محطات كبرى في مسيرة “العدل والإحسان” المغربية (2 من 3)

المرحلة الرابعة: تأسيس الدائرة السياسية وترسيخ التوازن والانفتاح على المكونات المجتمعية (1998م إلى 2007)

1 ـ تأسيس الدائرة السياسية للتصدي للواجهة السياسية، وتدبير العلاقة بين الدعوي والسياسي

تم تأسيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في صيف 1998م، باعتبارها جهازا وظيفيا يتصدى للشأن العام، لذلك تم إلحاق كل مؤسسات الجماعة المهتمة بهذا المجال بهذا الجهاز. وتضم الدائرة السياسية أجهزة متنوعة، منها:

أ ـ أجهزة قطاعية وهي:
 
ـ قطاع الشباب: الذي يعنى بالتأطير والتوجيه الدراسي لكل الفئات الشبابية من تلاميذ وطلبة وغيرهم؛

ـ القطاع النسائي: يهتم بتأطير العمل النسائي في الواجهة السياسية، والانفتاح على العمل النسائي في الأحزاب والجمعيات، والدفاع عن القضايا النسائية عموما وقضايا المرأة المغربية على وجه الخصوص؛

ـ القطاع النقابي: يهتم بالتأطير النقابي والوظيفي للقطاعات المهنية والعمالية والدفاع عن حقوقها ومطالبها…؛

ب ـ مكاتب الدراسات:

هي مكاتب خبرة واستشارة تضم خبراء ومهتمين بقضايا التعليم والصحة والفلاحة والصناعة والدراسات السياسية والقانونية والشؤون الاجتماعية…، وتعنى أساسا بإعداد تصورات الجماعة وبرامجها لهذه المجالات، ومتابعة سياسات الدولة فيها…؛

ت ـ الكتابات الإقليمية والفروع:

عبارة عن أجهزة تشرف على واجهة العمل السياسي والشأن العام على المستوى الوطني جهويا ومحليا؛

ج ـ أجهزة وظيفية: وهي:

ـ مكتب الإعلام: يشرف على تنزيل السياسة الإعلامية للجماعة، والإشراف على منابرها الإعلامية وعلى التواصل مع المؤسسات الإعلامية.
 
ـ الهيئة الحقوقية: تعنى بالملف الحقوقي للجماعة (الذي يعد من بين أثقل الملفات الحقوقية في المغرب)، وتتابع الشأن الحقوقي في المغرب وخارجه.

ـ الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة: تشرف على مختلف أشكال نصرة قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ومن خلال هذه المؤسسة، تحاول جماعة والإحسان معالجة إشكال العلاقة بين الدعوي والسياسي، الذي أضحى من الإشكالات الكبرى التي تواجه فصائل الحركة الإسلامية، وسيتضح ذلك أكثر فيما بعد في خضم الربيع العربي. وتنطلق هذه المعالجة من التمييز الوظيفي بين الشأنين التربوي الدعوي والسياسي، باعتبارهما يشكلان معا واجهتين متكاملتين للمشروع الإسلامي، ولا مجال في هذه الرؤية لما يدعو إليه بعض الإسلاميين من القطيعة الكاملة بين الشأنين، تحت ضغط المستجدات وما تطرحه من تحديات. في نفس السياق، تعطي الجماعة الريادة للتربية والدعوة، باعتبارهما الموجه للعزائم والإرادات، وتحذر من انجرار العمل الإسلامي كليا في المعترك السياسي الحزبي الذي يهدد باستنفاد رصيدها الأخلاقي ومصداقيتها الشعبية…

(لمن أراد التوسع في هذه الرؤية، يمكنه العودة لكتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” في موسوعة سراج)
 
ويرى بعض المتابعين لشأن الجماعة في مؤسسة الدائرة السياسية للجماعة بالنظر لوظيفتها ومكوناتها مشروع “حزب سياسي” للجماعة، لم تحن بعد ظروف إعلانه.

كما تجدر الإشارة إلى أن تأسيس الدائرة السياسية جاء في سياق ما أشرنا إليه سالفا من حرص الجماعة على التركيز على هويتها الإحسانية، وعلى التوازن بين الهدف العدلي والغاية الإحسانية، وبين تحديات الساحة والتطلع للآخرة، مما استوجب إحداث هذه المؤسسة للاهتمام بالشأن العام، والاعتناء بمجالس النصيحة للتطلع للغاية الإحسانية. 

وعليه، فقد تأسست مجالس النصيحة في مختلف مناطق المغرب، وهي مجالس إيمانية لمدارسة كتاب الله تعالى وسير الرجال، والتفقه في دين الله، وفيها يتعلم الإيمان والإحسان وتتغذى فيها القلوب والأرواح عبر سائر شعب الإيمان والإحسان والرقائق واللطائف.

طالع أيضا  تحرير القدس مدخل لتحرير الأمة

كما انطلقت في صيف 1999 الرباطات الأربعينية التي عرفت إقبالا كبيرا، وسيتضاعف عددها في المواسم المقبلة، (الرباطات الأربعينية تستغرق أربعين يوما، لها طابع تربوي صرف قياما وصياما وذكرا وتحابا في الله وتجالسا فيه سبحانه، وتخصص لحفظ القرآن الكريم أو مدارسة المنهاج النبوي أو غيرهما).

في نفس السياق استحدثت الرباطات العشرية التي يجتمع فيها سنويا الصف الأول من قياديي الجماعة لمدة عشرة أيام في برامج تربوية إيمانية صرفة، إلى جانب برامج تكوينية، فضلا عن حفظ القرآن الكريم ومدارسة علومه، ويلتحق بهم الصف الأول من قيادات الجماعة لمدة ثلاثة أيام. كما تم تعزيز محاضن حفظ القرآن الكريم والاعتناء به وبأهله، وتطوير البرنامج التعليمي للأسر وتأسيس المدارس الشرعية لتخريج العلماء.

وتوجت هذه المرحلة بإصدار “مذكرة إلى من يهمه الأمر” وهي رسالة مفتوحة وجهها الإمام ياسين رحمه الله من إقامته الإجبارية إلى الملك الحالي، بعد توليه الحكم في سنة 2000، وخاطبه فيها بجرأته المعهودة مطالبا إياه برد المظالم التي ارتكبت في عهد والده. وقد حشد المخزن كعادته (مصطلح المخزن يقصد به في المغرب ما يسميه إخواننا المشارقة الدولة العميقة) العديد من علمائه وإعلامييه  وغيرهم للرد على هذه الرسالة، وتسفيه صاحبها. 

(للاطلاع على المذكرة وتحميلها راجع مذكرة إلى من يهمه الأمر)

2 ـ هيكلة وتنظيم العمل النسائي: 

كان للمرأة حضور معتبر في عمل الجماعة منذ انطلاقه، لكنه لم يكن مستقلا بأجهزته وبقياداته بشكل واضح إلا في هذه المرحلة، حيث تم تأسيس عمل نسائي يراعي خصوصيات المرأة، ويتكامل مع باقي واجهات عمل الجماعة في مستهل سنة 2000، وكان صدور كتاب “تنوير المؤمنات” للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في جزءين عاملا موجها لذلك، حيث شكل الإطار النظري لقضية المرأة ومهامها التربوية والتغييرية، وكان للأستاذة نادية ياسين، كريمة الإمام المرشد حفظها الله، التي كانت على رأس مؤسسة الزائرات، (وهي مؤسسة فوض لها مجلس الإرشاد آنذاك الإشراف على عمل الأخوات)، دور متميز في تأسيس هذا العمل ورعايته وتطويره. ومنذئذ عرف العمل النسائي في الجماعة تطورا عدديا ونوعيا مطردا، وتبوأت الأخوات مواقع متقدمة في كل واجهات عمل الجماعة التخصصية والتنفيذية والشورية وغيرها، جنبا لجنب مع إخوانهن.

3 ـ إطلاق مبادرات تواصلية:

أصدرت الجماعة في هذه المرحلة بعض المبادرات التواصلية من أجل مزيد من الانفتاح والتعاون مع باقي المكونات، انطلاقا من رؤيتها التي تلح على التعاون مع الجميع وعدم الاستفراد بمهمة التغيير، وتدعو إلى ميثاق شامل يجمع ويعبئ جهود كل المكونات، فهي تلح أنه لا يمكن لأي قوة مهما كان عددها وعدتها أن تتحمل وحدها مسؤولية التغيير. وواكب ذلك صدور سلسلة من كتب الإمام المرشد ذات الطابع الحواري، مثل “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” و”حوار مع صديق أمازيغي” و”حوار الماضي والمستقبل”. 

ومن أهم هذه المبادرات:

ـ اليوم الوطني للحوار:

في كانون الثاني (يناير) 1998 اعتمدت الجماعة ذكرى حصار مرشدها محطة سنوية للتواصل مع مختلف القوى السياسية والفكرية داخل المجتمع، في شكل ملتقى تحضره هذه القوى، وسيتحول هذا الملتقى بعد رفع الحصار عن الإمام رحمه الله إلى يوم وطني للحوار، وقد نظمت أول مائدة من هذه المبادرة في يناير 2001 تحت عنوان “الحوار بين الضرورة والاختيار”.

طالع أيضا  في "الرقيقة 25".. ذ. القادري يقربنا من صور التعلق بالجناب النبوي

ـ نداء “جميعا من أجل الخلاص”:

أصدره المجلس القطري للدائرة السياسية في دورته الثانية عشرة في ديسمبر 2007 (يشار إليه نحتا بعبارة “مقدس” تيمنا ببيت المقدس الشريف)، وهو مجلس شورى الدائرة السياسية، والنداء موجه “إلى الشعب المغربي المسلم، وإلى مختلف قواه الحية. ترسيخا لمبدأ الجماعة في الصدق والوضوح والصدع بالحق مهما كانت تبعاته… وتحديدا مباشرا للمسؤوليات فيما جرى ويجري، وتسليطا للأضواء على بؤر الانحرافات الكبرى التي تنخر كيان الوطن…” (نقلا من كتيب “جميعا من أجل الخلاص” ص 5 و6). كما أطلق د. عبد الواحد متوكل رئيس الدائرة السياسية في نفس السياق ما أسماه “نداء حلف الإخاء” لتجميع الجهود، ثم جاء نداء “قبل فوات الأوان” لنفس الغرض..
 
ـ تنظيم ندوات لمناقشة بعض كتب الإمام التي صدرت في هذه الفترة، مثل حفل تقديم كتاب ” “Islamiser la modernité الذي يعالج فيه الإمام رحمه الله موضوع العلاقة بين الإسلام والحداثة، وينفتح فيه على الغرب والمتغربين مؤكدا على ضرورة تجاوز النظرة الإقصائية والعدائية، والتأسيس لأفق الاحترام المتبادل والسلام العالمي… من هذه الندوات التواصلية كذلك تنظيم ندوة وطنية حول كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، بمشاركة الأساتذة أحمد الملاخ وأحمد عبادي ومحمد شريف، من المغرب، والشيخ راشد الغنوشي من لندن، بواسطة الهاتف، وحضور فعاليات سياسية وفكرية وإعلامية.
 
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المبادرات التواصلية التي ما فتئت الجماعة تطلقها، لم تلق على الأقل في هذه المرحلة، كامل الاستجابة المأمولة، بسبب حرص النظام المغربي على عرقلة أي تعاون بين الجماعة وغيرها أساسا عملا باستراتيجية “فرق تسد”، وبسبب توجس الآخرين من الجماعة، رغم ما قدمته من تطمينات. وفيما بعد هذه المرحلة، ستعرف علاقة الجماعة بباقي المكونات تحسنا كبيرا، على قاعدة الاشتراك في بعض القضايا الوطنية وفي قضية فلسطين، التي تتمتع بإجماع كل القوى الوطنية في المغرب.

ـ الإعلان عن مؤسسة الناطق الرسمي باسم الجماعة الأستاذ فتح الله أرسلان:

تم ذلك في صيف 2000، ونظمت هذه المؤسسة عدة ندوات صحفية، وقدمت عدة تصريحات وأجرت عدة حوارات لفائدة منابر إعلامية وطنية ودولية.

ـ التواصل الخارجي:

بعد رفع المنع عن جوازات سفر بعض قياداتها، تمكنت الجماعة من المشاركة في تأسيس بعض المؤتمرات والحصول على العضوية في أجهزتها مثل المؤتمر القومي الإسلامي، ومؤتمر مؤسسة القدس الدولية، والمؤتمر العربي العام، مما يسر لها التواصل مع فعاليات إسلامية وقومية وسياسية وفكرية، للتعاون على نصرة قضايا الأمة الكبرى وفي مقدمتها قضية فلسطين، والتعريف بالجماعة وبمشروعها وأهدافها، وتصحيح الصورة التي روجها البعض عنها.

4 ـ إطلاق مبادرات دعوية: 

عرفت هذه المرحلة إطلاق الجماعة لبعض المبادرات الدعوية المتميزة، مما سيجدد مضايقات السلطات لها، من هذه المبادرات:

ـ المخيمات الصيفية: دأب شباب الجماعة على تنظيم مخيمات صيفية بهدف التأطير والترفيه، وتطورت هذه المخيمات ابتداء من صيف 1998 حيث فتحت أمام الأسر والشَعب، وعرفت إقبالا قويا نظرا لحسن تنظيمها ولسيادة جو الحشمة والأمن والوقار فيها، وكذلك لتنوع برامجها وأنشطتها. وأشهرها مخيم سيدي بونعيم نواحي الدار البيضاء الذي وصل عدد المشاركين فيه قبل منعه أربعين ألفا. 

طالع أيضا  من المغرب الأقصى إلى المسجد الأقصى.. نساء ضد التطبيع

(أنظر روبورتاجا حوله في هذا الرابط).

ـ الأبواب المفتوحة: 

نظمت الجماعة في جل المدن أبوابا مفتوحة للتواصل مع الشعب والتعريف بمشروعها، وقد لقيت هذه المبادرة إقبالا كبيرا، وأسهمت في رفع الحصار المضروب على الجماعة. ولعلها السبب المباشر في حملة التضييق على الجماعة في هذه المرحلة. 

(أنظر نماذج من الأبواب المفتوحة)

5 ـ رفع الإقامة الإجبارية عن الإمام المرشد: 

تم ذلك في أيار (مايو) 2000، وسط حضور إعلامي وجماهيري مكثف، بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار المخزني الظالم. وإثر ذلك، عقد الإمام ندوة صحفية بحضور وسائل إعلام وطنية ودولية أكد فيها رحمه الله على مبادئ الجماعة وخاصة التركيز على الأساس التربوي ونبذها للعنف، وانفتاحها على الجميع، ومظلوميتها. بعد ذلك بدأ جولاته الأولى في عدد من المدن، التي صاحبها حصار متنقل يلاحقه أينما حل وارتحل بالليل والنهار. رغم ذلك، كانت هذه الجولات فرصة لتجديد أواصر الصحبة وتعميقها بين الإمام وأعضاء وعضوات الجماعة.

6 ـ الاعتقالات الواسعة و”حدث 2006م”: 

إزاء هذه الحيوية التي عرفتها الجماعة خلال هذه المرحلة وما عززها برفع الحصار عن الإمام المرشد وإطلاق مبادرات تواصلية ودعوية نوعية، أطلقت السلطات حملة اعتقالات جديدة وشاملة ضد الجماعة، ودشنتها بتصريح غريب لوزير الداخلية المغربي السيد شكيب بن موسى التي قال فيها “إن جماعة العدل والإحسان بتكثيفها لأنشطتها، قد وضعت نفسها خارج القانون”. 

وقد استهدفت هذه الاعتقالات مجالس النصيحة على الخصوص، حيث اقتُحِمت العديدُ منها واعتقل المشاركون والمشاركات فيها. ووصل مجموع الذين زج بهم في مخافر الشرطة وسجون البلاد في ظرف خمس سنوات من الحملة إلى 7232 عضوا، من بينهم 1167 موقوفة من النساء، ناهيك عن الطلبة والأطفال القاصرين، ليصل مجموع المتابعين منهم إلى 1288 الذين صدرت في حقهم أحكام وغرامات ثقيلة وصلت إلى 7520 يوما من السجن النافذ ومبلغ 5527215.00 درهما. 

هذه الحرب الشعواء على “العدل والإحسان” لم تكتف بالأحكام السالبة للحرية لأعضائها وأطرها وقياداتها بل اتخذت منحى آخر، وهو تشميع مقراتها ومنع مخيماتها وإثقال كاهل الجماعة بغرامات مالية ظالمة وقاسية، وكل ذلك بغاية تجفيف المنابع الدعوية والتربوية والإشعاعية والمادية للجماعة وبهدف كبح جماحها وفرملة تغلغلها وسط المجتمع وإضعافها في أفق إخضاعها لإرادتها وإدخالها لبيت الطاعة المخزنية.

وتجدر الإشارة في هذه المرحلة إلى ما يسميه البعض بقضية رؤيا 2006، والتي تستغل في النيل من الجماعة واتهامها بالخرافية، وكل ما هنالك تواتر رؤيا في 2006 عند بعض الأعضاء بأن حدثا هاما سيقع للأمة خلال هذه السنة. وقد تسرب ذلك لوسائل الإعلام فنسب بعضها هذه الرؤيا للإمام المرشد رحمه الله زورا وبهتانا، ورُوِج أن الحدث الذي تبشر به هو قيام الخلافة في المغرب. وبنيت على ذلك أحكام باطلة بفشل “بشارة الإمام والجماعة”، وبأن ذلك شكل هزة كبيرة في تنظيم الجماعة ومشروعها.