عادت الصغيرة من المدرسة تقول: أمي … الجوع يمزق أحشائي.

قالت الأم وهي تحبس دموعها: حسنا بنيتي… انتظري قليلا.

وضعت إناء الماء فوق النار، وكان هناك على الطاولة إبريق شاي منهوك قد شرب ماءه وبقيت حثالته. فلما نضج الماء وطار في الهواء بخاره، مدت يدها الى علبة السكر الصفراء علّها تجد قطعة، لكنها فوجئت بالفراغ يملأ يديها المرتعشتين. لم تجد بدّا من إرسال ابنتها إلى الجارة التي فوقها لتأتي بقطعتي سكر.

ذهبت الصغيرة إلى الجارة وقالت: خالتي حليمة…  قالت لك أمي أعطني قطعتي سكر.

لم تتردد الجارة الطيبة في إعطائها القطعتين. وما كادت الصغيرة تنزل، حتى تبعتها الجارة حليمة. دخلت كعادتها بغير استئذان… وصلت إلى المطبخ رمقت قطعتي سكرها الأبيض وهما ترميان في الإبريق والأم ترسل خلفهما شلالا من ماء الحميم.

تكلمت السيدة حليمة وسألت بعفوية أحيائنا الشعبية المنسية المهملة إلا في حملات الانتخابات: لم يبق عندك سكر يا مريم…؟ ألم يقم زوجك بالتسوق لشهر رمضان؟

كان السؤال خنجرا انغرز في موضع الألم، فأسال ماء الوجه بلون عصارة الدم. وجرت بنات العين على الخدين، وزالت الستور وانفضح المستور…

قالت مريم منتحبة: زوجي علال عاطل منذ أشهر…  ولما دخل شهر رمضان لم يكن عندنا إلا بعض الدقيق والشاي والسكر… قبل ثلاثة أيام لم يبق عندنا لا شاي ولا سكر… فكان إبريق الشاي هذا طعام إفطارنا وسحورنا لثلاث ليال… بل وكان طعام الصغار بالنهار… أترك الحثالة في الإبريق وأزيد عليها الماء… ولم أكن أريد أن يعلم بالأمر أحد… لكن ذهبت كل الحلاوة من الشاي وأضحى مرّا كمرارة فقرنا وحاجتنا… فأبى الصغار شربه.

نحن نصبر والصغار لا يصبرون… نحن نستتر والصغار يفضحون.

عانقت السيدة حليمة جارتها الجريحة وبكتا معا وانتحبتا كأنهما في مأتم.

طالع أيضا  ذ. مشعل: القدس عاصمة سياسية ودينية وروحية وتاريخية وحضارية.. ولا يمكننا التفريط بها

ستقتسم السيدة حليمة بعد هذا طعامها مع جيرانها، وأنا اقتسمت معكم قصتهم بعدما اقتسمها معي بعض الفضلاء الذين قدموا الدعم الكافي ماديا ومعنويا للأسرة المنكوبة طيلة شهر رمضان.

يا أخي، هذه قصة من واقعنا المرير، هذه قصة من ملايين القصص التي تعجّ بها المجتمعات الرازحة تحت نير الحكم الجبري الغاشم. قصص تمزق القلوب وتفتت الأكباد، أبطالها رجال ونساء وأطفال صغار، كل ذنبهم أن جلاّديهم ساديون يتلذذون بتعذيب العباد، ولا يستطيعون العيش إلا في مستنقع الفساد والاستبداد.

قصص مثل هذه قد تجري أحداثها قريبا منك، على بعد أمتار عن يمينك، أو عن يسارك، أو فوق بيتك أو تحته، قد يكون بطلها أبوك أو أمك، أخوك أو أختك، عمك، خالك، جارك، أناس يتألمون ولا يصرخون، أناس لا يسألون الناس إلحافا…

أناس شعارهم: “جوعي في كرشي وعنايتي في راسي…”

أناس لا يبيعون ماء وجوهم مهما كان…  

عجبا يا أخي لمن يصوم ولا يفهم غايات الصيام…

عجبا لمن يقوم في جوف الليل سائلا رحمة الله، وهو لا يرحم خلق الله…

أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الراحمون يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمُكم من في السماءِ”.

يا أخي… من لا يَرحم لا يُرحمْ.