حضرت خطبة أول جمعة بعد رمضان لهذه السنة (1442هـ) لعلها تعوض ما ضاع منا من جراء حجب خطبة العيد عنا بغير موجب شرعي، كما منعت صلاة العشاء والصبح -ولا تزال إلى الآن-والتراويح في رمضان بغير مسوغات مقنعة.
تحدث الخطيب جزاه الله خيرا عن رمضان وما كان فيه من روحانية وفضل، ورغَّب الناسَ في صيام ستٍّ من شوال، ذكّر بالتقرب إلى المولى عز وجل بالفرض والنفل، وانتظرتُ حديثه عن أم قضايا المسلمين: قضيةِ القدس واقتحامِ المسجد الأقصى من قِبَلِ المعتدين الصها، ينة، وإخراجِهم للفلسطينيين من ديارهم وأموالهم بغير حق في حي الشيخ جراح، وما نجم عن ذلك من تدمير للأبنية الآمنة وتقتيل للأطفال والنساء وغيرهم بقطاع غزة. ما ذَكَرَ ذلك لا تصريحا ولا تلميحا، لا في الخطبة ولا في الدعاء.
أليس مِنَ الدِّينِ الحديثُ عن الأقصى مَسْرَى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وما يعرفه من استباحة من قبل المعتدين الآثمين؟
أليس الكلام عما يحدث في فلسطين المحتلة الآن هو من باب الاهتمام بأمر المسلمين؟
أليس التنديدُ بما يقترفه الصها، ينة من تهجير وتقتيل وإفساد في الأرض هو من لب الدين؟
أليس من واجب العَالِم أن ينصحَ مَنْ طَبَّع مع هؤلاء أن يَرْعَوُوا ويرجعوا إلى الجادة؟
ألهذا الحد وصل الصمت بخطبائنا وعلمائنا؟ يسكتون عن الحق الأبلج!
لعل عذرهم خشيةُ الإنذار أو الفصل أو البطش بهم إن هم بَيّنوا وأفصحوا أو على الأقل كنوا ولَمَّحُوا.
إن هذا العلم الشرعي الذي طلبه علماؤنا سنوات ذوات العدد، وسلكوا سبيله، وحصلوا به على العَالِمية وشهادات عليا أصبحوا بها أساتذة للشرعيات بالجامعات ومعاهد التعليم العتيق ومؤطرين ووعاظا وخطباءَ…متى ستنتفع به الأمة إن لم يجهروا به لنصرة القدس والأقصى؟ ثم الدفاع عن بيوت الله التي أُوصد أغلبُها، والذود عن أركان الدين التي بدأت تُمَسُّ بذرائع غير مقبولة وبعلل أوهى من بيت العنكبوت، واستدلالا بقواعد شرعية هي حَقٌّ في ذاتها واستُشهِد بها في غير ما وضعت له.
أيرضى العَالِم عن نفسه أن يكون موظفا يتحدث فقط في حدود ما يسمح له به أصحاب القرار؟ وقد أمعنت الدولة ووزارتها الوصية على الشأن الديني في تغييب العلماء عن شؤون الأمة وجعلتهم وراءَ وراءَ.
أيَسُوغ لِملحِ البلدِ أن يَرَوْا أمرا لله عليهم فيه مَقَالٌ ثم يصمتون خشية الناس؟ وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: “يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى” سنن ابن ماجه (4008).
من سكت من ساداتنا العلماء والخطباء وقَلْبُه مع الأقصى والقدس ودعا لهم بظهر الغيب فأجره على الله، لكن لا يستوي هو ومن جهر ونَدَّد ولم يخش إلا الله.
لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  ذ. فتحي ينتقد استغلال الوباء للتضييق على الشعائر التعبدية للمسلمين