يخلد المغاربة ذكرى اليوم العالمي للصحافة، التي تصادف الثالث من ماي من كل سنة، للسنة الثانية على التوالي في ظل وباء كورونا المستجد، الذي جعلته السلطات مطية لتشديد الخناق على الحقوق والحريات، ومواصلة متابعة الصحافيين وملاحقتهم، كما يرى مراقبون.

تقرير منظمة مراسلون بلا حدود السنوي الذي يرصد وضعية حرية الصحافة العالمية، الصادر الشهر الماضي، صنف المغرب في وضعية خطيرة جداً، وسجل تراجعه بثلاث مراكز عن السنة الماضية، حيث جاء في الرتبة 136 من أصل 180 دولة، مشيراً إلى أن المغرب “يعيش منذ سنوات على وقع استهداف أبرز الناقدين لدوائر صنع القرار“، وذلك بتكشير السلطات عن أنيابها ضد أربعة صحفيين، ويتعلق الأمر بكل من المعطي منجب وعمر الراضي وعماد ستيتو وسليمان الريسوني، الذين يواجهون محنة حقيقية أمام المحاكم، إما “بقضايا أخلاقية أو بتهم لا علاقة لها بأنشطتهم الصحفية، من قبيل المس بسلامة أمن الدولة“.

الصحافي حميد المهداوي قال إنه “يكفي اليوم أن يُطرح السؤال على مواطن عادي بسيط، وليس على صحافي أو مهتم بالشأن العام، عن واقع حرية الصحافة في المغرب حتى تكون الإجابة تلقائية، بكونه واقع مأزوم ومؤلم، وهذا أكبر دليل على واقع حرية الصحافة في المغرب، بالنظر لحجم المتابعات والاعتقالات التي طالت الصحافيين في السنوات الأخيرة“.

وأضاف المهداوي في تصريحه لموقع الجماعة. نت بقوله إنه “في عز ما يسمى بسنوات الجمر والرصاص لم يدن صحافي بخمسة عشر سنة ولا بقي آخرون اثنى عشر شهرا داخل السجن دون أن يصدر في حقهم ولو حكم مؤقت، ولا عرفت تلك الفترة قضاء صحافي مهني عقوبته إلى نهايتها“. مشيراً إلى أنه قد “جرى استغلال فترة جائحة كورونا لمحاصرة الصحافيين أكثر” ما تسبب في تراجع المغرب إلى المرتبة 136 عالمياً، وهي حسبه “مرتبة مخجلة جداً جداً، خاصة إذا علمنا أن دولا كافغانستان والبنين و البيرو وغيرهم يتقدمون علينا كثيرا على هذا الصعيد“.

طالع أيضا  ذ. ابن الخيلية: مفهوم اقتحام العقبة من المفاهيم المنهاجية الكبرى لمشروع العدل والإحسان

الفاعل الشبابي بوبكر الونخاري رأى أننا نعيش “لحظة اعتداء سافر من السلطوية على حرية التعبير، وفي قلبها الصحافة“، مضيفاً أن علينا ألا ننسى أن “صحفيين مهنيين معروفين بانتقاد السلطة يوجدون خلف القضبان في قضايا لا يتردد الحقوقيون في وصفها بالانتقامية والكيدية“.

وضمن تصريح خص به الموقع أضاف الونخاري بأن الصحفيين الريسوني والراضي وبوعشرين “نماذج كافية لإعطاء ولو لمحة بسيطة عن الواقع، الذي يؤكد أن السلطوية تعمل على تصفية الأصوات الحرة، وقتل أي إمكانية لانبثاق صحافة قوية تشكل سلطة فعلية، آخر النماذج توقف صحيفة “أخبار اليوم”، التي يوجد مؤسسها وأيضا رئيس تحريرها في السجن“. بالإضافة إلى أن هناك في المقابل “تمدداً” للصحافة التي توصف بـ”البوليسية”، التي لا تتورع -حسبه- عن التشهير بالمعارضين وتمييع وتسميم الفضاء العام وذوق المجتمع، ضمن خطة ترعاها السلطة وتريد من خلالها قتل أي إمكانية لميلاد صحافة مهنية.

أما الناشط الحقوقي عبد الرزاق بوغنبور فقد قال إن “الممارسين للعمل الصحفي بالمغرب يعيشون ظروفا صعبة” وذلك نتيجة التضييق على مهامهم ووجود العديد من الخطوط الحمراء أمامهم، بالإضافة إلى عامل غياب المعلومة وصعوبة الوصول إليها، مضيفاً أن الوضع الإعلامي بالمغرب يعرف “ضعفا في الضمانات الدستورية والقانونية الكفيلة بحماية حرية الصحافة وحق الولوج إلى المعلومة بدون قيود، واستمرارا لانتهاك حرية الصحافة، والمتابعات والاعتقالات والمحاكمات غير العادلة ومنع بعض الجرائد الوطنية والأجنبية من التداول وفرض الرقابة عليها“.

منسق هيئة مساندة الراضي الريسوني ومنجيب وكافة ضحايا حرية التعبير بالمغرب، أشار إلى أن السلطات واصلت هذه السنة “سياسة الضبط والتحكم في المجال الصحفي” عبر طبخ الملفات والمتابعات القضائية، وفبركة الاتهامات وتوظيف القضاء من أجل استصدار الأحكام والعقوبات السجنية والغرامات المالية الكبيرة، والتضييق على مصادر التمويل والإشهار، بالإضافة إلى بسط السيطرة والوصاية من طرف الدولة ومؤسساتها على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الممولة من طرف المواطنين، وتوظيفها لخدمة سياسات تتعارض، في الغالب، مع مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان، ولا تخدم مصالح المواطنين؛ وتحرم المنظمات الحقوقية وكافة الهيئات المعارضة لسياسات الدولة، أو المدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، من الاستفادة من خدمات وسائل الإعلام العمومية لتبليغ تصوراتها وشرح مواقفها.

طالع أيضا  هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: لازم ومتعدّ (6)/الفعل اللازم

الرئيس السابق للعصبة المغربية لحقوق الإنسان أضاف أن تصحيح هذه الوضعية المزرية والماسة بصورة المغرب يتطلب “ضرورة مراجعة القوانين الثلاثة: قانون الصحافة والنشر، وقانون الحق في الوصول إلى المعلومة، والقانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة“، بما يجعلها تستجيب لتطلعات نساء ورجال الإعلام ولمطالب الحركة الحقوقية المغربية، وتدعم حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، وأمام التقارير الدولية والوطنية التي تؤكد أن الصحفيين باتوا مستهدفين من أجل التحكم في الإعلام المخالف لخدمة أجندة الدولة. وأكد بوغنبور أنه أضحى ضروريا “الإطلاق الفوري لسراح كل الصحفيين والإعلاميين والمدونين الذين مستهم الاعتقالات التعسفية والمتابعات والاستنطاقات والتضييقات، وإلغاء كل المتابعات الجارية ضدهم، والأحكام الجائرة الصادرة في حق البعض منهم“.

وختم بوغنبور تصريحه بمناسبة هذا اليوم العالمي بالإلحاح على “وجوب جعل الصحافة، وعلى رأسها وسائل الإعلام العمومية، في خدمة قيم حقوق الإنسان والتربية عليها، وقضايا المواطنات والمواطنين، ومناهضة الكراهية والعنصرية والعنف“، بالإضافة إلى فتح المجال أمام كل الهيئات والمشارب الفكرية والسياسية والثقافية للتعبير عن آرائها والاستفادة من خدمات الإعلام العمومي. مع ضرورة حماية الصحافيات والصحافيين، الذين يقومون بتغطية ونقل أخبار الحركة الحقوقية وباقي الحركات الاحتجاجية تنويرا للرأي العام، وتمكينهم من الحق في الولوج إلى المعلومة في إطار حماية المصادر، وحمايتهم من الاعتداءات، والنهوض بأوضاعهم المهنية، وتمكينهم من كامل حقوقهم بما فيها الاقتصادية والاجتماعية.