محطات كبرى في مسيرة “العدل والإحسان” المغربية (1/2)

استعرضنا في الحلقة السابقة المعالم الكبرى في حياة وشخصية الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، باعتباره مؤسس جماعة العدل والإحسان ومرشدها ومربيها ومنظر منهاجها، ورأينا كيف جمع في تكوينه بين الأصالة الشرعية والانفتاح على العلوم المعاصرة، حيث نهل من المعاهد الدينية العريقة وحرص على تعلم عدد من اللغات الأجنبية بشكل عصامي ليطلع مباشرة على العلوم العصرية بلغاتها، وكيف أهله ذلك ليكون من الأطر الكبرى التي أسهمت بشكل فعال في هندسة المنظومة التعليمية بالمغرب بعيد الاستقلال. 

كما رأينا بعض المواقف الجريئة غير المسبوقة للرجل في مواجهته للسلطة الحاكمة، سواء في رسالته “الإسلام أو الطوفان” الموجهة للملك الراحل الحسن الثاني، التي كانت بحق مؤشرا عن تحول الأستاذ ياسين من السلوك الطرقي إلى السلوك المنهاجي الجامع، أو في “مذكرة إلى من يهمه الأمر” إلى الملك الحالي. ووقفنا على أن الأمام ياسين جمع الله تعالى فيه ما لا نجده إلا نادرا في غيره، حيث كان مربيا ومفكرا ومنظرا وسياسيا وداعية.


وتتبعنا كذلك في هذه الحلقة الإرهاصات الأولى لتأسيس جماعة العدل والإحسان، من خلال استعراض بعض الخطىوات التي أقدم عليها الإمام رحمه الله، بمعية الرعيل الأول من أصحابه خاصة الأساتذة محمد العلوي وأحمد الملاخ وعلي سقراط رحمهم الله جميعا، والذين التحقوا به فيما بعد وخاصة الأساتذة محمد عبادي وفتح الله أرسلان، ومحمد بشيري وعبد الواحد متوكل..

في هذه الحلقة الثالثة، نحاول تسليط الأضواء على المحطات الكبرى في تاريخ الجماعة من خلال الاجتهاد في وضع تحقيب واضح لأهم مراحلها، الأمر الذي لم ينل  بعد الاهتمام الذي يستحقه، رغم الجهود المبذولة في هذا الاتجاه، خاصة في المواقع الرسمية للجماعة.

يمكننا الحديث عن ست مراحل كبرى في تاريخ الجماعة، بالنظر للمعالم الرئيسية التي طبعت كل مرحلة وجعلتها مميزة عن غيرها، على المستويات التربوية والفكرية والتنظيمية والسياسية. وسنقسم هذه الحلقة لجزأين، نخصص كل جزء لثلاث مراحل.

المرحلة الأولى ـ التأسيس وإثبات الوجود (من 1981م إلى 1985م)
 
أهم محطات هذه المرحلة:

1 ـ محاولات توحيد العمل الإسلامي وتأسيس “أسرة الجماعة” ونشر الإطار المذهبي (الإيديولوجي) للجماعة (“المنهاج النبوي”): 

بعد خروج الإمام ياسين من محنة ما بعد رسالة “الإسلام أو الطوفان”، التي لقي فيها صنوفا شتى من التنكيل التي وصلت إلى حد الزج به في مشفى المجانين، كأن الحاكمين يعتبرون من يجرؤ على نصحهم بقوة ووضوح من المجانين، لم يثنه ذلك من مواصلة مساره الدعوي، حيث حاول، بمعية الرعيل الأول ممن آمن بدعوته، توحيد العمل الإسلامي في المغرب بالتواصل مع رواده، مقترحا تصورا لهذا العمل؛ لكن هذه المحاولة لم تلق النجاح المأمول.

 
بعد ذلك، أسس الإمام ياسين اللبنة الأولى لتنزيل مشروعه الدعوي، وشكل صدور العدد الأول من مجلة “الجماعة” في شباط (فبراير) 1979 نواته، حيث كانت هذه المجلة منبرا لبسط مشروعه والتواصل في شأنه مع الجمهور، ومن خلالها تعرف كثيرون على هذا المشروع والتفوا حوله. وفي العدد السابع منها أعلن تأسيس “أسرة الجماعة” عام 1981. 

وحرصا على الوضوح والعلنية، وهما من أبرز خصائص المشروع المنهاجي للإمام ياسين، وقد ألح عليهما في وقت كانت فيه جل الفصائل الإسلامية وغيرها تفضل خيار السرية، عمل رحمه الله على التأسيس القانوني لهذه الجماعة، فأسس “الجمعية الخيرية الإسلامية” في نيسان (أبريل) 1983، وهي جمعية دعوية ذات بعد سياسي ستتخذ شعار “العدل والإحسان” بدء من سنة 1987. 

ولعل تسمية هذه الحركة بـ “أسرة الجماعة” مؤشر على أن هدف توحيد العمل الإسلامي بالمغرب بقي حاضرا في مشروع الإمام ، إذ أن الأمر يتعلق بأسرة من دوحة العمل الإسلامي. 

في نفس الفترة، تم بسط ونشر كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”  في أعداد مجلة الجماعة بدأ من العدد السابع سنة 1981، ويعد هذا الكتاب بمثابة الإطار المذهبي (الإيديولوجي) للجماعة، وفيه بسط الإمام ياسين رحمه الله المعالم الكبرى لمشروعه الدعوي، والتي سيأتي تفصيلها في باقي مؤلفاته. (يمكن الاطلاع على هذا الكتاب وجميع كتب الإمام المنشورة، وتحميلها من موقع موسوعة سراج siraj.net.)

طالع أيضا  العدل والإحسان تعقد رباطها الربيعي عن بعد تحت شعار "التوبة والقرآن"

2 ـ مجالس الثلاثاء وبسط المنهاج النبوي: 

وهي مجالس أسبوعية حرص الإمام ياسين رحمه الله على تنظيمها في بيته (بعد انتقاله لمدينة سلا، قرب العاصمة الرباط)، ويحضر فيها عشرات من الذين اقتنعوا بمشروعه، وفيها كان يبسط مفردات مشروعه. ويمكننا اعتبار هذه المجالس من المجالس التي أسهمت كثيرا في تربية الرعيل الأول من أعضاء الجماعة وتكوينهم، وإرساء دعائم الجماعة.

3 ـ التركيز على الأساس التربوي في بناء الجماعة:
 
من أسس المشروع المنهاجي الذي أثله الإمام ياسين رحمه الله التركيز الدائم على الأساس التربوي، من أجل تقوية الصلة بالله تعالى، بالاجتهاد في مختلف القربات من الفرائض والنوافل في اليوم والليلة، من إقامة الصلاة في وقتها، والمحافظة على الرواتب وقيام الليل، والاستغراق في ذكر الله تعالى، والتفقه في الدين، وملازمة مجالس المؤمنين، والاجتهاد في الدراسة والعمل الوظيفي والمشاركة في العمل الدعوي….تأسيا بالتربية النبوية للصحابة رضي الله عنه، وقد جمعت هذه القربات في كتيب “يوم المؤمن وليلته” الذي نشر أول الأمر ضمن كتاب “المنهاج النبوي”، ثم طبع مستقلا وترجم لعدة لغات. 

ومن ثمار هذا المنهج التربوي تربية أجيال من الإخوان والأخوات على هذه المعاني، الذين لم تثنهم المحن المتتالية التي لقوها عن حمل هذه الدعوة وتبليغها. ولعل هذا التركيز على الأساس التربوي مما جعل البعض يصف الجماعة بكونها طريقة صوفية، كأن العكوف على باب الله تعالى والاجتهاد في التقرب إليه سبحانه تعالى ليس من صميم السنة النبوية، وأنه خاص بأهل التصوف.

4 ـ الخروج الإعلامي والمحنة الثانية للإمام:

مواصلة لنهج العلنية والوضوح، أصدر الإمام ياسين في 1983 جريدة “الصبح” التي اتخذ لها شعارا قوله سبحانه في سورة هود(81): “إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَیۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِیب” إثر ذلك، اعتقل وزج به في السجن لمدة سنتين، بتهم واهية، لكن السبب الحقيقي لهذا الاعتقال هو مقال مطول بعنوان “قول وفعل: رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام” الذي كان افتتاحيةً للعدد 10 من “مجلة الجماعة” بتاريخ فاتح رمضان1402 – يوليوز 1982، والذي انتقد فيه بجرأته المعهودة رسالة ملك المغرب بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري إلى رؤساء الدول العربية وزعمائها.

المرحلة الثانية: الشروع في تنزيل كليات التصور المنهاجي وإرساء الهيكلة الأولية للجماعة (1986م إلى 1989م): 

أهم محطاتها:

1 ـ البناء الهيكلي الأول: 

وضع الأستاذ ياسين رحمه الله الإطار التنظيمي للجماعة في فصل “التنظيم” في كتاب “المنهاج النبوي”، وشرع في تنزيل جزء مهم منه خلال هذه المرحلة، بدء بانتخاب أول “مجلس إرشاد” للجماعة في شتنبر 1981، وهو القيادة التربوية والسياسية التي تشرف على سيرها بمعية المرشد العام، ثم المجالس التربوية التي تعد بمثابة محاضن يتلقى فيها الأعضاء التربية والتفقه في الدين ومدارسة التصور المنهاجي، وهي متنوعة من أسر ورباطات ولقاءات عامة، وشعب وجهات تتابع العمل في الأحياء والمدن…. 

2 ـ اتخاذ العدل والإحسان شعارا: 

في أيلول (سبتمبر) 1987 اتخذت الجماعة شعار”العدل والإحسان” المستمد من قوله تعالى في سورة النحل (90): “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”، ومنذ ذلك التاريخ عرفت بجماعة العدل والإحسان، ويلخص هذا الشعار مشروع الجماعة الذي يرتكزعلى غايتين: الغاية الإحسانية المتمثلة في الاجتهاد الدائم في التقرب إلى الله تعالى والترقي في مدارج الدين من إسلام لإيمان لإحسان، كما بينها حديث جبريل عليه السلام، والغاية الاستخلافية وهي السعي لتحقيق العدل في المجتمع والأمة وتحكيم شرع الله. وهذان المطلبان متكاملان ومتلازمان في سير العبد لنيل رضى ربه، وفي سعي الأمة لاسترجاع مجدها وكرامتها. وما فتئت الجماعة تؤكد في أهدافها ووسائلها أنها لا ترضى بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا بغاية دون الإحسان. وترى أن العدل والإحسان هما أم القضايا وأبوها في الدين والدنيا، في الدعوة والدولة، وفي المصير السياسي والمصير الأخروي.

طالع أيضا  د. الرضى: القرآن الكريم معراج سلوك أرباب القلوب المولعة بحب الرحمن

3 ـ مجلس التنفيذ: 

تأسس هذا المجلس في 1986، وهو أعلى مؤسسة في الجماعة آنذاك بعد مجلس الإرشاد، يتابع عمل الجماعة في كل المجالات والمستويات، ويقيمه، ويضع الخطوط العريضة للبرامج السنوية، وكان مشكلا من عدة لجن وظيفية وتنظيمية، مثل لجنة كتائب الدعوة (تشرف على نشر الدعوة وتتبع سيرها)، ولجنة التعليم (تشرف على توسيع قاعدة رجال ونساء التعليم في الجماعة وتأطيرهم)، ولجنة الترشيد (تشرف على الدعوة في صفوف التلاميذ، وتوجيههم دراسيا واكتشاف مواهبهم في المجالات الأدبية والفنية وغيرها مثل الأناشيد والمسرح والرياضات….)، واللجنة العلمية (تتصدى للتكوين والتأطير الشرعيين)، ولجنة التوعية السياسية، ولجنة الأطر، ولجنة العمل الطلابي، وغيرها من اللجن التي ستتوزع فيما بعد بين الدائرة السياسية والهيئات الدعوية، كما سنرى لاحقا. وقد كان مجلس التنفيذ هذا بحق بمثابة ورشات لتنزيل التصور المنهاجي في مختلف المجالات والمستويات. وكان يجمع بين الوظائف التنفيذية والشورية والاستشرافية والتكوينية بامتياز. ونظرا لهذه الأهمية، بقي هذا المجلس غير معلن، إلى أن عوضه مجلس الشورى سنة 1996.
 
4 ـ محنة الاعتقالات: 

تميزت هذه المرحلة بالظهور القوي للجماعة في الشارع من خلال المسيرات والوقفات والاعتصامات دفاعا عن حقوقها ونصرة لقضايا الشعب والأمة وخاصة قضية فلسطين. كما تمثل هذا الظهور في بروز فصيل طلبة العدل والإحسان في الساحة الجامعية وكسبه لثقة الجماهير الطلابية.

وحاولت السلطات كبح هذا التوسع بسلسلة من الاعتقالات التي طالت مستويين من المسؤولين، هما المستوى الأول ممثلا في القيادة الوطنية، أي مجلس الإرشاد الذي اعتقل خمسة من أعضائه وحكم عليهم بالسجن سنتين، وهم الأساتذة محمد عبادي،(الأمين العام الحالي للجماعة) وفتح الله أرسلان، ومحمد العلوي، وعبد الواحد متوكل، ومحمد البشيري)، واعتقل معهم عبد الله الشيباني، صهر الإمام ياسين، وشاء الله أن يبقى عضو واحد من مجلس الإرشاد غير معتقل وهو الأستاذ أبوبكر بن الصديق، الذي تصدى لتسيير أمور الجماعة في هذه الفترة العصيبة بمعية الرعيل الثاني من قياداتها، (وهم الذين سينتخبون فيما بعد أعضاء جددا في مجلس الأرشاد). 

أما المستوى الثاني فشمل قيادات محلية وجهوية في مدن مختلفة، تم الحكم عليهم بالسجن لمدد مختلفة أواخر سنة 1989. وبذلك يتضح أن هذه الاعتقالات كانت تستهدف فصل القيادة عن القاعدة، لإرباك سير الجماعة التي بدأ توسعها يقلق الدوائر الحاكمة.
 
وتجدر الإشارة أنه في خضم هذه الابتلاءات، جرت “مفاوضات” غير مباشرة بين السلطة المغربية وقيادة الجماعة، وهي حدث لم يحظ بعد بما يستحق من مدارسة وتحليل، وظل مسكوتا عنه من الطرفين لمدة طويلة، فقد أرسلت هذه السلطة مبعوثها إلى الإمام ياسين لمفاوضته، غير أنه اشترط حضور أعضاء مجلس الإرشاد الذين زج بهم في السجن وقتئذ. 

وعرضت السلطة على قيادة الجماعة تسوية وضعيتها، وتمتيعها بكل الحقوق، بما في ذلك حرية الدعوة والتنظيم وإطلاق سراح معتقليها، بشرط مكاتبة ملك البلاد ومخاطبته بعبارة “أمير المؤمنين”… وهو الشرط الذي لم يقبله مرشد ومجلس إرشاد الجماعة، لأنهم يرون فيه مساومة على مبادئ الجماعة. فانتهت هذه المفاوضات بالفشل.

في هذا السياق، حاولت السلطات إحكام خطتها لفصل قيادة الجماعة عن قاعدتها، فوضعت مرشدها الإمام عبد السلام ياسين في الإقامة الإجبارية بدأ من 30 كانون الأول (ديسمبر) 1989، ولمدة عشر سنوات، منع خلالها من مغادرة بيته، ومن استقبال أي أحد، بمن فيهم أفراد عائلته. 

وقد قضى الإمام ياسين هذه الفترة في التبتل والعبادة والمطالعة والتأليف، وكان من ثمارها مزيد من الكتب التي فصلت المشروع المنهاجي، وخاصة كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” الذي بسط فيه رؤيته للعلاقة بين الدولة والدعوة، وللتحديات التي تنتظر الإسلاميين في طريقهم للحكم وأثناء ممارستهم له، وكيف يمكنهم مواجهة هذه التحديات، وكتاب “تنوير المؤمنات” الذي صدر في جزأين، وفصل فيه الإمام ياسين قضية المرأة وأدوارها في التربية والتغيير داخل الأسرة وفي المجتمع وفق رؤية تجديدية. (يمكن الاطلاع على الكتابين وتحميلهما في موسوعة مؤلفات الإمام سراج siraj.net)

طالع أيضا  تحرير القدس مدخل لتحرير الأمة

ولم تكتف السلطات بهذا الحصار، بل أصدرت قرارا إداريا بحل الجماعة، وبدأت تضغط على قيادييها للتوقيع عليه. واختارت الجماعة بتوجيه من مرشدها العمل بـ “استراتيجية خامة الزرع”، التي تنحني للعاصفة، ثم سرعان ما تستقيم بعدها. فسمحت لقيادييها بالتوقيع على الحل، لكن في نفس الوقت تمت مواصلة عمل الجماعة وفق خطة جديدة، لا تثير انتباه السلطات.
 
واستغلت الجماعة بعيد ذلك حدث المحاكمة الاستئنافية لأعضاء مجلس الإرشاد يوم 8 ماي 1990، لتقوم بإنزال قوي في العاصمة الرباط، حيث كانت تجري تلك المحاكمة، ولتجيب عمليا على قرار حل للجماعة. وقد قوبل ذلك بقمع شديد من المخزن، وباعتقال المئات من الأعضاء.

ومن جميل الموافقات الإلهية، أن ذلك الرد العنيف على مظاهرة سلمية، والذي وثقته وسائل إعلام محلية ودولية، تم في نفس اليوم الذي أعلن فيه ملك المغرب عن تأسيس “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان”، بل لم تفصل بين مكان هذا الإعلان ومكان المظاهرة التي قمعت بشراسة، سوى مسافة قليلة. فكان هذا التناقض بين الخطاب والممارسة أكبر دليل على مدى احترام حقوق الإنسان في المغرب.

المرحلة الثالثة: ترسيخ الأساس التربوي وتحقيق التوسع الدعوي وتأسيس مجلس الشورى(1989 إلى 1997م):

 1 ـ التغلغل المجتمعي وسط الفئات الفاعلة: 

عرفت مرحلة التسعينيات أكبر توسع نوعي وعددي للجماعة، رغم ما عاشته من مضايقات، فقد امتد عملها إلى جل أنحاء المغرب، كما تعززت قاعدتها كثيرا بالفئات المتعلمة وخاصة التلاميذ والطلبة ورجال ونساء التعليم والأطر، وتوج ذلك بإعلان الفصيل الطلابي للجماعة سنة 1998، واكتساحه للجامعات المغربية (سيأتي تفصيل هذا القطاع الحيوي لاحقا إن شاء الله).

وقد حاولت السلطات عرقلة هذا الامتداد الدعوي في الجامعات، فشنت حملة كبيرة من التضييق والاعتقالات في صفوف القيادات الطلابية، موظفة في ذلك الصراع المحتدم فيها بين الطلبة الإسلاميين واليساريين. وشهدت كلية الطب بالدار البيضاء أهم حلقات هذه الحملة، والتي وصلت إلى استشهاد طالب من فصيل الجماعة، وكذا جامعتي فاس ووجدة، حيث اعتقل عشرون من القيادات الطلابية للجماعة وحكم عليهم بعشرين سنة من السجن.
 
2 ـ توسيع مجلس الإرشاد وترسيخ الأساس التربوي: 

في هذه الفترة أيضا، شهدت الجماعة تطورا تنظيميا وتربويا، بتوسيع وتشبيب مجلس الإرشاد حيث انتخب فيه عشرة من القيادات الوطنية سنة 1996، في نفس الفترة غادر المجلس الأستاذ محمد البشيري رحمه الله، الذي كان من أبرز أعضائه، على خلفية عدم اقتناعه بالنهج التربوي للجماعة؛ وقد شكل ذلك هزة كبيرة للجماعة، لكنها لم تصل إلى ما هو معتاد في بعض الحركات من انشقاق الجماعة وتفكك بنيتها التنظيمية وخلخلة مشروعها. 

وتم التركيز في هذه المرحلة على “مجالس إحياء الربانية” التي ستحمل فيما بعد اسم “مجالس النصيحة”، من أجل ترسيخ هذا البعد الذي عانى من مزاحمة باقي جبهات العمل.

3 ـ تأسيس مجلس الشورى:

في نهاية هذه المرحلة، تم حل مجلس التنفيذ السالف ذكره، وتأسس مجلس الشورى ليصبح أعلى سلطة شورية في هيكلة الجماعة. وهو مكون من منتدبين عن المؤسسات المركزية والإقليمية من الإخوان والأخوات الذين ينتخبون في كل ولاية، ويتولى هذا المجلس عدة مهام، مثل التقييم الدوري للعمل، ووضع الخطط الاستراتيجية وانتخاب الأمين العام ومجلس الإرشاد، وباقي القيادات الدعوية والسياسية.