في حلقة جديدة من حلقات برنامج في ظلال العشر، تطرق الأستاذ مولاي أحمد العلوي لموضوع بالغ الأهمية، وهو “تجليات فضل الله عز وجل على عباده” حيث نتطرق إلى تجليات هذا الفضل على عباد الله عز وجل، ثم عرج إلى سير الصالحين لينظر كيف استقبلوا فضل الله تعالى عليهم من خلال قصص القرآن، وسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم خلص إلى دروس وعبرٍ  ليجعلها المومنون لهم إماماً في الطريق إلى الله عز وجل.

وفي السلسلة التي أطلقتها قناة الشاهد بمناسبة العشر الأواخر من رمضان توقف المتحدث عند تعريف كلمة الفضل، الذي هو الإحسان ابتداءً بلا علة، وفي اللغة الفضل هو الزيادة، من الاقتصاد. والذي يهمنا هنا في هذا المقام هو فضل الله على عبده، ما يفيضه عليه من نعمه من غير ما يترقبه وما يحتسبه. هذا الفضل يتجلى في أرزاقٍ معنويةٍ وحسيةٍ في الدنيا، ثم يتجلى في الآخرة في أعلى رتبه في النظر إلى وجه الله الكريم عز وجل. وفي كلمة الفضل إشارةٌ لطيفةٌ إلى واسع نعمة الله عز وجل، وإلى عدم حاجته إلى ما يفيضه وكذلك إلى من يفيض عليه هذا الفضل. كيف يتجلى هذا الفضل على عباد الله، فمنهم من يشكر ومنهم من يكفر هذا الفضل.

العلوي توقف ملياً في وقفةٍ تدبريةٍ مع تعبيرٍ قرآنيٍ لطيفٍ ومخيفٍ في نفس الوقت، وهو قوله عز وجل: “لولا فضل الله“، حيث ورد هذا التعبير القرآني اللطيف في القرآن الكريم في سبعة مواضع، موضع في سورة البقرة والخطاب فيه موجهٌ إلى بني إسرائيل، يقول الله عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ. ثم موضعان في سورة النساء؛ واحدٌ يخص نبي الله سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا. والموطن الثالث لكن الثاني من سورة النساء في حق المومنين، حيث يقول الله عز وجل: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا

ثم عرج المتحدث إلى سورة النور حيث المواضع الأربعة المتبقية، في هذه السورة المباركة هذا التعبير أتى مقيداً بجواب لولا، وأتى مطلقا بدون جواب وهو أدعى الخوف وللإنتباه كما قال المفسرون، يقول الله عز وجل في سورة النور: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ. ويقول سبحانه وتعالى في سورة النور أيضاً: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وجاء هذا كما نعلم في قصة الإفك التي هي موضوع السورة. والموضع الأخير من سورة النور الذي أتى فيها هذا التعبير القرآني اللطيف، يقول عز وجل: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. قال صاحب الظلال رحمه الله: “فنور الله الذي يشرق في القلب يطهره ويزكيه، ولولا فضل الله ورحمته لم يزكو من أحدٍ ولم يتطهر، والله يسمع ويعلم، فيزكي من يستحق التزكية ويطهر من يعلم فيهم الخير والاستعداد والله سميعٌ عليم“، فهذه الآيات المباركات يجمل بالمؤمن والمؤمنة أن يتوقف عندها كلما مر بها، فيذكر فضل الله عز وجل عليه ويستشعره.

طالع أيضا  مواقع وطنية ودولية تتفاعل مع حوار الأمين العام للعدل والإحسان مع موقع "عربي 21"

من مظاهر وتجليات فضل الله تعالى على العباد، فهذه التجليات لا حصر لها ولا عد، ولله الحمد والمنة. يقول الشاعر:

ما زال فضل الله يغمر ساحتي —– ويظهرني من حيثما أتلمح

ولكنني من فضله أستزيده —–  وإن كنت في بحر الجود أسبح.

فضل الله تعالى على العباد في ثلاثة أوجه، فوجه الإيجاد من عدم، وإمدادٍ من فاقة، ووجهٌ ثالث هو ارشادٌ من ضلال. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتاب محنة العقل المسلم: “في البداية فضل الله وكرمه وعطاؤه لخلقه، خلق سبحانه وتعالى الانسان فسواه وقدره وقدر له فهداه. يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَفضله وعطاؤه وخلقه وتعديله وتعيينه للصورة والوقت، وظروف بروزك يا انسان من العالم العدم إلى دنيا الوجود، ثم يحييك ويميتك ويبعثك وينشرك ويحاسبك ويجزيك ويعفو ويغفر إذ هو الغفور الرحيم، أو يعاقب إذ هو شديد ذو العقاب“.

واسترسل العلوي في ذكر تجليات فضل الله تعالى على العباد، ومن التجليات الكبرى بعثة الرسل والأنبياء عليهم السلام عبر العصور والأزمنة وفي شتى الأقوام. وخاتم هذه البعثات بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاتم، يقول ربنا عز وجل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِومن فضله سبحانه عز وجل أن جعل بعد هذه البعثة، بعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، من فضل الله تعالى أن جعل العلماء ورثةً للأنبياء، ومن فضله كذلك على هذه الأمة المرحومة أن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها على رأس مائة سنة كما جاء في الحديث، الحديث الذي جاء في سنن أبي داوود عن أبي هريرة رضي الله عنه: إنَّ اللَّهَ يبعَثُ لِهذِه الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سَنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها. إذن نبوةٌ، ووراثةٌ، وتجديدٌ للدين فضلٌ من الله تعالى، متسلسلٌ باقٍ في هذه الأمة إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، لله الفضل والمنة.

طالع أيضا  الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع تصدر بيانا بمناسبة الذكرى 48 لنكبة فلسطين

وفي فضل الإمداد المادي والمعنوي، قال المتحدث إنه “لا عد لتجليات ذلك على العباد“، فقد فضّل الله تعالى بالعبادة وأسبغ عليهم من فضله بالرزق والصحة والولد وتسخير الكائنات وتكريم ابن آدم والامن إلا أن يتظالم العباد. ومن فضل الله تعالى على عباده الثواب والجزاء، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ، ويضاعف الله لمن يشاء، والسيئة بمثلها، وربنا سبحانه عز وجل يتجاوز ويمحو، بل يبدل السيئات حسنات، من كرمه وفضله وجوده سبحانه عز وجل، وذلك لمن تاب وآمن وعمل صالحا. وكذلك فضل الله تعالى في الأوقات وفي الأزمنة، وفي الأذكار، حيث جاء في فضل شهر رمضان على سائر الشهور، وفضل ليلة القدر، فضل الست من شوال والعشر من ذي الحجة، ويوم الجمعة وليلتها، وفضل الثلث الأخير من الليل، وفضل تلك الفترة المباركة بين الفجر إلى الشروق، وفضل الأذكار بعد الصلاة المكتوبة وكل الاذكار المأثورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضل الله تعالى في قبول توبة العبد وإنابته وإجابة دعوته. وعلى المؤمنين تجلياتٌ خاصةٌ من فضل الله تعالى عليهم، إيجاداً وإمداداً وإرشاداً وولاية. قال الله تعالى: وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

وعن كيف استقبل عباد الله الصالحين فضل الله تعالى عليهم، عرض العلوي أمثلة من هذا الاستقبال والحفاوة من خلال قصص القرآن وسير الأنبياء عليهم السلام، فالعباد أمام فضل الله تعالى بين غافلٍ وذاكرٍ وشاكر، مثال الغافل قارون، وقد عرض لنا القرآن الكريم قصته حيث آتاه الله تعالى من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، فنصحه قومه لكنه لم ينتصح، فدعى عليهم وقال إنما أوتيته على علم عندي، فخسف الله به وبداره الأرض، وكان من قومه فريقان فريقٌ نصيحةٍ وتذكير، وفريقٌ تمنوا مكانه من المال والزينة، فلما خسف به قالوا لولا أن من الله علينا لخسف بنا لتمنيهم ما كان عليه من الزينة والحياة الدنيا. مثالٌ آخر، غافل عن فضل الله تعالى هو بولعم بن باعورة الذي اتاه الله تعالى علماً، وكان من بني اسرائيل علمه الله عز وجل اسمه الأعظم، استعمله في الدعاء على سيدنا موسى عليه السلام وذلك إغراءً من قومه، فصرف الله تعالى ذلك الدعاء عن سيدنا موسى وقومه، فكان من الغاوين.

طالع أيضا  ذ. هراجة: دم الشهيد عماري لم ولن يذهب هدرا.. وسنبقى مطالبين بالحق حتى تقول العدالة كلمتها

بعدما عرض المتحدث مثال الغافل عن فضل الله تعالى، عرض مثال الذاكرين فضل الله تعالى عليهم وبدأ بسيدنا يوسف عليه السلام، حيث يقول الله عز وجل على لسانه: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَوقال عز وجل في حق عبدين صالحين رسولين سيدنا سليمان وسيدنا داوود: وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. وقال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثال الأسمى والأعلى في شكر فضل الله تعالى، كما تروي أمنا عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَان يقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تتَفطَرَ قَدمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ، لِمْ تصنعُ هَذَا يَا رسولَ اللَّهِ، وقدْ غفَرَ اللَّه لَكَ مَا تقدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تأخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أكُونَ عبْداً شكُوراً؟ متفقٌ عَلَيهِ. والشكر يكون باللسان والقلب والعمل كما تقدم والجمع بينهم. فالشكر مدعاةٌ للاستجابة وللاستزادة حيث يقول الله عز وجل: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

وختم العلوي بالتشديد على مسألأة مهمة وهي أنه يجدر بالمؤمن عند العمل أن يجتنب وينتبه من العجب، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف عن أنسٍ رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم تكونوا تُذْنِبونَ، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلِكَ؛ العُجْبُ العُجْبُوالعجب أن يعجب المرء عمله وينسى فضل الله عليه، فيتكبر على الناس وعلى المسلمين ويحتقرهم. وأُمرنا أيضاً أن نتلقى فضل الله عز وجل وأن نستزيد من فضل الله عز وجل بالدعاء. قال الله تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ. وندبنا لذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن رَأَى مُبتَلًى فقال: الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، و فَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البلاءُ. ثم الفرح بفضل الله عز وجل، حيث كان الصالحون من هذه الأمة يتلقون فضل الله تعالى بالفرح، والله أمرنا بذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.