في حديثها عن محورية المسجد في حياة الأمة ذكرت الأستاذة طيبة قيطوني الإدريسي في حلقة جديدة من حلقات “في ظلال العشر” التي تبثها قناة الشاهد الإلكترونية أن الإسلام اعتنى أيما اعتناء بالمسجد “نظرا للدور الاستراتيجي والمحوري الذي يقوم به في حياة الأمة الإسلامية”.

المسجد القلب النابض للأمة

وأوضحت قيطوني أن المسجد هو القلب النابض للدعوة، ومنه تخرج المتقون والدعاة والقادة والمربون والعلماء العاملون، ومنه انطلقت الجيوش والفتوحات، فكان بحق كما قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “عرين أسود ورياض جهاد ومدرسة جامعة ومقر قيادة أركان الجيش ومجلس شوراهم ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها”.

وفي تعريفها للمسجد أو الجامع قالت: هو دار عبادة المسلمين، تقام فيه الصلوات الخمس المفروضة وغيرها، وسمي مسجداً لأنه مكان للسجود لله. وقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلقة قلوبهم بالمساجد بالظل يوم القيامة.

وأوردت ما قاله سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: “المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض”.
واسترسلت موضحة أن المسجد “مدرسة عملية يومية متكررة متجددة، يتعلم فيها المسلم النظافة والطهارة، والتنزهَ عن اللغو، والفرائضَ والسننَ، فيه تغشاه روحانية عالية ويتطلع إلى معالي الأمور دينا ودنيا، ولهذه الأهمية البالغة كان أول ما بناه النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته مسجد قباء، وشارك الجميع في بناء هذا الصرح..”

ولأهمية المسجد –تقول المتحدثة- بُني قبل مسكنه صلى الله عليه وسلم، فكان الأساس الركين الذي قامت عليه الدولة الإسلامية، لتكون رسالة إلى عموم المسلمين حول محورية وظيفته في حياتهم، وهذا الأمر لم يكن على سبيل المصادفة، ولم يكن مجرد إشارة عابرة، وإنما هذا منهج أصيل، “إذ لا قيام لأمة إسلامية بغير المسجد، وبغير تفعيل وظيفة المسجد، لأن المساجد الآن كثيرة، لكنّ الكثير منها غير مفعّل، ولا يقوم بالوظائف المنوطة به”.

وظائف المسجد

أما أهم وظائف المسجد فقد حصرتها قيطوني في خمس وظائف أساسية، أولها الوظيفة الروحية التعبدية، و”هي الحفاظ على إيمان المسلمين، وغرسه في النفوس، فهذا المكان يحفظ على المسلمين دينهم، لأجل هذا كانت حياة المسلمين تدور في مجملها حول محور المسجد، ولا تقبل الأعذار في التخلف عن الصلاة إلا في ظروف ضيقة ومحدودة جدًّا” .مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ اَ۬للَّهِ مَنَ اٰمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ وَأَقَامَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَي اَ۬لزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اَ۬للَّهَ فَعَس۪يٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَنْ يَّكُونُواْ مِنَ اَ۬لْمُهْتَدِينَۖ﴾، فرقت بين نوعين من عمارة المساجد: عمارة بنيان وصيانة، وعمارة بذكر اسم الله؛ من صلاة وذكر وتضرع لله تعالى.

طالع أيضا  عضو هيئة الدفاع: أثرنا بطلان المتابعة في ملف ياسر عبادي لهاته الأسباب

ثاني وظيفة هي الوظيفة التوجيهية الدعوية، حيث وضحت قيطوني أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقت من المسجد الحرام تهز أرجاء مكة بقوة ألفاظها، وقوة نفاذها في الأعماق، تعرب عن صدق وإخلاص وأمانة، وتنبع من جنان عامر بالنور، دوّى بها المصطفى الحبيب عليه أزكى صلاة وأفضل تسليم.

وذكرت أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطب تذكر بالله وتدعو إلى حبه والتحاب فيه، والتنفير من الدنيا الفانية، وبيان العلم الشرعي وفضله وبثه في الناس من جيران وغيرهم، ثم تلك الخطبة الجامعة العظيمة في حجته التي ودع فيها الناس، وأعطاهم فيها دروسا عظيمة قيمة، تحمل وصايا كثيرة نافعة؛ في البعد عن الظلم، وترك الربا، والوصية بالنساء، وغيرها مما ينير للأمة الإسلامية في كل قرونها المقبلة طريقا هاديا يرضاه الله ورسوله، ويفوز سالكوه بخيري الدنيا والآخرة.

والوظيفة الثالثة هي الاجتماعية، حيث ذكرت أن المسجد حري به أن يقوم بدوره في بناء المجتمع، لأنه مركز التوجيه والإشعاع، ومقر التخطيط والبناء.

وأشارت إلى أن من أول ما دعا إليه الإسلام العدل بين المسلمين؛ فقيرهم وغنيهم، عربيهم وعجميهم، ولم يفضل أحداً على أحد إلا بالتقوى، مصداقا لقوله تعالى في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

وما من مكان يتجلى فيه هذا القانون الاجتماعي بصورة جلية مثل المسجد-تقول قيطوني – ثم تضيف: إذ يقف الجميع في صف واحد في الصلاة، وقد ذابت وانصهرت جميع الفوارق التي تميز بعضهم عن بعض.

ولفتت إلى المسجد كان أيضا مدرسة للأطفال، ولم يكن مقصوراً على الذين تجب عليهم الصلاة شرعاً من الرجال، بل لقد حرص الإسلام على رعاية الأطفال، فلقد كانوا يأتون المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يرعى شؤونهم ويتلطف بهم.

وتابعت قائلة: “أيضا كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم مقام الجمعيات الخيرية في جمع الزكاة والصدقات من الموسرين والمنفقين، وتوزيعها على الفقراء والمساكين وغيرهم من مستحقي الزكاة”.

أما الوظيفة الربعة فهي التعليمية؛ حيث إن منابر المساجد ورحباتها المشرقة نورت عقولاً مؤمنة، ومحت بؤر شرك دامسة، خرجت دعاة مخلصين، وخطباء مفوهين. مردفة أن تلك المراكز التعليمية امتدت إلى شتى المساجد الإسلامية؛ فدرس الحديث وعلومه، ثم دروس الفقه وأصوله وقواعده، وتاريخ التشريع التي أخذت حيزاً كبيراً من المساجد؛ تدريساً، وحفظ متون، وإفتاء وتأليفاً، حتى اتسعت دائرة هذه المواد، وتشعبت فروعها، وجادت مراكزها بأعلام الفقهاء، ونوابغ الأصوليين، وشيوخ القواعد، وأيضا اللغة العربية وعلومها، وخرجوا أجيالا مؤمنة متعلمة تدعو إلى الخير وتصد عن الشر.

طالع أيضا  في ظلال العشر | تجليات فضل الله على عباده مع الأستاذ مولاي أحمد العلوي

وفي الوظيفة الخامسة المتمثلة في الوظيفة السياسية، اعتبرت قيطوني أنه كان –المسجد- فضاء لممارسة الشأن السياسي بسلطاته الأربع: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، والإعلامية. كما كان فضاء لعقد المعاهدات ولإبرام الاتفاقيات.

فمن جانب السلطة التشريعية؛ كان المسجد فضاء لاتخاذ القرارات السياسية القوية والحاسمة في حياة الأمة، وقد جاء في صحيح البخاري أن عبد الرحمن بن عوف استشار الناس في بيعة الإمام بعد عمر رضي الله عنه فاختار المسجد مكانا لإعلان الخليفة الجديد وأخذ البيعة له من الناس.

ومن جانب السلطة القضائية، قالت إن الحياة بنزاعاتها وصراعاتها جعلت من المسجد مؤسسة لحسم الخلافات والبث في النزاعات، موردة ما قاله عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب رضي الله عنه: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف “ستر” حجرته، فنادى: “يا كعب”. قال: لبيك يا رسول الله، قال: “ضع من دينك هذا”. فأومأ إليه: أي الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: “قم فاقضه”.

وإضافة إلى هذه الأدوار فقد كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطلع بالدور الصحي، ويقوم مقام المستشفيات العسكرية التي يمرض فيها الجرحى والمرضى من آثار المعارك والغزوات التي كانت تدور بين المسلمين وأعدائهم، فقد كان بالمسجد خيمة السيدة رفيدة الصحابية التي كانت تقوم بتمريض الجرحى، وتضميد جروحهم. فكانت المرأة حاضرة في قلب المجتمع النبوي غير مغيبة عن المسجد، القلب النابض لكافة مناحي الحياة، تضيف المتحدثة.

المسجد ودور المرأة المسلمة

وعن دور المرأة في المسجد، قالت قيطوني إن النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجن للصلاة، وكانت المرأة تخرج متلفعة لا يعرفها أحد، ولا يبرز من مفاتنها شيء. وقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: “لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد”. كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، و لكن ليخرجن وهن تفلات”.

وتابعت المتحدثة موضحة أن المرأة كانت حاضرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضره وسفره، وسوقه ومسجده وغزواته، تأخذ وتعطي وتقترح، فهي شقيقة الرجل في الأحكام، لهذا وجب تشجيعها على الذهاب إلى المسجد لأنها هناك تحقق مقاصد المسجد في الإسلام، وهي أن تذكر الله تعالى، وتتعلم العلم، وتتعارف مع غيرها من عامرات المسجد، وتشارك في النشاط العام الذي يعود بالنفع عليها وأسرتها ومجتمعها ودينها بالخير.

طالع أيضا  "عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها" موضوع الرقيقة 26 مع ذ. القادري

وأشارت إلى أن الصحابية كنت تزاحم شقيقها الرجل في عمارة المسجد بالحضور الفاعل، والمشاركة في التعلم والتعليم والنصح والتطبيب والتنظيف والمواساة والاعتكاف

وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولى التعليم والتوجيه في مسجده في عهده صلى الله عليه وسلم، ثم تولى صحابته من بعده تلك المهمة. ورغم أنه لم ترد بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم روايات فيها صورة منظمة لتولي المرأة التدريس والوعظ في المسجد، إلا أن هناك مئات – بل ألوف – الروايات للحديث النبوي على صاحبه الصلاة والسلام التي دخلت في روايتها النساء، هذا فضلاً عن عشرات – بل مئات – الأحاديث التي تدل على أن الصحابيات خاصة أمهات المؤمنين ظللن مرجعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. تقول قيطوني.

ورأت أن الجو العلمي الذي شاركت فيه المرأة المسلمة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم كان من سماته تتلمذ الرجال من المحدثين على الصحابيات والتابعيات اللاتي روين السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخلصت قيطوني الإدريسي إلى أن للمسجد دورا مركزيا في حياة الفرد والمجتمع المسلم منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، غير أن هذه الوظائف بدأت تتقلص نسبيا مع بداية الانكسار التاريخي والحكم العاض حتى صار المسجد مجرد مكان للصلاة ولبعض الدروس دون غيرها في ظل الحكم الجبري، وتفاقم الأمر مع هذه الوضعية الوبائية التي نعيشها حيث ظهر جليا تعطيل دور المسجد ومحاولة تغييبه في الحياة العامة بشكل ملحوظ، مما أدى الى استياء المؤمنين والمؤمنات المشتاقين لعمارة بيوت الله وارتيادها في الصلوات الخمس وصلاة التراويح والاحتفاء بكتاب الله تعالى؛ بتلاوته وحفظه، والانجماع على الله في المسجد؛ المؤسسة الإسلامية الشاملة شمول اﻹسلام.

لمشاهدة الحلقة من هنا:

https://web.facebook.com/ChahedTv/videos/317494373072160