تحدث الدكتور عبد المجيد الخطيب عن اليقين والاستجابة باعتبرهما أصلين من أصول الدين، ومفتاحين من مفاتيح التربية والتزكية والقرب من الله تعالى، وذلك في الحلقة الأولى من البرنامج الرمضاني الذي أطلقته قناة الشاهد الإلكترونية بمناسبة العشر الأواخر من رمضان.

وانطلق المتحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بتعلم اليقين، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: “تَعَلَّمُوا الْيَقِينَ كَمَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ حَتَّى تَعْرِفُوهُ فَإِنِّي أَتَعَلَّمُهُ“، فهذا الأمر النبوي لنا بتعلم اليقين، والتعلم له دور وله قواعد، فما هو اليقين؟ وما الحكمة أن يأمرنا صلى الله عليه وسلم بتعلمه؟ وكيف نتعلمه؟

وقال الخطيب إن اليقين في اللغة هو نقيض الشك، واصطلاحاً تصديقٌ جازمٌ لا يقبل الشك، وهو اليقين والإيقان، العلم دون الشك. واليقين صفة من أعلى صفات الإيمان والصلاح، ومقام من أرقى مقامات الصدق والفلاح. يهبه الله سبحانه وتعالى لخاصة عباده من الأنبياء والأولياء والصالحين. يبلغهم الله تعالى المقام العلي في الدين، أن تعبد الله كأنك تراه، قال صلى الله عليه وسلم: “اليقينُ الإيمانُ كلُّه“. اليقين علمٌ يتعلم، لكنه علمٌ قلبيٌ، فهو ليس برهاناً فلسفياً أو استدلالا كلاميا أو إقناعا عقليا، وإنما هو نور يقذفه الله تعالى في قلب عبد مؤيد من الله، هو هداية واستقامة ونور من الله تعالى يقع في قلب المؤمن الصادق في طلب وجه الله.

وعن اليقين في ماذا يكون، أضاف المتحدث أن اليقين يكون في الله تعالى وفي وعده، وفي الآخرة حيث ارتبط في كتاب الله تعالى ذكر اليقين بالآخرة في مواضيع شتى، يقول سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، هؤلاء كتب الله لهم الهداية في الدنيا وكتب لهم الفلاح في الآخرة: أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

وقد جسد الصحابة رضوان الله عليهم نموذجا في تعلم اليقين، فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حارثة وقال له: “كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُة“، هذا رجل تعلم اليقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار يعرفه، فقال: “أصبحت مؤمناً حقاً“، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: “انْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟”، قال: “قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَاطْمَأَنَّ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا“. فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: “يَا حَارِثُة عَرَفْتَ فَالْزَمْ. قالها ثَلاثًا“. هذا رجل نور الله قلبه. وقيل في تفسير قوله عز وجل: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً قيل في أن هذه النفس المطمئنة هي الموقنة بالإيمان، وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين، لا يخالطها شكٌ ولا يعتريها ريبٌ، قال الحسن رضي الله عنه هي المؤمنة الموقنة حقاً. واليقين أيضاً، يضيف الخطيب، هو مفتاح النصر والاستخلاف في الأرض، فالله سبحانه وتعالى يخبرنا في كتابه العزيز أنه جعل من بني إسرائيل أئمةً لما توفرت فيهم صفات الإيمان والصبر واليقين، قال سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.

وأورد المتحدث قصة نبي الله طالوت حيث تعرض أصحابه للابتلاء والاختبار بعد أن بعثه الله ملكاً عليهم ليقاتلوا في سبيل الله، ولم يفلح معه إلا المؤمنين الصابرين الموقنين، يقول الله سبحانه وتعالى: “فَلَمَّا جَاوَزَهُ“، يعني جاوزوا النهر الذي ابتلاهم به الله تعالى وأمرهم ألا يشربوا، فشربوا منه إلا قليلاً منهم، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ هالهم جيش جالوت، وانهزمت نفوسهم، لكن ما الذي سيحسم المعركة؟ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، يعني يوقنون في وعد الله وفي الآخرة. وهذا اليقين كان سبباً للنصر وكان سبباً للاستخلاف في الأرض.

طالع أيضا  العبادة في الرمضاء

السؤال الجوهري هنا، كيف نتعلم اليقين حتى نعرفه، نأخذ الدرس من سنة وسيرة إمام الموقنين صلى الله عليه وسلم، كيف تربى الصحابة بين يديه وتعلموا منه ومعه اليقين، وبالتالي يكون المفتاح الأول لتعلم اليقين هو الكينونة مع الموقنين، محبتهم صحبتهم ومجالستهم، ليست صحبة ومجالسة فيها انعزال وانطواء وهروب، وإنما صحبةٌ ومجالسةٌ في ظل مشروعٍ غايته تبليغ دعوة الله للعالمين، غايته تربية الأمة ودعوتها، وغايته الجهاد والتعليم وغير ذلك. لأن الصحابة كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحبةٍ دائمة، وتعلموا وتشربوا منه اليقين وكانوا معه في السفر والحضور، في دروس العلم وساحات الجهاد، في السلم والحرب إلى غير ذلك. هذا هو المفتاح الأول.

المفتاح الثاني لتعلم اليقين يكون بدوام الذكر، الذكر الدائم يورّث في القلب نور الإيمان واليقين أيضاً، تعلم اليقين يكون مقرونا بتعلم القرآن الكريم، لأن أهمية تعلم اليقين كأهمية تعلم القرآن، لأن القرآن بلا يقين لا يثمر سلوكاً. بل ينبغي أن نتعلم الإيمان قبل القرآن كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود، فيمكن للإنسان أن يعرف القرآن ويتقن تلاوته، لكن قد لا ينفعه بدون إيمانٍ وبدون يقين. قراءة القرآن بقلوب منورة بالايمان تزيد اليقين ونتعلم عبرها اليقين، في القرآن الكريم نجد أن الله تعالى يقص علينا أخبار الأقوام الذين سبقونا، ويخبرنا بعاقبة الظالمين الجاحدين الكافرين منهم الهلاك، وعاقبة المؤمنين الفوز والنجاة، وهذا مما نتعلم به اليقين في موعود الله.

ثم طرح الخطيب السؤال عن حقيقة اليقين وصدق اليقين، متابعاً بأن حقيقة اليقين تتجلى في درجة استجابة الإنسان لأمر الله، في المسارعة إلى أمر الله ورسوله، فاليقين بالآخرة لا يعني الخمول وترك الدنيا ومقاطعة الناس، والفرار إلى العافية والاستقامة والاستقالة، بل يعني اليقين أنه سيلقى الله، سيقوم للعمل، وسيسارع لأنه ينتظره يوما سيلقى فيه الله تعالى. وذلك هو البرهان على صدق اليقين.

طالع أيضا  ذ. الكتاني: دم الشهيد كمال عماري وروحه الطاهرة لازالت تلاحق القتلة

هذه الأمة موعودةٌ من الله ورسوله بالنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض، والله لا يخلف وعده، وشرط ذلك هو الاستجابة الجماعية لأمر الله ورسوله، التي ستتحقق بالتوبة الجماعية، وبها ستستعيد الأمة عزتها المفقودة، حيث أن الله سبحانه وتعالى وعد المستجيبين لأمره بالعزة، والاستخلاف في الدنيا.