1 ـ النشأة والمسار التعليمي والمهني
 
مؤسس ومرشد جماعة العدل والإحسان هو الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ينتهي نسبه للشرفاء الأدارسة، كان مولده سنة 1347 هـ الموافق لعام 1928م بمدينة مراكش بالمغرب، حيث نشأ وحفظ القرآن الكريم في المدرسة التي أسسها العلامة محمد المختار السوسي رحمه الله، وتلقى فيها عن تلامذتة علوم العربية. ثم التحق بمعهد ابن يوسف التابع لجامعة القرويين، حيث قضى أربع سنوات، وانشغل في نهاية تلك المرحلة بتعلم اللغات الأجنبية (كان يتقن خمس لغات أجنبية فضلا عن العربية والأمازيغية).

 بدأ حياته المهنية في سن مبكرة، حيث اشتغل بمهنة التعليم، وفي نفس الوقت واصل جهوده العلمية والتكوينية فتمكن من أن يطوي في سنوات قليلة مراحل الدراسة في معهد الدروس العليا للدراسات الإسلامية في الرباط (جامعة محمد الخامس حاليا). ثم اشتغل أستاذاً للغة العربية والترجمة، فمفتشاً بالتعليم الابتدائي، فمديرا لمدرسة المعلمين، ثم مديرا لمدرسة المفتشين. ومثل المغرب في عدة مؤتمرات دولية في المجال التعليمي، وكان من أبرز المساهمين في وضع المنظومة التعليمية للمغرب بعد الاستقلال.

2 ـ اليقظة القلبية وبداية المسار الدعوي

ولما شارف الأربعين من عمره شعر بهَبة ويقظة، واستغرق في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زماناً. إلى أن لقي الشيخ العباس بن المختار رحمه الله ـ شيخ الطريقة البودشيشية القادرية ـ الذي صحبه أعواماً إلى وفاته، في حضن هذه الزاوية، ثم كان تحوله نحو الجمع بين التربية والدعوة ـ كما عبر عنه في كتابيه “الإسلام بين الدعوة والدولة” (1972) و”الإسلام غداً” (1973) ـ عاملاً مفسراً لترك المنهج الصوفي. وكانت رسالته الشهيرة إلى ملك المغرب الراحل الحسن الثاني “الإسلام أو الطوفان” (1974) بمثابة الحد الفاصل بين مرحلة “السلوك الصوفي” ومرحلة “السلوك المنهاجي”.

طالع أيضا  الأدب والفن في خدمة قضايا الأمة

فقد كانت تلك الرسالة الناصحة “الإسلام أو الطوفان” تدعو الملك الراحل، بأسلوب جريء، إلى التوبة والرجوع إلى الإسلام وشريعته مقترحة نموذجاً تاريخياً فذّاً هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي أعز الله به الإسلام وأهله، وموضحة مجموع الخطوات العملية التي يتعين على الحاكم أن يبرهن بها لله تعالى ولشعبه على صدق الذمة والقول.

إثر ذلك، تم اعتقاله مدة ثلاث سنوات وستة أشهر دون محاكمة، أمضى جزءا منها في مستشفى الأمراض الصدرية ثم مستشفى المجانين. ولم يكن ذلك الاعتقال وما تلاه من محن ليمنع الأستاذ ياسين رحمه الله من الاستمرار في طريق الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، إذ بذل جهدا تواصلياً ودعوياً، خاصاً وعاماً، كان من جملته إلقاء الدروس في المساجد بمراكش وإصدار مجلة “الجماعة” وبداية الانخراط في العمل الدعوي الحركي.

3 ـ إرهاصات التأسيس
 
قاد الإمام ياسين رحمه الله، رفقة عدد من الإخوة الذين التفوا حول دعوته، محاولة توحيد العمل الإسلامي بالمغرب، لكن المبادرة لم تجد الاستجابة المأمولة، فتوجه إلى تأسيس “أسرة الجماعة” سنة 1401 هـ/1981 م لتكون جزء من دوحة العمل الإسلامي الناهض المجدد. وبذل رحمه الله تعالى جهودا عظيمة في بناء هذه الجماعة، وتربية رجالها ونسائها على خصال الإيمان، وعلى أسس السلمية والعلنية ونبذ العنف.

وتوجت هذه الجهود بتأسيس “الجماعة الخيرية” سنة 1983، وهي جمعية دعوية ذات بعد سياسي ستتخذ شعار “العدل والإحسان” بدءا من سنة 1987. ورغم تعسف أجهزة السلطة، فقد واصل الأستاذ رحمه الله تعالى، وبمعية ثلة من الدعاة، مسيرة بناء الجماعة.

ولم تخل مسيرته رحمه الله من هزات ومحن كان أبرزها اعتقاله في كانون الأول (ديسمبر) 1983 لمدة سنتين بتهم واهية عقب صدور العدد الأول والأخير من صحيفة الصبح. (منعت في عددها الأول)، لكن السبب الحقيقي لهذا الاعتقال هو مقال مطول بعنوان “قول وفعل: رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام” الذي كان افتتاحيةً للعدد 10 من “مجلة الجماعة” بتاريخ فاتح رمضان1402 – يوليوز 1982، والذي انتقد فيه رسالة ملك المغرب بمناسبة القرن الخامس عشر الهجري إلى رؤساء الدول العربية وزعمائها.

طالع أيضا  رمضانُ لما بعده

وبعد خروج الأستاذ رحمه الله من هذا الاعتقال، واصل جهوده على واجهات متعددة: تربوية وتنظيمية وإعلامية وسياسية مما دفع أصحاب القرار السياسي بالمغرب إلى فرض الإقامة الإجبارية عليه يوم 30 كانون الأول (ديسمبر) 1989 بمحاصرة بيته ومنعه من مغادرته واستقبال أقاربه وضيوفه وزواره ومحبيه. واستمرت مدة الإقامة الإجبارية أزيد من عشر سنوات قضاها رحمه الله متفرغاً للعبادة والصيام والذكر والتبتل والدعاء، والمطالعة والتأليف. 

ولعل أبرز حدث في نهاية تلك المرحلة تمثل في توجيه الأستاذ ياسين في كانون الثاني (يناير) 2000 رسالة مفتوحة إلى الملك محمد السادس (في بداية فترة حكمه)، عنونها بـ “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، وقد حثه فيها بأسلوبه القوي والواضح، على تقوى الله عز وجل، وعلى رد المظالم والحقوق التي انتهكت طوال حكم والده. وجدد له نصيحة “الإسلام أو الطوفان”.

وفي أواسط شهر أيار (مايو) من 2000 أنهت السلطة بالمغرب الإقامة الإجبارية عن الأستاذ ياسين، وقام بزيارات شملت مختلف مدن المغرب شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، استمرت أسابيع من أجل التواصل بشكل مفتوح مع أعضاء الجماعة وشرائح مختلفة من الشعب المغربي.
 
وبقي حضور الأستاذ عبد السلام ياسين قويا ومؤثرا خاصة من خلال المجالس التي كانت تعقد كل يوم أحد وتبث مباشرة على شبكة الأنترنت، وعبر المتابعة والمصاحبة الرفيقة لأمور جماعة العدل والإحسان في سائر المجالات التربوية والدعوية والتواصلية والسياسية والعلمية.

وفي صبيحة يوم الخميس 28 محرم 1434 هـ الموافق 13 كانون الأول (ديسمبر) 2012 أسلم الأستاذ ياسين الروح لبارئها سبحانه، بعد مسيرة موفقة منورة بطلب وجه الله، حية بالجهاد والعطاء العلمي والتربوي والدعوي، كان من ثمارها البارزة انتظام عشرات الآلاف في فلك جماعة العدل والإحسان بالمغرب وفي مدرسة العدل والإحسان في أقطار شتى من العالم. 

طالع أيضا  عقبة الخلاف والاختلاف

4 ـ مؤلفاته العلمية

ظل الأستاذ عبد السلام ياسين شغوفاً بطلب العلم من مصادره ولغاته المتنوعة، وبالمطالعة المتواصلة للكتب والمؤلفات سواء في بيته أو سجنه. فخلف رحمه الله مؤلفات عديدة ومتنوعة المواضيع، تمت ترجمة أغلبها إلى العديد من اللغات. 

بيد أن مشروع الإمام عبد السلام ياسين لم يقتصر على التنظير عبر هذه المؤلفات، بل واكبه سعي حثيث لتنزيله ونشره وتربية الناس عليه، وكانت ثمرة هذا السعي تأسيس جماعة العدل والإحسان التي تعد أكبر جماعة إسلامية وأول قوة سياسية بالمغرب حاليا. ثم سرعان ما انتشرت دعوة الأستاذ ياسين واجتهاده المنهاجي في كثير من بلدان العالم فيما أصبح يعرف بـ”مدرسة العدل والإحسان” العالمية.