“مَّــوالِــينْ الـميت صبْـرُو، والعَـزّايَــة كَــفْـرُو”، مثل شعبي مغربي بامتياز، حاز بلاغة التركيب والإيجاز والدقة فـي إصابة الـمعنى؛ خصائص أسهمت فـي انتشار هذا الـمثل واتساع تداوله، ومعناه: إن أهل الـميت صبروا لفقد قريبهم، لكن الـمُعزين لم يتمالكوا أنفسهم، وتجاوزوا ضوابط الحزن والتأثر. مثل تُغني بلاغته ودقة تصويره عن بذل الجهد بحثا عن قصته للاستعانة بها فـي فك ألغازه وشفرته.

وإذا كان الـمثل يواجَه به من يُقحم نفسه فـي قضايا وهموم غيره، وهو ما يفيده الـمثل الشعبي القائل: “آش حْرقْ شطيطتك”، شأن الـمُعزين الذين يجتهدون فـي إظهار الحزن علـى الـميت أكثر من ذويه، فيبدو الأهل وكأنهم مقصرون فـي حق قريبهم، وهو ما لا يستقيم لا سيما فـي حالات الوفاة، حيث يتناسى الأقارب اختلافاتهم ويُظهرون تضامنا وتلاحما تفرضه هيبة الـموت وحساسية الـموقف، حتى قيل: “الـمصائبُ توحّد”.

وإذا كان سلوك أمثال هؤلاء الـمعزين يُحرج أقارب وأهل الـميت، من جهة، فإنه يجعلهم محل السخرية، من جهة ثانية، خاصة إذا كان الـمتوفـى من ذوي الحظوة والـمكانة الاجتماعية، فتنفضح النوايا، ويُصنفون أشباه “مرتزقة” يستثمرون فـي مآسي الناس وأحزانهم؛ فإن ذات السلوك يُتبنى ممن يُنصّب نفسه منافحا عن مواقف الحكام واختياراتهم فـي تدبير شأن العباد والبلاد، وربما بحماس وجرأة لا يمتلكها أصحاب القرار، فيسوقون من مسوغات الـمواقف والقرارات ما لم يخطر على بال الحكام أنفسهم، ويبررون ما لا يبرر، ويقارنون ما لا يقارن فـي سعي حثيث لشرعنة مواقف النظام؛ سلوك تختزله عبارة “ملكيّون أكثـر من الـملك”، التي تعود بدايات استعمالها إلـى عهد الثورة علـى الـملكية فـي فرنسا. فأضحت مثلاً يواجَهُ به من يدافع عن موقف أو قرار أو اختيار أكثر من دفاع صاحب الـموقف أو القرار أو الاختيار.

طالع أيضا  مهرجان الذكرى العاشرة لاغتيال الشهيد كمال عماري (فيديو)

“مَّــوالِــينْ الـميت صبْـرُو، والعَـزّايَــة كَــفْـرُو” أو “ملكيّون أكثـر من الـملك” تجاوزت مستوى العفوية والبساطة لتتمأسس وتتـهَيْكَل فـي مؤسسات ولوبيات للضغط وصناعة رأي عام مساند لنظام معين؛ لوبيات توضع رهن إشاراتها الأموال ومختلف الإمكانيات لتنسج علاقات مع صناع القرار أو مع دوائر صُناعه يضج بمداخلاتهم باسم الـمتخصصين والخبراء الفضاء السمعي البصري تثمينا لـمواقف من دفع أكثر، وشرعنة لنظام مهما بلغ بطشه وسار باستبداده الركبان، ونيلا -دون ذرة حياء- ممن خالف أو عارض ذوي نعمتهم مهما قويت حجته وظهر صواب موقفه، فـي قلب سافر مفضوح للحقائق، فيصبح التنكيل والاستهداف وأدا للفتن والقلاقل، وإجهاضا لـمؤامرات أجنبية، وسعيا لاستتباب الأمن والاستقرار، وحفاظا علـى “نعمة” الإجماع الوطني والسلم والتماسك الاجتماعـيين.  

لقد استحال “العزاية” فـي الأنظمة السياسية عموما، والاستبدادية تحديدا أقلاما مأجورة وقنوات فضائية ومحطات إذاعية وجرائد رصيف تملأ الدنيا وتشغل الناس، تًسوّق أوهام التنمية والعدالة، وتُشرعن التسلط عوض أن تنبري لصناعة الوعـي الصحيح بواقع الناس وهمومهم، وتسهم فـي التعبئة الـمجتمعية لـمناهضة الحكامة غير الرشيدة والاستعمال غير السليم للسلطة.

“العزاية” أفرادا ومؤسساتٍ يتنافسون فـي إظهار الولاء غير الـمشروط للنظام طمعا فـي ريعه تعيينا فـي مناصب سامية، أو ترقيات استثنائية، أو حظوة معنوية تعبد الطريق لامتيازات تحصينا من الـمحاسبة يؤشر لاختلال فـي منظومة القيم، مثلما يبرهن علـى “نجاح” النظام فـي شراء الذمم تجديدا لجحافل “العزاية”، وعيا منه أن لكل مرحلة “عزايوها”، وبالتعبير الشعبي “عَيّاشُوها”، ليس من الفئات الشعبية الـمجهلة فقط، بل ومن ذوي الشهادات الأكاديمية وفي مختلف الـمجالات والتخصصات. تعدّد “العزاية” والـمأثم واحد: استباحة شعب فـي كرامته وحريته وحقه فـي العدالة.

وإذا كان “مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْـمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ”، كما فـي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فإن من مقتضيات الـمروءة الترافع عن الحق ومساندة أهله، فإنما يحفظ التاريخ مواقف الرجولة والثبات علـى الحق، ولا مكان فـي صفحاته خلودا فـي ذاكرة الـمجتمع وقدوةً للأجيال لـمن انحازوا للطغاة وتنكروا لـمعاناة الشعب ومآسيه. “واللهُ غالبٌ علـى أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. صدق الله العظيم.

طالع أيضا  في ذكرى محاكمة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله سنة 1984.. أحداث بنت جماعة وصنعت رجالا (1)

والحمد لله رب العالـمين.