في الحلقة الختامية لسلسة في ظلال العشر قال الأستاذ محمد عبادي إنه قد “جاءنا ضيفٌ عزيزٌ محبوب كريمٌ مصحوبا بعطايا وبهدايا ثمينة لا تقدر بثمن، هل نتمنى مغادرته لنا؟ أم أننا نحرص على أن يبقى معنا؟“، وأضاف أن الجواب على هذا السؤال فيما يتعلق بالضيف الكريم، شهر رمضان، يكون “عملياً في يوم العيد وما بعد يوم العيد، فإن حرصنا على المواظبة على الطاعات التي كنا نقوم بها في رمضان فهذا دليل على أن هذا الضيف استطعنا أن نستفيد منه، وأن ننتفع بنفحاته ورحماته وبركاته. أما إن انقطعنا عن العبادات وعن الطاعات، ورجعنا إلى غفلاتنا وشهواتنا، فيكون مثلنا والعياذ بالله تعالى مثل الشياطين التي صفدت في هذا الشهر ثم أطلق سراحها يوم العيد لتعيث في الأرض فساداً، نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء“. 

فضيلة الأمين العام لجماعة العدل والإحسان أضاف بالقول إن علينا أن “نطبّع مع رمضان“، بمعنى ما كنا نمارس فيه من أعمال صالحة يجب أن تبقى جبلية فينا، أي عادة مستمرة لا ننقطع عنها، ونحن نعيش زمان التطبيع مع أراذل القوم مع بني إسرائيل، فالمؤمن يطبع مع العادات الصالحة، يطبع مع العبادات، بمعنى يحولها إلى طبع وسجية وكأنه ولد معها، وبهذه الطريقة نحول شهورنا كلها إلى رمضان، وليالينا كلها إلى ليلة القدر، وأيامنا كلها إلى أيام العيد. وهذا هو المطلوب: أن نعيش بالله ولله ومع الله ومع طاعة الله سبحانه وتعالى دائماً وأبداً، لأننا إذا طبعنا مع عبادة الله سبحانه وتعالى وعرفناها وذقنا حلاوتها يصعب علينا أن نتخلى عنها.

وتساءل عن كيفية توديع رمضان، وكيف نستقبل يوم العيد، مضيفاً أن العبرة بالخواتم، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة حسنة، نقرأ في السيرة النبوية أنه كان في العشر الأواخر أنه أقام ليله وأيقظ أهله وشد مئزره، وجدّ واجتهد، وكان يعطي بلا حساب. ينفق نفقة من لا يخشى الفقر، كان يجود كما تجود الريح المرسلة المحملة بالأمطار، إذاً فما بقي من الساعات هو أن نُقبل على الله سبحانه وتعالى إقبالاً كلياً، سيدنا عمر بن العزيز رضي الله تعالى. كان يوصي بأن نختم رمضان بالاستغفار، وهذا من فقهه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لأن أعمالنا مهما حاولنا الإخلاص فيها وإتقانها تبقى مدخولة مغشوشة، لا تسلم من الرياء ومن الغفلة، إذاً فكل عملٍ صالح نقوم به ينبغي أن يعقبه الاستغفار.

وعن كيفية استقبال العيد، قال أن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ختم آيات الصيام وقال سبحانه وتعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يعني وكأنها نتيجة حتمية لصيام رمضان، يأتي هذا التكبير علة، ورمضان سبب وعلةً للمعلول، وهو ذكر الله تعالى بالتكبير. فيشرع التكبير جهاراً وعلانيةً جماعةً وأفراداً، بعد غروب شمس آخر يومٍ من رمضان، أو عند الذهاب إلى المصلى في صبيحة يوم العيد.

طالع أيضا  المنع والقمع.. جواب السلطة على وقفات تخليد ذكرى يوم الأرض بعدة مدن مغربية

وعن تكبير الله سبحانه وتعالى عز وجل، أوضح المتحدث أن الحديث ليس عن صيغ التكبير فهي معروفة على كل حال، الله أكبر ثلاث مرات، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد، ولكن المقصود هو روح التكبير، أي استحضار عظمة الله، والإحساس بعظمته تعالى، فتخرج كلمة الله أكبر من أعماق أعماق قلوبنا، بحيث يصغر كل شيء في الوجود ويهون. عندما نستحضر عظمة الله تعالى عز وجل في قلوبنا الكون بما فيه يصبح متلاشياً، كأنه لا شيء. إذاً فعلينا أن نحرص على روح التكبير. أما الشكر، مبعثه الفرح، الفرح بنعم الله سبحانه وتعالى عز وجل، هو الذي يدفعنا إلى الشكر لأن النعم تستوجب شكر الله تعالى عز وجل. أما الفرح، يوضح، فهو لذةٌ يشعر بها قلب الإنسان عندما يحقق مبتغاه، عندما ينال مشتهاه، فتحصل في النفس حالة الفرح، ويعقب الفرح حمد الله عز وجل على ما حققه الله سبحانه وتعالى على العبد. ألا تلاحظون مثلاً عندما يشرب الإنسان الماء البارد العذب، كيف تخرج من أعماقه الحمد لله، يحمد الله سبحانه وتعالى بكل جوارحه، وعندما يطعم بعد جوعٍ شديد كذلك، وعندما ينقذه الله سبحانه وتعالى عز وجل من مأزقٍ محقق، فيقول الحمد لله، وتخرج من أعماق أعماق قلبه.

والعيد هو يوم الفرح والسرور والغبطة والبهجة، يواصل الأمين العام، يغدق الله سبحانه وتعالى عز وجل علينا من نعمه، ففي الحديث النبوي الشريف، وهو في الصحيحين يقول فيه صلى الله عليه وسلم: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. نبدأ بالفرحة عند لقاء ربه، الفرحة العظمى التي لا فرحة بعدها ولا مثيل لها، غداً يوم القيامة عندما نلتقي الله سبحانه وتعالى ويمكّن الله من النظر إلى وجهه الكريم، أعظم فرحة وأعظم نعمة على الإطلاق بعد نعمة الرضا غداً يوم القيامة. ولكن لقاء الله سبحانه وتعالى عز وجل بالنسبة للمؤمن، هو يحققه في الدنيا على المستوى الروحي والقلبي، قبل أن يفارق هذه الحياة، عندما ندخل في الصلاة نحن في لقاء الله، وعندما نذكر الله سبحانه، وعندما ندعوه سبحانه. إذاً الله تعالى يسّر لنا اللقاء معه على المستوى القلبي في هذه الدنيا قبل أن نلتقيه بكليتنا غداً يوم القيامة. إذاً هذه العبادات التي نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها ونلقى الله سبحانه وتعالى عز وجل فيها كيف ينبغي أن نؤديها؟ هل نؤديها بشعور أرحنا بها، أم أننا نؤديها بشعور أرحنا منها؟ الشعور بأرحنا بها معناه نقبل على العبادة بنهمٍ وشغفٍ وشوقٍ وحبٍ وانكسارٍ وتذللٍ وخشية بين يدي الله سبحانه وتعالى عز وجل، أما إذا أديناها بشعور أرحنا منها معناه كأن هذه العبادة حمل ثقيل، نريد أن نتخلص منه، أرهق كواهلنا، فنريد أن نتخلص من هذا الثقل بسرعة.

طالع أيضا  الفقه الجامع

وعاد الأستاذ محمد عبادي إلى المقطع الأول من الحديث للصائم فرحتان “فرحةٌ عند فطره”، الفطر المقصود به الفطر الذي يكون بعد صلاة المغرب، ونتناوله من الفطور. والفطر يكون في يوم العيد. ولهذا نسب العيد إلى الفترة، فنقول عيد الفطر. لكن بماذا نفرح؟ فرحة عند فطره أن نفرح بما يوضع فوق المائدة من المأكولات المشروبات والملذات؟ وفي يوم العيد يكون فرحنا بماذا؟ بما نلبسه من جديد وبما نتناوله من الطيبات ونبيحه لأنفسنا فيه من المسرات؟ بماذا نفرح؟ وأجاب المتحدث بقول الحق سبحانه وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. فالأصل في الاحتفالات هو التعبير عن شكر الله تعالى عز وجل عن النعم، الاحتفال الذي يقيمه العروسان هو احتفالٌ بنعمة الزواج التي هي نصف الدين، والاحتفال في العقيقة كذلك، والاحتفال بالمولود احتفال بنعمة الله سبحانه وتعالى التي تتجلى في هذا المولود، إذاً احتفالات يوم العيد يجب أن تكون شكراً لله سبحانه وتعالى عز وجل. فالسرور يوم العيد من العبادة، والصيام محرمٌ فيه، والتوسع في  الطيبات مطلوبٌ في حدود عدم الإسراف. ويوم الفطر كذلك فعندما نلبس الجديد بأي نية؟ وعندما نتناول مشتهيات النفس بأي نية؟ إذا كان الإنسان يلبس الثياب الجديد ليباهي الناس بها ويفتخر بها ويتعجرف ويتكبر فهو في معصية الله سبحانه وتعالى عز وجل، أما إذا كان يتمتع بالملذات طاعةً لله، وتحدثاً بنعمة الله، وأما بنعمة ربك فحدث. وانتصاراً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يرى آثار نعمته عليك، فذاك.

وعن سبب الفرح قال إن الإنسان يعيش بفضل الله سبحانه وتعالى عز وجل، إذا فضله هو عطاؤه وكرمه ونعمته وإحسانه وخيره، نعيش بهذا من فضل الله سبحانه وتعالى عز وجل. فلا نفرح بعبادتنا، فقد تكون العبادة حجابٌ لنا بيننا وبين الله سبحانه، فكم من عابدٍ محجوبٌ على الله تعالى عن عبادته بعبادته، وكم من عالمٍ محجوبٍ على الله تعالى بعلمه، فلا نغتر بعبادتنا. لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا حتى أنت يا رسول الله، قال حتى أنا إلا أن يتغمدني الله سبحانه وتعالى عز وجل برحمته.

ونفرح برحمة الله بالقرآن وبمحبته والعمل به، ونفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم بمحبته ومتابعته، ونشكر الله سبحانه وتعالى عز وجل عليها، شكراً نابعاً من قلوبنا على ألسنتنا، والشكر العملي التطبيقي، وينبغي أن نشرك معنا في الفرحة، فلا ينبغي في يوم العيد أن يبقى هناك فقير في ديار المسلمين. وأن يكون هناك فقيرٌ ومحتاجٌ يوم العيد، فالجميع يصبح مستغنياً، ولهذا شرع الله سبحانه وتعالى زكاة الفطر، طعمةٌ للمسكين، أغنوهم عن الطواف في ذلك اليوم، يعني لا تتركوهم يطرقون أبواب الناس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند إعطائنا للمساكين والفقراء لا نتصدق بدرهم ودرهمين، “أغنوهم” الإغناء ما يسد رمقه في الشهر أو في الأسبوع أو في العام كلٌ حسب طاقته.

طالع أيضا  عشرة أسباب من لدن التوّاب

وحذر من أن يحضر تجمعاتنا ومجالسنا ذوي الأحقاد لأنهم يكونون سبباً في رفع هذه النعم ورفع الرحمات، ولذا ينبغي أن تكون هناك حملة قبل العيد وأثناء العيد لإصلاح ذات البين. ويوم العيد يوم التزاور والتراحم.

وعن التناقض الذي يمكن أن يحصل بفرح العيد والأمة تعاني، قال فضيلة الأمين العام إن الفرح بنعم الله سبحانه وتعالى عز وجل يوم العيد أمرٌ مطلوب شرعاً، لكن ألا تتعارض هذه الفرحة مع ما ينبغي لنا أن نشعره تجاه إخواننا المعذبين، مجتمعنا مجتمع المآسي والويلات والظلم والفقر فهل نشارك أهل الأحزان أم نغلب الفرح؟ المطلوب هو الجمع بين هذين الشعورين المتناقضين، اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله، حيث نقرأ في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان وكان دائم البشر. دائما البشر فرحاً بالله وبنعمه، وأداء لحقوق عباد الله أن تلقى أخاك بوجه طلق، مع شعور بالتقصير في حق الله سبحانه وتعالى عز وجل، فهناك الحزن النفيس الذي ينبغي أن نحرص عليه، أن نحزن على ما فرطنا في جنب الله سبحانه وتعالى. الفرح بالله يجب أن يطغى على كل شيء، أن يطغى على جميع المشاعر.

وفي ختام كلمته توجه إلى الله سبحانه وتعالى عز وجل أن يختم علينا هذا الشهر بالمغفرة والرحمة، وأن يدخل علينا هذا العيد بالتوبة والفتح والنصر والتمكين لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. تقبل الله منا ومنكم وجعلنا وإياكم من عباده الصالحين المصلحين.