بقلم: محمد الحرش

في تعریف الملحمة، نجد أنھا حرب شدیدة، وأنھا عمل قصصي له قواعد وأصول، والأصل من فعل “لحم” أي ألصق وأحكم وأصلح.

المتأمل في ھذه التعاریف وما حدث بفلسطین من توابع اعتداء الاحتلال الصھیوني على سكان حي الشیخ جراح ومحاولات تھجیرھم القسري بالقوة، لا یحتاج كثیر عناء لیدرك أن الملحمة الفلسطینیة أحدثت تحولات جوھریة في الموقف الفلسطیني والعربي والإسلامي والإنساني عموما، وأسست لقواعد تعامل جدیدة مع المحتل وحلفائه الإقلیمیین والدولیین.

1 -المعركة الأخیرة “سیف القدس” وحدت الفلسطینیین:

من ملامح ھذه الوحدة، الفعل التأسیسي للمقاومة بغزة التي ھددت بدایة قطعان الاحتلال، عساكر ومستوطنین، من مغبة الاعتداء على الأقصى ومحاولة تھجیر سكان حي “الشیخ جراح” ونفذت تھدیدھا بقصف العمق الصھیوني.

بعد ذلك توالت مظاھر توحید الشعب الفلسطیني حیث التحم فلسطینیو القدس والضفة وغزة وعرب 48 لتشكیل لوحة نضالیة صامدة في وجه الغطرسة العنصریة الصھیونیة، برغم اشتغال الحرب الدعائیة الإعلامیة الصھیونیة على تفرقة الصف ومحاولة تشكیل وعي الشباب خصوصا بما یخدم أجندتھا الاستیطانیة.

فھتف شباب القدس لمقاومي القسام وقائدھم محمد الضیف، وھتف شباب رام الله لحماس وھتف شباب غزة للجھاد الإسلامي… وسقطت مشاریع تفتیت وتفریق الشعب الفلسطیني وخصوصا شباب ما بعد أوسلو الذي لا تربطه أیة صلة تعاطف مع القوى السیاسیة التي كرسھا “اتفاق أوسلو”.

2- “سیف القدس” توحید وتقویة الموقف الشعبي العربي:

لا یخفى على أحد قوة الضربات التي تعرضت لھا القضیة الفلسطینیة خلال العشریة الأخیرة، خصوصا بعد خمود ثورات الربیع العربي وصعود الثورات المضادة ومحاولات إلغاء الحق الفلسطیني في التحریر والعودة و التسویق لاتفاقیة القرن.

تأتي المعركة الأخیرة بفلسطین لتسوء وجوه الصھاینة وحلفاءھم المطبعین وداعمیھم الدولیین وتنفث روح المقاومة والرفض لكل المشاریع التصفویة للقضیة وتعطي زخما للقوى المناھضة للصھیونیة العالمیة للتطبیع كحل جبري وقدر لا مفر منه، ورسمت خط تمایز عریض بین شعوب تواقة للتحریر وأنظمة غارقة في الرذیلة، بھذا المفھوم تكون “سیف القدس” قد حررت القوى الشعبیة العربیة من توابع محاولات أنظمة الھزیمة العربیة التسویق للتطبیع خوفا على عروشھا وكروشھا.

طالع أيضا  قومة رمضان.. أنواعها وشروطها

3 -التعاطف العالمي شعبیا وإعلامیا:

إن الثورة الرقمیة وإبداع الشباب الفلسطیني والعربي عموما أعطى للمعركة زخما غیر مسبوق، وأوصل “المحرقة” التي أحدثھا القصف الصھیوني على غزة صورة وصوتا وبشتى اللغات للعالم الذي أفاق من دعایة صھیونیة دامت أكثر من 70 سنة من الاحتلال والقتل والتھجیر القسري.

كل ذلك أثمر تعاطف سیاسیین وإعلامیین وفنانین وریاضیین… ولعل الملمح الأبرز لذلك تناول كبریات المؤسسات الإعلامیة للحدث بنوع من التوازن، فلأول مرة تتخذ “نیویورك تایمز” و”واشنطن بوسط” موقفا حیادیا یمیل لانتقاد الكيان الصهيوني.

ولأول مرة یجد المواطن العربي فرصة لإبلاغ رسالته الإعلامیة عبر وسائل تواصل غیر أمریكیة متحیزة للموقف الصھیوني، حیث وصلت ترندات “أنقدوا الشیخ جراح” و”غزة تحت القصف” و”أنقدوا غزة” لعشرات الملایین، وتجاوزت متابعات صور وفیدیوھات الجرائم الصھیونیة عتبة الملیار ونصف ملیار، كل ذلك بواسطة وسائط تواصل وتطبیقات صینیة وروسیة في الغالب.

4 -ماذا بعد أن قطع “سیف القدس” ید الاعتداءات الصھیونیة:

العصابة الصھیونیة بفلسطین المحتلة، باعتبارھا مشروعا استعماریا جاء لتمزیق الأمة بناء على أساطیر مؤسسة ومنع أیة محاولة للنھوض والوحدة تلقى ضربات عسكریة لم تخطر بباله یوما وأبان عن عجز استخباراتي عسكري فظيع في تحدید قوة وتطور العتاد العسكري للمقاومة الفلسطینیة.

وقد كان لافتا في التصریح الصحفي للرئیس الأمریكي بایدن، الدعوة لضرورة إصلاح عیوب “القبة الحدیدیة” التي ظهرت محدوديتها في اعتراض صواريخ المقاومة.

المعركة الأخیرة تعد الرابعة التي تخوضھا المقاومة الفلسطینیة منذ 2008، وكانت مناسبة لتستعرض حماس ترسانتھا العسكرية على مستوى الصواريخ التي ظهرت لأول مرة بمدى 260 كلم واضعة كل هدف صهيوني في مرماها، والطائرات المسیرة “شھاب” التي استعملت لأول مرة في قصف منصة غاز في عرض البحر قبالة شاطئ غزة.

الثابت أن لدى المقاومة وفرة إنتاج للصواریخ سبق وأعلن قائد حماس بغزة، یحیى السنوار، أثناء اجتماع للفصائل بالقاھرة قبل أشھر أنھا تكفي لدك العمق الصھیوني لستة أشھر متتالیة.

طالع أيضا  لماذا يجب أن تخاف(ي) على بلدك من التطبيع مع الكيان الصهيوني؟

كما أن تكتیكات إطلاق الصواریخ لتفادي “القبة الحدیدیة” ھي ثمرة جھود خبرات علمیة جد متطورة ومناورات في شریط غزة الضیق والذي لا یتجاوز 1,33 في المائة من مساحة فلسطين والمنطقة هي الأكثر كثافة عالميا.

مع ذلك یبقى الفلسطینیون في أمس الحاجة للدعم المالي لإعمار ما دمره الاحتلال، والتقني العسكري لتطویر القدرات الدفاعیة خصوصا في وجه غارات الطیران الصھیوني المتفوق، والإعلامي لفضح الوجه الإجرامي العنصري للكیان الصھیوني وداعمیه.

غیر ھذا وجب الترافع أمام مجلس حقوق الإنسان الدولي لتصنیف الكیان الغاصب كیانا إرھابیا وإدانته ومحاكمته أمام محكمة جرائم الحرب الدولية.