في ظلال النفحات الرمضانية في هذه العشر الأواخر من رمضان تناول الأستاذ منير الركراكي موضوعاً جديداً تحت عنوان لمسات تجديدية في فكر الإمام، حيث اختار الحديث عن الذكر نموذجاً، متناولاً إياه كما هو مبثوث في المنهاج النبوي، تفصيلاً وتأصيلاً غاية في الدقة في العرض والبسط، مقتصراً على ما شافه الإمام به المتحدث توجيهاً وترشيداً وما ذاقه وعاشه معه في علاقة الذكر بالفكر، وعلاقتهما بسلوك المؤمنين أفراداً وجماعات إلى الله عز وجل عدلاً وإحسانا، صدقاً وبرهاناً.

وأكد المتحدث على أهمية الموضوع المرتبط بالذكر والتفكر، وهما وجهان لعملة الفلاح، وكما يقول الإمام: “ذكر بلا تفكر هو ذكر الغافلين“، وهو أصلٌ أصيل من أصول الدين، الذي يؤخذ عن الفحول، ومن ضيّع الأصول مُنع القبول وحرم الوصول. أصلٌ لأنه موصولٌ بالله نسبةً، بما هو ذكر الله، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ، ولكون الذكر هو القرآن وهو كلام الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِلَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . والقرآن ذكر الكمّل، رحم الله ابن قيم الجوزية الذي كتب ذلك الكتاب القيم: “الوابل الصيب من الكلم الطيب” وذكر له مئة فائدة من فوائد الذكر، فهو كلمٌ طيب، والكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا أصلها ثابت في القرآن. الذكرى، الذكر، المذكر، وذكر بالقرآن من يخاف وعيد، الذكرى تنفع المؤمنين. أصلها ثابتٌ في القرآن وفي قلب المومن، وينبتها الله نباتاً حسنا فإذا هو نباتٌ إلى السماء، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. فالعمل الصالح رافعة لهذا الذكر. فالكلمة الطيبة لا إله الا الله شبهت بالشجرة الطيبة، وكل كلمةٍ طيبةٍ. شجرة طيبة، لأنها ذكر، وهو أصل من أصول الدين لأنه موصول بالله عبادةً وعبوديةً، ومن أجل العبادة خلقنا، لنعرف الله تعالى.

وأضاف عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان أن الذكر أيضاً هو أصل بما هو اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله سبحانه وتعالى في الذكر الحكيم: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا. يقول الإمام رحمه الله: “خُصَّ الذكر الكثير من بين الأعمال، لأنه أفضلها، واقترن بالرجاء في الله والدار الآخرة، وليس عبثاً ألا يقترن بالرجاء في الله والدار الآخرة إلا ذكر الله. وذكر الله كثيراً“. رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاكر المذكور، رفع الله له ذكره، وخصه الله بذكر منه، إذ بدأ بنفسه وثنى بملائكة قدسه، وثلث بالمؤمنين من خلقه، جنه وإنسه، فقال سبحانه تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. فخصه بهذا الذكر، وهو الذاكر سبحانه وتعالى لرسوله خير ذاكرٍ ومذكور، بعد الحق سبحانه وتعالى. والملائكة الأطهار ثم المؤمنون، فمكثرٌ ومقل، جعلنا الله وإياكم من الذاكرين الله كثيراً، والمصلين المكثرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان صلى الله عليه وسلم ذاكرا، وكان قرآنا يمشي على قدمين كما قلت أمنا عائشة رضي الله عنها، وكان يذكر الله على كل أحيانه وفي كل أحواله قياماً وقعوداً وعلى جنبه، ينام ولا ينام قلبه صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم إرثه الذكر، قرآناً وأدعيةً وأذكاراً.

والذكر، يضيف المتحدث، بما هو أصلٌ في الدين عبادةٌ وعبودية موصول بالله نسبةً إليه، والعبد يشرف بشرف من نسب إليه، وبما الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله وأحواله كلها كانت ذكراً، وقد سنّ لنا من السنن ما اقترن بالذكر قبلاً وأثناءً وبعداً، فما من عمل نقوم به، بل وما من نفس نتنفسه إلا والذكر مقترن به. وكل سنة نبوية تفك عنا عقدة شيطانية كما قال الإمام رحمه الله. فإنما هي سننٌ تحررنا ذكراً، أو عقدٌ تقيدنا ضيقًا، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.

وتابع الأستاذ الركراكي موضوعه بالتأكيد على أن الذكر الصحبة، حيث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نُجالس أو أي الجلساء خير، قَالَ: مَنْ يُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَيَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَ يُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ. من إذا رأوا ذكر الله، فهؤلاء الذاكرون مذكّرون، بسمتهم وقيمهم وأخلاقهم، بعملهم بدعوتهم، بكل ما يندّ عنهم ويعنّ للناس منهم، فتقترن الصحبة بالذكر، وأصّل لها الإمام رحمه الله بالحديث الذي رواه حنظلة أن شكى إلى رسول الله هو وأبو بكرٍ، فقال: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: وَما ذَاكَ؟ قُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنْ لو تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي، وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. أصل لها الإمام بشروط التربية الثلاثة، الصحبة والجماعة والذكر والصدق، فقال: تدومون فيها شرطان، الصدق الدوام، ثم الجماعة، تدومون جماعة، عندي أي الصحبة، وفي الذكر. فقال الإمام: “عندي (أي الصحبة) وفي الذكر“. فدلّ هذا على أن الذكر ليس شيئاً غير الصحبة. حتى إذا بعد الجسد عن الجسد لم ينقطع السند والمدد، ثم قال: “ما يميزنا عن الغافلين أننا ذاكرون إن كنا ذاكرين، وما يميزنا عن الذاكرين أن أذكارنا سنية، وفي هذا السلامة، وأننا نذكر هذه الأذكار بنية الاتباع وهمة الصحبة“. جناحان يطيران بالمؤمن وهو يذكر الله إلى أعلى عليين.

 

طالع أيضا  المسجد عنوان الرجعة والتوبة بعد التوبة