حلّ اليوم العالمي لحرية الصحافة ليجد بلدنا المغرب غير مستعد لتلبية نداء الحرية والاحتفاء بالمناسبة مادام عاتقه مثقلا بملفات قاتمة، لعب فيها دور الحاجب لمظاهر الحرية والحق في الرأي والتعبير. ففي حين يحتفي رجال ونساء مهنة المتاعب على امتداد العالم بهذا اليوم بإطلاق المبادرات الهادفة وتذكير الحكومات والمجتمعات بأهمية احترام حق الرأي والتعبير وبمكانة الصحافة والإعلام ودور نساء ورجال هذه السلطة الرابعة، يكون هذا اليوم في بلدنا مناسبة لتعود للواجهة مآسي ومعاناة صحفيين غيّبتهم الأيادي الباغية في سجون الظلم والطغيان.

تعددت الانتهاكات في حق الصحافة الحرّة بالمغرب وتزايدت وتيرة الاعتقالات في صفوف أصحاب الكلمة المسؤولة، حتى بات من شروط ممارسة المهنة بنزاهة أن تكون مستعدا لخوض حرب ضارية مع السلطة السياسية المغربية، بل أن يتعدى الأمر استعداد الصحفي ليصل لعائلته وأسرته التي تعيش معه أصعب الظروف وأقساها وتنال حظها من الانتقام السياسي والانتهاك الحقوقي.

السيّدة فتيحة الشرايبي والدة الصحفي ومعتقل الرأي عمر الراضي، التي تجدها في كل المبادرات والندوات ذات الشأن الحقوقي في الصفوف الأولى واقفة مدافعة عن حرية ابنها وحقه في محاكمة عادلة، ناهيك عن “الرحلة الماراطونية” -كما وصفتها في تصريح لها لموقع الجماعة نت- من الاستنطاقات التي خاضتها رفقة ابنها لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء قبيل الاعتقال، قالت: “لقد كنا نعاني في صمت ونحاول امتصاص الغضب الخارجي والتنفيس عن عمر الذي كان في وضعية متأزمة”.

كما عبرت عن تنديدها بمسلسل التشهير الذي تعرض له ابنها الصحفي منذ أن كان عضوا في لجنة التضامن مع زميله المعتقل سليمان الريسوني من طرف “الصحافة الصفراء”، والتي وصفتها ب“المساند  من نوع خاص يتابع ويضيق الخناق على عمر أثناء الدخول والخروج من مقر الفرقة الوطنية”، ناهيك عن التهم الباطلة والجاهزة التي كانت هذه المواقع تتداولها بشكل مستمر، الشيء الذي أثر بشكل كبير عليه وعلى أسرته، قبل أن يصل الملف لمرحلة أخرى أخطر من سابقاتها بعد خوض الراضي أثناء اعتقاله إضرابا عن الطعام زاد من حدة مرضه وتدهور حالته الصحية، مما خلف قلقا كبيرا لدى عائلته وأصدقائه “كنا نحس في ظل هذا الوضع بأن الأمور قد خرجت عن وضعها الطبيعي وبأن عمر يقدم نفسه قربانا عن هذا الجيل”، الشيء الذي جعلها رفقة أصدقائه ومسانديه تناشده بتعليق الإضراب الذي هدّد حياته.

طالع أيضا  جبهة مغربية: خطوات التطبيع تتسارع لتتمكن من المجال التربوي وهيئة التدريس "أكثر تأهيلا" لمقاومته

وعن رأيها في حرية الصحافة في المغرب، أردفت فتيحة الشرايبي قائلة: “أستبعد أن تكون في الوقت الحالي صحافة حرة وجريئة في المغرب، فالسلطوية تعطي العبر لمن يعتبر والكل أصبح خائفاً ومع الخوف لا يمكن أن تشتغل بحرية وأن تساعد في الإصلاح وبناء وطن للجميع”.

وكما كان عمر الراضي وسليمان الريسوني زملاء مهنة ورفقاء محنة، كانت والدة عمر الراضي زميلة لزوجة سليمان في المظلومية وقسيمتها في رحلة النضال.

خلود المختاري، وجدت نفسها بعد اعتقال زوجها سليمان تجمع بين وظيفة الأم والأب لابنها الذي لا يتعدى عمره 19 شهرا، عبرت عن وضعها ومثيلاتها من عوائل المعتقلين ظلما قائلة: “نحن في موقع مقاومة، حتى دورنا الطبيعي الذي نقوم به أصبحنا نقوم به بشكل مضاعف.. أصحبت أنا الأم المربية التي تعتني وتلبي حاجيات رضيعها والأب في الوقت نفسه، والمتابعة أيضا لوضع سليمان بتلبية حاجياته في السجن ثم باللقاء مع الدفاع واللجان المساندة والصحفيين والمتابعين للملف”.

وأضافت هذه الشابة التي وضعتها الإرادة السلطوية في هذا الموضع الصعب “أنا كزوجة من حقي أن تعود أسرتي لشكلها الطبيعي، وأن يكون زوجي مشرفا على تربية ابنه في هذه الأثناء”، واصفة هذا الوضع بـ“التعذيب الخطير لسليمان باعتقاله بسبب شبهة ليس هناك ما يثبتها” بقدر ما هو تعذيب لها أيضا ولأسرتها بعد أن باءت كل محاولتها طلب محاكمة عادلة لزوجها بالفشل.

كما عبرت خلود عن قلقها على صحة زوجها الجسدية والنفسية التي تدهورت بعد خوضه إضرابا عن الطعام داخل زنزانته الانفرادية، وقالت “سليمان في خطر، ونحن نضع أيدينا على قلوبنا وننتظر في كل لحظة أن نسمع خبرا سيئا” واصفة وضعه الصحي بـ“الكارثة الإنسانية”، ومؤكدة على أنها تُحمّل الدولة مسؤولية كل ما سيحدث لزوجها. وشددت أم الصغير هاشم على عدم استسلامها واستعدادها للقيام بأي خطوة في سبيل رفع التهم الباطلة عن زوجها مرددة: “أنا لن أسامحهم، لا أنا ولا ابني على هذا الشطط والظلم ومزاجية السلطة التي فرضوا علينا التعايش معها”.

طالع أيضا  5 هيئات مناهضة للتطبيع بالدار البيضاء تدين التدخلات القمعية وتستمر في الاحتجاج

وعن حرية الصحافة في المغرب، قالت خلود “الصحافة الجريئة والنزيهة قلّت في المغرب لأن كل من ينتقد السلطة يتحول لمغتصب بشكل مباشر”، كما لفتت خلود إلى أن غياب إطار قوي يحمي الصحفيين يجعلها لا تقوم بدورها الحقيقي، مشيرة إلى أن التخاذل الذي حصل في ملف توفيق بوعشرين جعل الصحفي “يخشى الاقتراب من الخط البرتقالي”.

وختمت خلود كلمتها بالتأكيد على أن هذه الانتهاكات لا تسيء إلا لصورة الدولة نفسها التي لن يعيبها في شيء القيام بمصالحة حقيقية مع الصحافة المستقلة والأصوات المنتقدة والمعارضة، وأن رفضها لذلك يجعلنا نعيش مرة أخرى “سنوات الجمر والرصاص التي تعيد نفسها بالألوان”. وأردفت: “نحن لا نعلم من في هذا البلد الذي لا يعرف مصلحتها ويعامل أبناء البلد بهذه القسوة… فإن كان الوطن لا يسع الجميع فيجب إعادة النظر في السلطة السياسية التي تحكمنا..”.

وفي ذات السياق، حكت أسماء زوجة مدير يومية أخبار اليوم الصحفي توفيق بوعشرين لموقع الجماعة نت عن مظلومية زوجها في سجون المغرب، وعن معاناتها وأسرتها بعد حرمانهم من وجود رب الأسرة، واصفة غياب بوعشرين الأب والزوج قائلة “غياب زوجي أمر قاسي جدا على أولادي، خاصة إبني الذي يبلغ من العمر 10 سنوات والذي لا يعلم لحد الساعة عن الوضع الحقيقي لوالده ولم نخبره باعتقاله”.

واسترسلت أسماء تصف لنا العلاقة المتينة التي كانت تجمع بوعشرين بأبنائه، وصعوبة موقفها أمام دموع ابنها الذي يبحث عن أبيه كل يوم.

وعن وضعها بعد الاعتقال، لم تختلف أسماء عن زميلتها في المحنة خلود فقد أكدت بدورها على ازدواجية دورها قائلة “أقوم بواجبات الأم والأب، معا والمسؤولية كبيرة جدا خاصة في ظل وجود الأبناء بهذا العمر”.

وعن الوضع الذي يعيشه بوعشرين في جناحه بسجن عين البرجة بالدار البيضاء، عبرت أسماء عن قلقها على صحته التي تتدهور في كل مرة بسبب ظروف المعتقل السيئة والتغذية الرديئة والرطوبة، ناهيك عن الأعطاب النفسية التي يمكن أن تطاله بسبب عزلته التامة التي مرّ عليها 3 سنوات و3 أشهر ولا زالت مستمرة.

طالع أيضا  هؤلاء لا يحبّهم الله عزّ وجلّ | الإمام عبد السلام ياسين (فيديو)

كما لفتت أسماء إلى معاناتها مع حملات التشهير التي طالت زوجها أولا على مستوى القنوات التلفزية والإذاعية، مما يجعلها دائما في حالة يقظة لتحجب عن مسامع أبنائها ما يقال عن والدهم، معتبرة هذه الحملات “سلاحا من أسلحة الجبناء”.

ومن جانب آخر وصفت ب“قلة الذوق” ما تم إرساله من “مقاطع فيديو مفبركة لزوجها، لها ولكل أفراد عائلتها عبر رسائل واتساب”.

ولم يفتها أن تُحدثنا عن استغلال السلطة لحالة الطوارئ الصحية لتزيد من تضييقها على زوجها بحرمانه من زيارات أفراد عائلته بدعوى احترام الإجراءات الصحية.

وشددت أسماء على أن زوجها وبعد كل هذه الانتهاكات التي تعرض لها لا يزال وفق القوانين الدولية “بريئا لم تثبت إدانته، وبإجماع المنظمات الحقوقية الدولية والوطنية والآليات المختصة لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة التي تقر باعتقاله التعسفي وأنه لم يحظ بمحاكمة عادلة”.

وعن وضع الصحافة عموما في المغرب، أكدت أسماء على أن السلطة الرابعة تستحق منا النعي والرثاء، مقتبسة عبارة من إحدى افتتاحيات الصحفي توفيق بوعشرين والتي يقول فيها “عندما يتحول الصحفي من ناقل الأخبار إلى موضوع للأخبار، فاقرأ السلام على مهنة المتاعب”.