنا من فضلك، واغفر لنا هذا العجز الفادح، والتجمُّد الفظيع إزاء وضعك ووضع صاحبك عمر الراضي.
الإمضاء: نيابة عن مثقف مختفٍ لدواعٍ “خاصّة”.

طالع أيضا  كيف يصبح التناصح والتواصي سلوكا في حياتنا (4)


بقلم: د. عبد القادر الدحمني.
سوق أربعاء الغرب
في: 22 ماي 2021.