وأنا أتابع ما يحدث في فلسطين مما يبكي له القلب قبل العين، رأيت حجم التفاعل الذي أبدته كثير من القنوات، رأيت الحشود في المسيرات، رأيت الوقفات وسمعت الشعارات وقرأت المقالات والتدوينات.

رأيت قطعة من جسد الأمة تُقصف بشدة فتنزف، لكني رأيت جسد الأمّة الخائر الفاتر الحائر يقف. جسد نام لعقود… رأيته للحياة يعود. وراودت فكري قصة حدثت منذ زمن بعيد… فيها درس فريد وعبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد.

في عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمع نفر من الرجال فتكلموا بينهم، فكأنهم فضلوا سيدنا عمر رضي الله عنه على سيدنا أبي بكر  رضي الله عنه، فبلغ ذلك الفاروق  رضي الله عنه، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار، ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا أبا بكر، ما لك تمشي ساعة بين يدي، وساعة خلفي”. فقال: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال: “يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟” قال: نعم والذي بعثك بالحق. فلما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار. فدخل فاستبرأه حتى إذا كان في أعلاه، ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله، حتى أستبرئ الحجرة، فدخل واستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل، فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.

طالع أيضا  دعوة للتصافي ونبذ التشاحن بين يدي ليلة القدر.. مع الأستاذ حمور

كان فهم الصديق رضي الله عنه عميقا عمق الدعوة التي آمن بها… عمق دعوة جاءت لتحرر الإنسان من أهواء الإنسان وخبايا وخفايا نفس الإنسان… عمق دعوة جاءت لتتحدى الزمان والمكان… فتعيش مع الإنسان إلى أن يأذن الملك الوهاب بنهاية الامتحان وحلول يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها.

كان الصديق يرى في رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه وحقيقته… يرى فيه تلك الرحمة المترامية الأطراف، الواسعة الأكناف، التي تضم في أحضانها الأقوياء والضعاف… يرى فيه عليه الصلاة والسلام ذلك النور الذي سيضيئ للبشرية طريقها، وينير لها دربها، ويبين لها سبيل الرشاد… كان يرى في مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك المبعوث السامي الذي أرسله ملك الملوك سبحانه لينتشل الناس من براثن عبودية غير الله ويخلصهم من تسويل النفوس ووسوسة شياطين الإنس والجنّ.

لذلك بلغت محبته له وحرصه على سلامته حدّ أن يضحي بنفسه من أجله… فلا بد لمشروع الخلاص هذا أن يبلغ غايته، ولابد للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبلّغ رسالته مهما كلّف هذا الأمر من ثمن.

كان رضي الله عنه مستعدا لدفع هذا الثمن…

فليمت أبو بكر وليحي الرسول…

فليمت ابن أبي قحافة ولتعش الدعوة…

فليمت ابن أبي قحافة وليحي الناس… ولتعش الأمة.

هذا هو الدرس الذي تعيد فلسطين اليوم تعليمنا إياه… برجالها… بأبطالها… بجبالها… بنسائها… بشيوخها… بأطفالها… بشهدائها… بكل ما تدفع من ثمن باهض.

فلسطين بكل شرفائها وأحرارها وأوفيائها… تضحي من أجل أمة نامت حتى سمع غطيطها، ورقدت حتى فقد الأمل في يقظتها…

فلسطين أسدت للشعوب المحبوسة المقموعة معروفا لن تنساه…

فلسطين تضحي بأبنائها من مختلف الأعمار ليعودَ للأمّةِ الاعتبار…

طالع أيضا  الجوري والزهاري: تقهقر المغرب في مؤشر حرية الصحافة يؤكد عدم احترامه حرية الرأي والتعبير

فلسطين تصمد تحت النار لتعيد الأمّةُ الإعمار…

فلسطين تموت لتحيا أمة عليها ألا تموت… أمة وظيفتها أن تبلّغ إرث نبيها وأن توزع رحمته على العالمين.

قال ربنا عز وجل: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)”  (آل عمران: 109-112)

لله درّ من يموت ليبعث في الأمة الحياة.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.