يخلد العالم الحر في الثالث من ماي من كل سنة اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يعد فرصة للتذكير بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة باعتبارها من الحقوق الأساسية للإنسان؛ إذ ورد في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير”. كما يعد هذا اليوم فرصة للوقوف عند حال هذه الحرية على المستوى العالمي، ومناسبة للدفاع عن رجال الصحافة والإعلام ضد كل أنواع الهجوم والتضييق الذي يطال عملهم، وتذكيرا للحكومات بضرورة الالتزام بحرية الصحافة، لأن قمع الصحافة والصحفيين مؤشر دال على قمع الشعب بمنع الحقيقة عنه التي يعتبر الصحفيون رسلها، وهو أيضا فرصة للترحم والإشادة بالصحفيين الذين فقدوا أرواحهم في سبيل تنوير المجتمعات والرأي العام المحلي والدولي بالمعلومة الصحيحة والشفافة والنزيهة.

وتعد حرية الصحافة والإعلام أولوية أساسية في أدبيات الأمم المتحدة لما لهذه الحرية من دور بارز في ضمان الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، انطلاقا مما تلعبه حرية الحصول والوصول إلى المعلومات من دور هام في محاربة الفساد العام، وأيضا لما تفتحه من مجالات تعزيز المشاركة العامة في النقاش العمومي. وتستمد الصحافة المستقلة سلطتها من المجتمع الذي تخدمه، فمن خلالها يصبح هذا المجتمع شريكا كاملا في العملية الديمقراطية.

فكيف وجد الثالث من ماي 2021 حال حرية الصحافة ببلادنا؟

1-     وأد للصحافة المستقلة وسادية في التنكيل بالصحفيين

ارتفعت حدة متابعة الصحفيين وتوالت سياسة مصادر حرية الرأي والتعبير بعد أن ظن من اعتبر دستور 2011 قطيعة مع إرث النظام السياسي في التضييق على الكلمة الحر والصحافة المستقلة عن روايته الرسمية، خاصة وأن هذا النص جاء مليئا بعموميات سرعان ما ضيقها القانون، بل ووأدتها الممارسة السلطوية تجاه الصحافة والصحفيين.

ينص الفصل 25 من الدستور على أن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”، ويضيف الفصل 28 “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية – للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة”.

ودون الدخول في القراءات القانونية للقوانين المفصلة لهذه الفصول وخاصة ما ورد من تراجعات في القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر الصادر في سنة 2016، وكذا ما جاء به ما عرف بقانون “تكميم الأفواه” 22.20 الذي صادقت عليه الحكومة في أواسط مارس 2020، فإننا سنقف هنا عند الممارسات السلطوية الساعية إلى وأد الصحافة المستقلة بتوظيف القضاء واختلاق جرائم الحق العام للتنكيل بالصحفيين بالمغرب خاصة بعد تنامي السخط الشعبي على السياسات العمومية وبروز حراكات مجالية وقطاعية واسعة ذات مطالب اجتماعية واقتصادية ملحة لم تجد لها السلطة من حلول سوى قمعها وقمع من كل من يسعى لنقل صور ذلك القمع من صحفيين ومدونين إلى الرأي العام الوطني والدولي.

إن سجل السلطة السياسية بالمغرب، بعد 2011 على الأقل، حافل باستهداف ممنهج للصحافة المستقلة بالمغرب؛ بدءا بقضية اعتقال الصحفي علي أنوزلا سنة 2013، مدير موقع لكم، ومتابعته بفصول الجريمة الإرهابية! مرورا بقضية المؤرخ المعطي منجب وصحفيين كانوا بصدد تدريب بمراكش سنة 2015 يتعلق بصحافة التحقيق ومتابعتهم بتهم تتعلق بالمس بالسلامة الداخلية للدولة وتسلم مساعدات من جهات أجنبية ومنظمات دولية!

طالع أيضا  ذ. أرسلان: التغيير من خارج "المؤسسات" خيار واقعي.. ولا بديل عنه إلا مزيدا من إهدار الزمن

وقد تضاعفت وتيرة الملاحقة بعد حراك الريف ليزج بالصحفي حميد المهداوي مدير موقع “بديل” أثناء تغطيته لمسيرة كان السكان في مدينة الحسيمة يعتزمون تنظيمها يوم 21 يوليوز 2017، وتمت متابعته بتهمة تحريض الناس على التظاهر لتنضاف لها تهمة أخرى تتعلق بعدم التبليغ عن المس بسلامة الدولة إثر مكالمات طائشة تلقاها الصحفي من شخص لا يعرفه يدعي فيها عزمه دبابة إلى المغرب!

وقد انحدر صك الاتهام من هذا المستوى إلى مستوى أحط منه بتوظيف التهم الجنسية لمتابعة سرب آخر من الصحفيين لعل من أبرزهم الصحفي توفيق بوعشرين مدير نشر “أخبار اليوم” و”اليوم 24” الذي تم اعتقاله بعد سيناريو أثار وما يزال الكثير من الجدل والشكوك تعرض على إثره للاعتقال أواخر فبراير 2018، ووجهت له النيابة العامة تهما ثقيلة من قبيل الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر ليصدر في حقه حكم قاس وهو 15 سنة سجنا نافذا!

وبنفس صك الاتهام الذي أضحى مبتذلا ستتابع الصحفية بنفس الجريدة هاجر الريسوني عام 2019 بسنة حبسا نافذا بتهمة الفساد وقبول الإجهاض من الغير بعد أن عانت لمدة قبل اعتقالها من ترصد وتضييق في عملها بسبب تقاريرها الرصينة عن أحداث الريف وجرادة وغيرهما.

وقد وجدت السلطة، المتعطشة لإرجاع عقارب الحرية إلى ما قبل 2011، في أجواء حالة الطوارئ والحجر المنزلي فرصة للمرور للسرعة القصوى لتصفية حساباتها مع ما تبقى من الصحافة المستقلة، باعتقال ثالث صحفي في أخبار اليوم ورئيس تحريرها سليمان الريسوني في ماي 2020 عشية عيد الفطر، ومتابعته بتهمة “هتك العرض بالعنف والاحتجاز”، وهي تهمة يرى كثير من الحقوقيين أنها باتت مستهلكة ولا تُعمِّي عن الخلفيات الحقيقية للاعتقال؛ المتمثلة تحديدا في افتتاحيات الريسوني القوية المنتقدة لدوائر القرار السياسي والأمني ولمسالك التدبير الاقتصادي والاجتماعي، ناهيك عن إدارته التحريرية ليومية “أخبار اليوم” التي لا يُرضي خط تحريرها جهات عليا في السلطة.

وقد انضاف له بعد أسابيع الصحافي والناشط الحقوقي عمر الراضي بنفس التهمة تقريبا مع تهمة أخرى تتعلق بالتخابر مع “عملاء دولة أجنبية”، انتقاما منه على اتهامه للسلطات المغربية بالتجسس على هاتفه بناء على ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية. ويحاكم إلى جانبه في حالة سراح الصحافي عماد استيتو، الذي وجهت إليه تهمة “المشاركة في الاغتصاب” بعدما استُمع إليه شاهدا في الملف ليتحول إلى متهم أيضا!

ويخوض الصحافيان الريسوني والراضي إضربا عن الطعام، علقه الثاني إثر مناشدات مختلفة بسبب تدهور خطير في حالته الصحية احتجاجا على اعتقالهما التعسفي، وسجنهما احتياطيا لما يقارب سنة دون محاكمة، وفي غياب أية أدلة تدينهما، بالإضافة إلى الظلم الذي طالهما قبل وبعد الاعتقال، وحملة التشهير التي رافقتهما من مواقع التشهير المدعومة من الأجهزة الأمنية.

2-     إطلاق العنان لصحافة التشهير

مقابل هذا الإصرار في وأد الصحافة المستقلة والتضييق على الرأي الحر والمخالف حتى في وسائل التواصل الاجتماعي، شهدت الفترة الأخيرة تناسل المواقع الإلكترونية التي انضافت إلى بعض أخواتها المكتوبة التي باتت تتخصص في التشهير بالخصوم السياسيين وأصحاب الرأي الحر والصحفيين المستقلين والحقوقيين البارزين، خاصة في ما يتعلق بالتعرض للحياة الخاصة المقدسة والمحصنة بقوانين السماء والأرض في سعي يائس لإسكات هذه الأصوات وحجم تأثيرها على الرأي العام الوطني والدولي، ونزع المصداقية عنها بالتهم الساقطة المعهودة إن أعوزتهم التهم السياسية المتعلقة بخدمة أجندات خارجية والمس بسلامة الدولة والعمالة للخارج، أو تلك المتعلقة بالمال العام أو غير ذلك كثير. وقد اضطر عدد من ضحايا هذا اللون من الصحافة المأجورة إلى رفع دعاوى قضائية ضد هذه المنابر خارج المغرب بعد يأسهم من القضاء المغربي.

طالع أيضا  "الجبهة" توجه نداءً للنقابات التعليمية من أجل التصدي للتطبيع التربوي

وكان موقع التواصل الاجتماعي الشهير فيسبوك قد أعلن في شهر مارس المنصرم، حذفه أزيد من 385 حساباً و6 صفحات على فيسبوك، و40 حساباً على الإنستغرام تنشط بالمغرب، وإيقافه حملات منظمة تسعى للتلاعب بالنقاشات والمناظرات العمومية من خلال تطبيقاتها، وفقا لتقريرها عن السلوك الزائف المنظم والممارسات داخل شبكتها لشهر فبراير 2021.

الفايسبوك كشف حينها أنه أوقف شبكات مُسيرة هدفها تضليل الرأي العام المغربي عبر حسابات وهمية، نشأت بشكل أساسي في المغرب واستهدفت الجمهور المحلي، وذلك لمهاجمة المدافعين عن حقوق الإنسان ومنتقدي السياسة الرسمية، وتأكدت الشركة من الأمر بعد مراجعتها معلومات سبق أن نشرتها منظمة أمنستي الدولية سابقا.

وأوضح أن هذه الحسابات، التي تشتغل وفق نموذج “الذباب الإلكتروني” سيء الذكر، تعلق على الأخبار والأحداث الجارية في المغرب، وتثني على كل ما هو رسمي، انطلاقاً من تعامل الدولة مع الجائحة والعمل الدبلوماسي المغربي، وكذا كيل المديح للخطط الأمنية والملك محمد السادس والمدير العام لمراقبة التراب الوطني.

ولأن الأمر أصبح مكشوفا وغير مقبول ولا مرحب به، فقد استنكر أزيد من مائة صحافية وصحافي مهني مغربي في يوليوز من العام المنصرم ممارسات “التشهير والسب والقذف” الذي تمارسه مواقع محسوبة على الجسم الصحافي، ويطال زملاءهم الصحفيين والشخصيات العمومية، واصفا إياها بـ“التغول” الذي تعيشه منابر “جعلت من خطها التحريري مهاجمة الأصوات التي تزعج بعض الأطراف في السلطة”.

البيان الذي وقعه صحافيون وصحافيات بأسمائهم، تم توجيهه إلى كل من “السلطات العمومية والوزارة الوصية على قطاع الإعلام والاتصال والمجلس الوطني للصحافة، والإطارات والهياكل النقابية الوطنية للصحافة والإعلام، وكذلك لتجمع المعلنين المغاربة”، لأن الوضع الخطير الذي تحاول “آلية التشهير” ترسيخه هو “أن بعض هذه المواقع وضع نفسه مكان سلطة الاتهام بحيث لا تتوانى في توجيه التهم بالعمالة والتجسس”.

وطالب الموقعون من السلطات العمومية والوزارة الوصية على قطاع الإعلام والاتصال “ربط الاستفادة من دعم الدولة باحترام أخلاقيات المهنة واستبعاد المواقع والجرائد المتورطة في عملية التشهير عبر أخذ رأي المجلس الوطني للصحافة”، كما طالب المجلس الوطني للصحافة بـ “تحريك مساطر التوبيخ والعزل في حق الصحافيين والصحافيات والمنابر الإعلامية التي تحترف التشهير والإساءة للأشخاص وخرق ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة الذي اتخذه المجلس نفسه”.

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (3).. "شْحالْ قَدّك من أستغفر الله يا البَايْت بْلا عْشا"

3-     صورة قاتمة عن البلد

هذا الجنوح المقصود نحو تصفية كل الآراء المعارضة كان طبيعيا أن تعقبه صورة سوداوية أصبحت لصيقة بالمغرب كلما تعلق الأمر بالحريات السياسية وعلى رأسها حرية الصحافة، حيث تراجع المغرب بثلاث مراكز إلى الرتبة 136 من أصل 180 دولة في التقرير السنوي لسنة 2021 الذي أًصدرته منظمة “مراسلون بلا حدود”، والذي يرصد وضعية حرية الصحافة العالمية! إذ أكدت المنظمة الدولية أن المغرب “يعيش منذ سنوات على وقع استهداف أبرز الناقدين لدوائر صنع القرار” واستدلت على ذلك بقضايا كل من المعطي منجب وعمر الراضي وعماد ستيتو وسليمان الريسوني، الذين يواجهون محنة حقيقية أمام المحاكم، إما “بقضايا أخلاقية أو بتهم لا علاقة لها بأنشطتهم الصحفية، من قبيل المس بسلامة أمن الدولة”.

كما جاء في تقرير لجنة حماية الصحفيين “Committee to Protect Journalists” عن وضع الصحافة وحرية التعبير بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعد عشر سنوات مرّت على انطلاقة الربيع العربي سنة 2011، أن صحفيين في المغرب يعتقلون “على خلفية اتهامات مرتبطة بقانون مكافحة الإرهاب أو غيرها من التهم الجنائية انتقاماً منهم بسبب عملهم”.

هذا الوضع المتردي لحرية الصحافة بالمغرب كان أيضا محط رصد الصحافة العالمية إذ تطرقت افتتاحية “الواشنطن بوست The Washington Post”‏ الأمريكية في 30 أبريل الماضي إلى قضية سليمان الريسوني الذي قالت أنه عُرف “بانتقاده لفساد الحكومة ودعمه للإصلاح السياسي”، وكذا قضية عمر الراضي الذي وصفته “بالصحفي الاستقصائي الحائز على عدة جوائز” والذي “يكتب هو الآخر عن الفساد كما عمل مراسلاً لوسائل إعلام الدولية”.

بدورها واكبت الصحيفة الفرنسية الأشهر “لوموند le monde” قضية الصحفيين وكتبت مقالا تحت عنوان: “في المغرب المناخ القمعي يشتد ضد الصحافة” جاء فيه أن “حرية الصحافة في المغرب تمر بأوقات عصيبة”، في الوقت الذي تلعب فيه صحافة “التشهير” المرتبطة بالأجهزة الأمنية بالمغرب “دورا كبيرا في الحملات التي تلطخ سمعة الأصوات الناقدة في المغرب، من خلال نشرها لمعلومات تتعلق بقضايا أخلاقية تخصهم حقيقية كانت أو مفترضة”.

4-     إلى أين؟

إنها محنة حقيقية تمر بها حرية الصحافة بالمغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى، محنة تسائل العقلية التسلطية إن بقي في جمجمتها ذرة عقل وتعقل عن المآل الذي تدفع إليه البلد في ظل هذا الإصرار المستميت على تكميم الأفواه وتنميط الرأي وتسطيح النقاش العمومي وتمييع الذوق العام.

فهل تدرك السلطة حجم التحولات المعتملة في بيئتها المحلية والعالمية لتعي أن هذا الرهان خاسر بل هو وقوف في وجه مدّ الحرية المصاحب للطفرة التكنولوجية التي كسرت كل قيود السلطوية والتسلط، وما تجارب 2011 عنا ببعيد؟