في الجزء الأول من حلقة “محطات كبرى في مسيرة جماعة العدل والإحسان” استعرضنا ثلاث مراحل مرت بها الجماعة، وفي الجزء الثاني تابعنا الحديث عن تاريخ الجماعة من خلال الوقوف على الملامح الرئيسية للمراحل المتبقية وفق ما اقترحناه من تحقيب، وننهي هذه الحلقة برصد البناء الفكري للجماعة.

المرحلة الخامسة: تجديد البناء والإشعاع الفكري (2007- 2012م)

ـ تجديد البناء وثماره:

عرفت هذه المرحلة ورشا تنظيميا مهما عرف بورش “تجديد البناء”، وقد ارتكز على مبدأ التجديد المستمر لوسائل وأساليب وفلسفة العمل لمواكبة توسع الجماعة وتعدد واجهات عملها وتطور فنون التدبير والإدارة والتسيير. ومن ثمار هذا الورش التمييز بين مؤسسات ذات وظائف تخصصية على المستوى المركزي، (وهي الهيئة العامة للتربية والدعوة التي تشرف على الدعوة في صفوف الإخوان، والهيئة العامة للعمل النسائي، التي تشرف على الدعوة في صفوف الأخوات، والأمانة العامة للدائرة السياسية التي تشرف على الشأن العام)، ومؤسسات ذات وظائف تنفيذية على المستوى الجهوي والمحلي، وتوسيع مجال الشورى بتأسيس مجالس شورية للمؤسسات المركزية، وفي الأقاليم، ومجالس شورية خاصة باللجان، فضلا عن مجلس الشورى الوطني العام….

ـ مشاركة الجماعة في الحراك المغربي المعروف بحركة 20 فبراير:

فقد كان شباب الجماعة من الداعين والمساهمين في هذا الحراك الذي رفع شعار” مواجهة الفساد والاستبداد”، إلى جانب شباب باقي المكونات الوطنية وخاصة اليسارية. وعلى مدى عشرة أشهر، بذلوا جهودا متميزة مع غيرهم لتعميم هذا الحراك والحفاظ على طابعه السلمي والجماهيري وعدم تسقيفه وتوظيفه من قبل الأحزاب. وشكل هذا الحراك ضغطا كبيرا على النظام في المغرب، مما اضطره لتقديم “بعض التنازلات” غير المسبوقة، والتي تمثلث في “إصلاح دستوري” وانتخابات سابقة لأوانها، و”السماح” لحزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، بتشكيل الحكومة ورئاستها…بيد أن ذلك لم يكن سوى التفاف على المطالب الشعبية، والذي سرعان ما سيبدأ التراجع عنه بعد أن هدأت عواصف الربيع العربي.

وارتأت الجماعة الانسحاب من هذا الشكل الاحتجاجي المعروف بـ 20 فبراير، لما قدرت أن بعض الأطراف تحاول تسقيفه وصبغه بأيديولوجيتها، وأطراف أخرى تعمل على توظيفه لتحسين موقعها السياسي في المربع المخزني، وقطف ثماره. في نفس الوقت واصلت الجماعة ولا تزال واجبها في المشاركة المتميزة في كل الأشكال الاحتجاجية الأخرى ودعمها لمطالب الشعب المغربي. إلى درجة أن المخزن ما فتئ يتهمها بقيادة هذه الاحتجاجات والركوب عليها.

( طالع البيان التوضيحي لقرار الانسحاب من حركة 20 فبراير في هذا الرابط:

https://www.aljamaa.net/…/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8…/)

ـ رحيل الإمام رحمه الله:

بعد عمر ناهز 84 سنة، قضاه الإمام ياسين، في التربية، والدلالة على الله، والدعوة إليه، والتأليف، والبناء، ومواجهة السلطان الجائر، رحمه الله وأجزل له الثواب، استجاب لنداء ربه صبيحة يوم الخميس 28 محرم 1434 هـ الموافق 13 دجنبر 2012، وشيع في جنازة ضخمة مهيبة، قدر البعض أنها أكبر جنازة في التاريخ الحديث للمغرب.

(أنظر تغطيتها في اليوتوب، مثل https://www.youtube.com/watch?v=AXXhGB3V7XY)، وفي حفل تأبينه بالمغرب وخارج المغرب، حصل حوله إجماع كبير من قبل كثير من الشخصيات الوطنية والدولية (أنظر نماذج من ذلك في موقع الإمام https://www.yassine.net/ar/category/شهادات-ومرثيات/).

طالع أيضا  "المرأة وتحديات التغيير والبناء" موضوع المنتدى الثاني لنساء العدل والإحسان

ـ تأسيس مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات، والانفتاح على الفعاليات الأكاديمية للتعريف بالمشروع المنهاجي:

انطلق هذا المشروع في مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر) 2012 قبيل رحيل الإمام ياسين رحمه الله، بتنظيم أول مؤتمر دولي حول المشروع المنهاجي بإسطنبول بشراكة بين المركز الدولي للأبحاث والدراسات التربوية والعلمية (باريز) والمعهد الأوربي للعلوم الإسلامية (بروكسيل) ومركز وقف دراسات العلوم الإسلامية (استانبول) في موضوع “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين”

(يمكن الاطلاع على تفاصيل المؤتمر في رابط (https://yassineconferences.net/quran…/ar/index/index.shtml) كما يمكن الاطلاع على طبيعة المؤسسة وبرامجها في هذا الفيديو https://www.youtube.com/watch?v=92pjnWSXYpQ وروبورتاج عن المؤتمر https://www.youtube.com/watch?v=qXX8swhF0rI)

وفي هذا المؤتمر “اكتشف” المشاركون المشروع وصاحبه، الذي وصف فيه بالإمام المجدد، ودعوا في توصياته لتأسيس إطار أكاديمي عالمي يعنى ببسط هذا المشروع ومدارسته. وهذا ما تم بعد سنة، حيث تأسست مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات بإسطنبول وفق القوانين التركية، واتخذت لها مقرا في حي الفاتح ذي الخلفية الإسلامية، وشرعت في ممارسة أنشطتها التواصلية والبحثية. وفي مستهل سنة 2016 نظمت مؤتمرا دوليا ثانيا حول المشروع المنهاجي بشراكة مع جامعة صباح الدين زعيم، وبالتعاون مع مؤسسة وقف دراسات العلوم الإسلامية بإسطنبول، ومؤسسة وقف الحضارة بنفس المدينة، في موضوع: “التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين: مفهومه وإشكالاته وقضاياه”. وقد شارك فيه هو الآخر أزيد من 300 باحث ومهتم من عدة أقطار. لكن الأمن التركي تدخل لتوقيف فعاليات المؤتمر، مباشرة بعد الجلسة الافتتاحية، بدون تقديم أي مبرر قانوني، رغم اتخاذ المنظمين لكل الإجراءات القانونية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تم توقيف المؤسسة نهائيا في نهاية 2016. ومنع عدد من قياديي الجماعة وأعضائها من الدخول لتركيا.

وتبين بعد الاتصال بالدوائر الرسمية التركية أن المؤسسة رغم طابعها الأكاديمي كانت ضحية صفقة غريبة وغير مستساغة بين الدوائر الأمنية التركية والمغربية.

واستمرت المؤسسة بالمغرب (بشكل نضالي، ريثما تجد فرصة للترسيم) في نشاطها المتعلق بالتعريف بالمشروع المنهاجي، والتواصل بشأنه مع الدوائر الأكاديمية والعلمية.

(يمكن الاطلاع على أنشطتها في موقعها https://yassine.org/)

وبذلك، أسهمت هذه المؤسسة إلى جانب بقية المعنيين بهذا المجال، في التعريف بالمشروع المنهاجي، وبسطه للباحثين والمهتمين وترجمة بعض كتب الإمام لعدة لغات، تركية وأوردية ومالاوية وروسية وأوكرانية، بالإضافة إلى جهود سابقة ولاحقة في الترجمة إلى الأنجليزية والإسبانية والفرنسية وغيرها من اللغات العالمية.

المرحلة السادسة: ما بعد رحيل الإمام (2012م إلى الآن)

ـ الوصية:

حرص الإمام على ترك وصيته مكتوبة بخط يده ومسجلة بلسانه، وأودع فيها رحمه الله خلاصة مشروعه، وألح فيها على جوهر هذا المشروع وهو تماسك الصحبة والجماعة، ومما جاء فيها: “أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربِّنا وفي اسم جماعتنا، فلا يُلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لِبلوغ مراتب الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراهُ، ولا مدخل لك في هذا يا أخي، ولا مدخل لكِ يا أختي في هذا المضمار إلا بصحبة تفتح أمامك وأمامكِ المغالق وتحدو بركبك إلى عالم النور والرقائق. لذا أوصي بالصحبة والجماعة، بالصحبة في الجماعة. أوصي بالصحبة والجماعة، بالصحبة في الجماعة. أوصي بالصحبة والجماعة، بالصحبة في الجماعة. كان من قبلنَا رحمهم الله، ورفع درجاتهم يتفرد منهم الطالب الراغب السائر تأخذ بيده يدُ فرد نوَّر الله قلبه من العارفين بالله مشايخ التربية. ولمستقبل دعوتنا نرجو من الله نور السماوات والأرض سبحانه أن ُيفيض رحمته على أفراد أوليائه وأن يلهمهم التعاون على البر والتقوى، برِّ هداية الخلق بصحبة تُؤلف القلوب، لا يضيرها أن كان حُبُّ زيد لعمرو أرجحَ من حبه لخالد.

طالع أيضا  "أنّة صائمة.." قصة قصيرة

الرجاء من الملك الوهاب أن تكون الصحبة والجماعة متلازمين تلازم العدل والإحسان، نرجو من الله عز وجل الملك الوهاب أن تكون الصحبة والجماعة متلازمين في جماعة العدل والإحسان تلازم العدل والإحسان في كتاب الله عز وجل وفي شعارنا، لا تطغ جذبة سابح في الأنوار على شريعة قول الله عز وجل: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾.أوصي أن يدعوَ أحبابي إخواني ربّنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا. (وصيتي ص18 ـ 19)”.

ـ الانتقال السلس:

كان العديد من المناوئين لدعوة العدل والإحسان والمنافسين لها، يعتبرونها “طريقة صوفية” مرتبطة كليا بحياة مرشدها، وأنها سرعان ما ستفكك ويذهب ريحها بعد وفاته. ولم يعلم هؤلاء وغيرهم أن الإمام المرشد رحمه الله ربى أجيالا حاملة للواء هذه الدعوة ورسخ ركائزها ووضع لها مؤسسات تسهر على ضمان استمرارها وتطورها، بحول الله تعالى وقوته. فبعيد رحيل الإمام رحمه الله، التأم مجلس الشورى لاختيار من يخلفه، فشاء الله أن يقع الاختيارعلى انـتـخاب بعد استشارات واستخارات، على الأستاذ محمد عبادي، الذي يعد من الرعيل الأول في الجماعة، ومن الذين صحبوا الإمام عن قرب منذ انطلاق دعوته، ومن العلماء المغاربة الصادعين بالحق. كما قرر مجلس الشورى في دورته الاستثنائية هاته، الاحتفاظ بلقب المرشد العام للإمام ياسين رحمه الله، وفاء له وتأكيدا على صحبته، واختيار لقب “الأمين العام لجماعة العدل والإحسان” لفضيلة الأستاذ عبادي حفظه الله. وتم كذلك انتخاب الأستاذ فتح الله أرسلان نائبا للأمين العام.

بذلك، تم انتقال الجماعة بسلاسة إلى ما بعد الإمام رحمه الله، في جو أخوي إيماني شوري حيث نظمت في ربوع البلاد رباطات تربوية بموازاة مجلس الشورى للتوجه لله تعالى أن يسدد الاختيار، لتواصل الجماعة مشروعها التربوي الدعوي التغييري، بثوابته المؤصلة في المنهاج النبوي، وبما تقتضيه المستجدات من تجديد وتطوير.

ـ الحراك المغربي وتداعيات الربيع العربي:

كما سلف، كانت للجماعة مشاركة فعالة في “الحراك المغربي” الذي رافق الربيع العربي، في اشتراك ميداني مع التنظيمات الأخرى، وخاصة اليسارية، رغم اختلاف المرجعيات. وقدم شباب الجماعة مع شركائهم نموذجا في العمل المشترك الجاد المترفع عن الحساسيات التنظيمية. وبعد توقف حركة 20 فبراير، واصلت الجماعة حضورها القوي والمؤثر في كل الاحتجاجات القطاعية والجهوية، وفق استراتيجيتها التي تغلب العمل المشترك، وعدم الانفراد بالقيادة.

طالع أيضا  يوم المؤمن وليلته: الغاية والمقصد

في نفس الإطار، كان للجماعة في هذه الفترة وعلى امتداد مسيرتها حضور وازن وقوي في نصرة قضايا الأمة، وخاصة القضية الفلسطينية، من خلال أنشطة الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة التي أسستها لهذا الغرض(راجع نماذج من أنشطة الهيئة في صفحتها على فيسبوك https://www.facebook.com/nosra.org/)، انطلاقا من إيمانها بمركزية القضية الفلسطينية في مشروعها التغييري. وقادت الجماعة مع غيرها من المكونات الوطنية المسيرات المليونية المشهودة، كما كان لها، ولا يزال، حضور قوي في المؤتمرات والمنتديات الدولية والإقليمية الداعمة لفلسطين والقدس الشريف، مثل الائتلاف العالمي لنصرة فلسطين والقدس، ومؤسسة القدس الدولية، والمؤتمر القومي الإسلامي….

وبعد اختيار النظام المغربي وحكومته مؤخرا لمسار التطبيع المخزي مع الكيان الصهيوني، ازدادت مسؤولية الجماعة مع القوى الوطنية الرافضة لهذا المسار، ومعها غالبية الشعب المغربي الذي سيظل وفيا للقضية الفلسطينية ومركزيتها في وجدانه ونضاله. فمباشرة بعد الإعلان عن التطبيع، أصدرت الجماعة بيانا قويا وجريئا يندد به،

(انظر نص البيان في موقع الجماعة https://www.aljamaa.net/…/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8…/) وقادت وشاركت في فعاليات مناهضة التطبيع.

وتواصل الجماعة سعيها الحثيث بشراكة مع قوى وطنية أخرى لتحصين المجتمع المغربي ضد أخطار التطبيع، وفضح كل الخطوات التطبيعية وتعبئة الشعب المغربي ضدها، من ذلك اشتراكها في تأسيس الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، التي تأسست في 28 شباط (فبراير) 2021 بمشاركة 15 هيأة سياسية ونقابية وحقوقية وتشبيكية.

ولم تخل هذه الفترة بدورها من المضايقات المخزنية للجماعة، التي اتخذت أشكالا جديدة، ومن أغربها استهداف مجالس القرآن ومجالس النصيحة، إذ تم تشميع أربعة عشر بيتا كانت تحتضنها، ومن بينها بيت الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي الذي مر على تشميعه أكثر من 10 سنوات، بدعوى أنها مساجد سرية. وطرد عدد من خطبائها ووعاظها وأئمتها من وظائفهم، وتم إعفاء تعسفي لقرابة 200 من أطرها المشهود لهم بالكفاءة والعطاء في مختلف المجالات وخاصة رجال ونساء التعليم والمهندسين، دون أي مبرر أو سند قانوني،

(يمكن الاطلاع على تفاصيل هذه القضية في رابط https://www.aljamaa.net/…/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9…/

إلى جانب ترسيب عشرات الشباب والشابات ممن اجتازوا بامتياز مباريات الولوج إلى بعض الوظائف خاصة في قطاع التعليم، وطرد بعض الطلبة من الكليات على خلفية انتمائهم للجماعة…