“لْــعُــودْ للّي تْـحَــكْـرُو يَـعْـمِـيكْ” مثلٌ شائع فــي مجموعة من الثقافات الشعبية، ومنها الـمغاربية للتحذير من عواقب الاستخفاف فـي التعامل مع الناس أقرانا ومنافسين قبل الخصوم والأعداء، بل ومع سائر الخلق والأمور. فإذا كان الاستخفاف سلوكا يُحيل على خُلق التكبر، بما هو تبخيس للغير ومؤهلاته وعدم أهليته، من جهة، وإفراط فـي الثقة وتقدير الذات من جهة ثانية، فإنه يفتح علـى صاحبه بابا مُشرعا للخسران والندم.

لقد نـهــى الشرع الحكيم عن الاحتقار الذي يُترجم استخفافا بالناس وسخرية منهم. يقول الحق سبحانه فـي سورة “الحجرات”: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ. تحذير بأبلغ ما يكون التحذير والنهي للمؤمنين من السخرية من الناس واحتقارهم خَلقا أو خُلقا أو حيثية اجتماعية أو عقيدة، فقد يكون الـمُــُستخَفُّ (بفتح الخاء) به أفضل عاقبة وأرقـى مكانة من الـمستخِف (بكسر الخاء). أجل، قد تكون هيئة الـمرء وربما بعض قدراته الجسدية باعثة علـى الشفقة، لكن لا يجب أن تخدش فـي مشاعره وتشكك فـي قدراته وتصدر فـي حقه أحكام قيمة سلبية، فكم من فاشل فـي تقدير الناس سطع نجمه وذاع صيت نبوغه؟ وكم من عاصٍ جانٍ علـى نفسه بما بدا للناس من سلوك وأحوال عامة تداركته السابقة الإلهية غير الـمنظورة فأضحـى منارة للصلاح والهداية، واستحال (تحوّل) فجوره صلاحا وتقوى. لذلك فـالحكم على الناس علـى أساس الـمظاهر لا يستقيم، وفـي الحديث: “رُبَّ أشعثَ أغبَرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسَمَ على الله لَأَبَـــرَّهُ”، أشعثُ أغبرُ كناية عن الهيئة الرثة الـمنفِّرة تحجب عن العين الفاحصة للقبة البشرية جوهر هذا الـمدفوع بالأبواب الـمطرود من الـمجالس تقواه وصلاح سريرته، حيث لا يُـردّ لصاحبها دعاء، بل قَسَما علـى الله تعالـى.

طالع أيضا  ذ. تشيكيطو على رأس وفد من العصبة في زيارة لمعتصم الطلبة يدعو للنظر في الملف "بمنطق وطني"

“لْــعُــودْ للّي تْـحَــكْــرُو يَـعْـمِـيكْ” مثلٌ بحمولة توجيهية فـي التدبير والتعامل مع القضايا مفادها تحري الـموضوعية فـي تقييم الـمؤهلات الذاتية، فرحم الله من عرف قدره، منزلته نعم، ومعها قدراته، من جهة، وتحرٍّ بموضوعية أكبر لـمؤهلات الـمنافسين والخصوم مهما بدا منهم الضعف، فليس أصعب من مواجهة من لا يملك ما يخسره، حيث الربحُ والخسارة عنده سَيان. والأمثلة والشواهد فـي تجارب الناس فرادى، كما فـي تجارب الأمم أكثر من أن تحصى، فكم من مغرور بقدراته مستخف بخصمه شرب من كأس الخيبة والفشل، وانهزم شرّ هزيمة. ولله درّ القائل:    

لا تحقرَنَّ صغيــرا فـي مَذمّــــةٍ.. إن البعوضة تُـــدمـــــي مُـقْــلــة الأسَـــدِ

“لْــعُــودْ للّي تْـحَــكْــرُو يَـعْـمِـيكْ” تحذير من سلوك الاستخفاف بالأمور عموما، لا سيما فــي الـمجال السلوكـي، فقد حذرت السُّنة النبوية من تـهوين الأشياء والاستخفاف بعواقبـها إيجابا أو سلبا، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ، لا يُلْقِي لها بالًا، يَهْوِي بها في جَهَنَّمَ”. كلمة، مجرد كلمة صدرت فـي غفلة قد ترفع صاحبها درجات فـي الجنة، وقد تهوي به دركات فـي جهنم سبعين خريفا/سنةً كما فـي بعض روايات الحديث. 

 وبذات التوجيه جاء التنبيه من عدم احتقار الأعمال مهما بدت بسيطة، فالـحريص علـى إتيان صغائر الذنوب يوشك أن يتجرأ علـى كبائـرها، “كَالرَّاعِـــــــي يَرْعَــى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ”. ففـي ميزان الشرع يتحدد مُعامل الأعمال الصالحة ثوابا أو إثما بأثرها فـي الواقع وفـي النفوس من جهة، وبمقدار ما يُـقتُحم من العقبات للقيام بذلك العمل. فعن  أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال لـــي النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تحقِرنَّ من الـمعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْقٍ”.

طالع أيضا  تضامناً مع الريسوني المُضرب عن الطعام قرابة 50 يوماً.. وقفة مساندة بالرباط تُقمع مجدداً

حذَرٌ ويقظةٌ دائمةٌ متجددةٌ هــي فحوى هذا الـمثل، مراقبةً للسلوك والـمشاعر والـمواقف، وتحريّا للصواب قولا وعملا واختياراتٍ بل وتكتيكاتِ التعامل مع مختلف القضايا والاستحقاقات دون تـهوين أو تـهويل. ولعل فـي حكم البَدَهيات والـمُسلّمات فـي الـمجال التدافعـي أن الانتصار لا يرتبط بعنصر القوة عددا وعُدة، بل يستند إلــى مبدإ الحق والشرعية مهما تواضعت الإمكانيات واختل ميزان القوة لصالح الطرف الـمستكبر والـمعتدي، حتــى قيل: “علـى الباغـــي تدور الدوائــــر”.

والحمد لله رب العالـمين.