بقلم: الـمصطفـى سـنـكي

ومن أكثر الأمثال شعبيةً وتداولا لسببين: أولهما سهولته لغة وبساطته تركيبا؛ وثانيهما وضوح معناه، الـمثل الدارج: “اللِّـي حْرَثُــو الجمل دكُّــو”، وهو ما يعني تسهيلا للفهم: “ما حرثَـه الجملُ دكّـه وسوّاه”.

وإذا كانت القصة كما تفهم من منطوق الـمثل تتعلق بالـمُزارع الذي اختار الحرث التقليدي بواسطة الجمل، فما يُحرثُ ذهابا يُـسوى بحوافر الجمل معلومة الشكل إيابا، لتنتهي جهود الـمُزارع وجَملُه دون نتيجة؛ فالـمثل يواجَه به من هدر جهدا وبذرا ووقتا فـي غير فائدة أو طائل، حيث ينطبق عليه القول الشائع: عود علـى بدء. وعليه، فالـمثل تنبيه إلــى اختيار الوسائل الـمعتمدة من حيث نجاعتُها ضمانا لتحقيق الأهداف الـمنشودة.

وإذا كانت التجارب الـميدانية أكسبت الـمثل الـمصداقية، فالقرآن الكريم أثبت هذه الحقيقة كما حكاها عــــن خرقاء مكة في سورة النحل: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا، نَــقْضُ الغزل بعد جهد هُدر فـي إبرامه وفتله.

وفـي ذات السياق يأتـــي حديث الـمُفلس الذي صوّر كيف يُضيِّع الـمسلم جهوده وأعماله الصالحة، فيجد نفسه بعد الحساب دون زاد وحسنات، بل وتزداد فـي صحيفته السيئات ويطرح فـي النار. عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “أتدرونَ مَنِ الـمُفْلِسُ؟” قالوا: الـمفْلسُ فِينَا مَنْ لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتَاع، فَقَالَ: “إنَّ الـمُفْلسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يَومَ القيامَةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزَكاةٍ، ويأتي وقَدْ شَتَمَ هَذَا، وقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مالَ هَذَا، وسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيُعْطَــــى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسناتهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قَبْل أنْ يُقضى مَا عَلَيهِ، أُخِذَ منْ خَطَاياهُم فَطُرِحَتْ عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فـي النَّار”.

واعتبارا لخطورة نقض الأعمال وسوء عاقبتها نزع الحق سبحانه على أصحاب هذا السلوك صفة الإدراك والعقل وصنفهم بهائم صماء بكماء، يقول عز سلطانه فـي سورة “الأنفال”: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ. وفـي سورة “محمد” جاء التحذير من نقض الأعمال وإفسادها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ. فلا عجب أن يستعيذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا السلوك يعلمنا سؤال السداد والرشاد تثبيتا للأعمال: “اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور”.

وعليه، وتفاديا لهدر الجهود فـي غير فائدة، وتفاديا للحسرة والندم حيث لا تنفع حسرة أو ندم، وجب على الإنسان تصحيح منطلقات عمله وحركته، تجديدا للنية، إذ الأعمال بالنيات، واختيارا لأجود الطرق والوسائل تطلعا لأحسن النتائج، فالأمور بمخرجاتها وحصيلتها، والعبرة فـي النهاية فــي بلوغ الأهداف بأقل الجهود، وهذا أحد تجليات معانـي الإحسان الذي يناقض العشوائية والارتجالية الذي يجب علـى الـمنظومة التربوية أن تـنشيء عليها الأجيال، محاربة لتبذير فرص النجاح، إن علـى الـمستوى الفردي أو الجماعــي. فمن صحت بدايته أشرقت نهايته.  

طالع أيضا  الجبهة المغربية لدعم فلسطين تدعو لمسيرة شعبية تضامنية مع فلسطين بالرباط يوم الأحد 23 ماي

والحمد لله رب العالـمين.