تحدث الدكتور حسن إزرال عضو مجلس شورى العدل والإحسان، في كلمة له في قناة الشاهد الإلكترونية ضمن سلسلة “في ظلال العشر”، عن الإخلاص وعلاقته بشهر رمضان من منطلق تخصيص الجزاء عن صومه لله عز وجل، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لي وأنا أجز به”.

إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به

ولما كانت الأعمال كلها لله وهو الذي يجزي بها، أوضح إزرال أن العلماء اختلفوا في قوله “الصيام لي وأنا أجزي به” موردا أن الحافظ بن حجر رحمه الله ذكر عشرة أوجه من كلام أهل العلم في معنى الحديث باختصاص الصوم بهذا الفضل.

أول هذه الأوجه أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره. واستند في ذلك إلى ما قاله القرطبي: “لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث “يدع شهوته من أجلي””.

واسترسل إزرال موضحا أن رمضان تنفتح فيه للعبد أنواع من العبادات، من صوم وقيام وقراءة للقرآن وعمرة واعتكاف وصدقة إلى غير ذلك من أعمال البر، ولذلك لا بد من مراعاة الإخلاص وتصحيح النية في كل ذلك.

وذكر المتحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أصحابه من الرياء وأخبر أنه هو الشرك الخفي. وفي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ما تنخلع به القلوب.

أما ثاني هذه الأوجه، يقول إزرال إن المراد منه هو أن الله تعالى ينفرد بمقدار ثوابه ومضاعفة حسناته، وقال القرطبي، معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها من عشرة إلى سبع مائة ضعف إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله تعالى يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا رواية الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف. قال الله عز وجل إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به”. بمعنى بغير تعيين لمقدار جزائه، مصداقا لقوله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

الصبر ثوابه الجنة مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحل الصدر”. فالصوم يزيل الأحقاد والضغائن والوسوسة من الصدور.

طالع أيضا  مهلا رمضان

وثالث أوجه معنى الحديث وفق إزرال، أن الصوم هو أحب العبادات والمقدم عند الله، وقد قال ابن عبد البر: كفى بقوله “الصوم لي” فضلا للصيام على سائر العبادات.

وأما الرابع فإن الإضافة هي إضافة تشريف وتعظيم، وأورد إزرال في ذلك ما قاله ابن المنير بأن التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.

الإخلاص وتربية النفس عليه

وحفز إزرال في حديثه على الإخلاص وتربية النفس عليه على أن يكون الشعار “الله الله ربي لا أشرك به شيئا”. مشيرا إلى أن التعريفات التي أوردها العلماء للإخلاص تعددت لكنها تصب في معنى واحد، وهو “أن يكون قصد الإنسان في سكناته وحركاته وعبادته الظاهرة والباطنة خالصة لله تعالى لا يريد بها شيئا من حطام الدنيا أو ثناء الناس”، وهو أيضا الصدق وسلوك طريق الحق. كما قال فيه الإمام المجدد “الكينونة مع الصادقين التي حرض عليها القرآن الكريم هي مدخل الصدق”.

وما يعين على تحصيل الإخلاص وحلول ذلك يقول إزرال: “لا بد من المجاهدة في هذا الشهر الفضيل وملازمة الباب والسؤال والتحرر من هذه العوائق وصحبة الصادقين”، موردا ما قاله ابن رجب رحمه الله: “وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا وفيه لله تعالى وظيفة من وظائف طاعته يتقرب بها إليه”.

واسترسل المتحدث قائلا: “لله لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته عليه، فاستعيدوا من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات، فعسى أن تصيبه نفحة من النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدا من النار”.

الاعتكاف فرصة لتحصيل السعادة

وقد أوضح إزرال في كلمته أن الاعتكاف فرصة سانحة لتحصيل السعادة التي تجعل الفرد من المقربين وتجذبه جذبة إلى الحق سبحانه ويكون من أوليائه وأصفيائه.

طالع أيضا  الناطق الرسمي باسم العدل والإحسان يبارك للأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي انتصار فلسطين

وأوضح أن الاعتكاف وسيلة لرفع الهمة، والسنة دلت على أهمية الانقطاع عن الناس في خلوة مع الله، وقد بين الإمام ابن القيم السر والحكمة من مشروعية الاعتكاف فقال: شرع الله لعباده الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجُمعيته عليه والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب، فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصيل مراضيه. فيصير أنسه بالله بدل الأنس بالخلق فيعيده بذلك إلى الأنس به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا هو المقصود بالاعتكاف الأعظم.

وأضاف المتحدث أنه لما كان هذا المقصود يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم، وهذه الأيام هي العشر الأواخر من رمضان.

تعرضوا لنفحات الله

واعتبر المتحدث أن رمضان هو شهر النفحات، وإذا كانت نفحات الله وبركاته على العباد أكثر ما تكون في مواسم الخيرات والأزمنة الفاضلة فإن أعظم هذه المواسم هو شهر رمضان.

وأورد الحديث الذي رواه الإمام الطبراني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات يصيب بها من يشاء من عباده”.

وأضاف أن رمضان هو “مدرسة تربوية إيمانية فذة، لتخريج الربانيين والربانيات إذا صام المسلمون أيامه وأقاموا لياليه وتخلقوا بالأخلاق المناسبة وفقا للأحكام والضوابط الشرعية بعيدا عن االرتابة التي تبلد الحس وتلغي المقاصد”.

وذكر قولة في هذا الصدد للمصطفى صادق الرافعي في “وحي القلم” يقول فيها: “الصوم يصنع الإنسان صناعة جديدة تخرجه من ذات نفسه وتكسر القالب الأرضي الذي صب فيه، فإذا هو غير هذا الإنسان الضيق المنحصر في جسمه ودواعي جسمه فلا تغره الدنيا ولا يمسكه الزمان ولا تخضعه المادة”.