مقدمة

“وقف طائر على غصن شجرة يغني. وكان بقربه فراشة تسمع صوته العذب، فسألته قائلة: أيها الطائر، لماذا تغني؟ فأجابها: أغني من أجل الحرية. وسألته ثانية: وما معنى الحرية؟ فأجابها ثانية: الحرية هي أن أغني”. تفيدنا هذه النكتة الطريفة في كون كرامة الإنسان هي حريته، وحريته هي كرامته. فبمجرد أن تمسّ حريته أو تجرّد منه فإنه يُصبح بلا كرامة.

الشعارات من أمثال التنمية، الإصلاح، التغيير، النهضة، الحضارة، إن لم تمنح للإنسان الحرية الشخصية الكافية لتحقيق حياة المعنى، إن لم تمنح للمجتمع الحرية الاجتماعية المناسبة لتحقيق وجوده واستقراره وتنميته، فهي وهم وكفى. إنما الشعارات الحقيقية هي التي تكون منطلقا لحرية تعبر عن الكرامة الإنسانية في بعديها الفردي والجماعي.

وعندما نقرأ ونسمع ونرى حركة المطالبة بالحرية في الماضي والحاضر فإن المعنى المتبادر إلى الذهن هو المطالبة بالكرامة والعدالة حتى وإن رُفعت شعارات تحمل المصطلحات الثلاثة جنبا إلى جنب. فيقولون: ” كرامة، حرية، عدالة اجتماعية”. فأيّ منها تحقق من هذه المطالب الثلاثة تحقق الأخران تلقائيا أو تبعا لذلك.

 قيل عن الحرية

جمع أحد الغربيين حول تعريف الحرية أكثر من مائتي تعريف. وهذا يبين كثرة الاختلاف في وجهات النظر التي تقترب من بعضها تارة، وتبتعد من بعضها تارة أخرى حول تعريف الحرية. منها: الحرية هي المعنى الخالص من كل شيء. ومنه العسل الحرّ. ومنها: الحرية هي حياة الإنسان.

ناقش العلماء المسلمون قضية الحرية على عدة مستويات، وفي مجالات كثيرة. مثلا على مستوى مقاصد الشريعة، نجد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى هو أول من أدرج ضرورة الحرية إلى جانب الضروريات الخمس. فذهب إلى أنه مادامت الشريعة أنزِلت للحفاظ على فطرة الإنسان، والحرية حق فطري، فوجب الحفاظ عليها.

أما علال الفاسي رحمه الله تعالى فذهب إلى أن الإنسان لم يُخلق حراًّ، ولكن وُلد ليكون حرا. فالحرية إذاً خُلُق وليست فطرة. قد يبدو للقارئ أن هناك اختلافا بين الرأيين، لكن المتمعن بعمق يدرك أن الطاهر بن عاشور يقصد الحرية من الناحية الوجودية. أما علال الفاسي فيقصد الحرية من الناحية الخُلقية، وهما مقصدان مترابطان في حياة الإنسان لا يفترقان: الحرية الموهوبة والحرية المكتسبة. ومن هنا يُطرح سؤال مفهوم الحرية على فقه التجديد، وهو: كيف نحافظ على الحرية باعتبارها الفطري الوجودي الموهوب، وفي نفس الوقت كيف نسعى لاكتسابها باعتبارها الخلقي الإنساني؟

على مستوى العقيدة، يقول محمد عبده رحمه الله تعالى: “الحرية أن يكون عبدا لله وحده، وسيدا لكلّ شيء بعده”. بمعنى أن الحرية عند محمد عبده هي الجمع بين الحاكمية لله والسيادة للإنسان. وقريبا من هذا الكلام يقول محمد عمارة رحمه الله تعالى: “الحرية أن تكون عبدا لله ومستخلَفا في الأرض. بهذا تكون قد حققت الجمع بين أمرين: العبودية والاستخلافية”.

طالع أيضا  عبودية القلب (10).. عمل الجوارح وَفق محبوب الله من علامات تحقيق القلب عبوديته لله

في الفكر الغربي كانت للحرية أهمية خاصة لدى أتباع دعوات الإصلاح السياسي خلال القرن الثامن عشر الميلادي. ومن أشهر من دعا إلى الحرية مارسيليو دي مينار ديني (1340م)، حيث دعا إلى مجتمع جمهوري قائم على السيادة الشعبية. وكذلك جون فورتيسكو (1476م) الذي دعا إلى الحدّ من سلطة الملكية، واعتبرها ضدا على إرادة الشعوب. وجاء بعدهما جان جاك روسو والذي كان لكتابه “العقد الاجتماعي” سنة (1762م) أثرا كبيرا في تشكيل الوعي بالحرية في المجتمع الأوربي كله. وقد استهلّ هذا الكتاب بقولة جريئة جاء فيها:” ولد الإنسان حرا، وهو في كل مكان مُكبل بالأغلال”. والحرية عند روسو أن يتمتع الفرد بجميع حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية في إطار قانوني. قالت عنه مدام دي ستال وهي ناقدة فرنسية: “لم يخترع شيئا ولكنه أشعل النار في كل شيء”. وعلى أفكار روسو قامت الثورة الفرنسية التي أعلنت مبادئها تحت شعار الحرية والعدل والمساواة.

تجديد مفهوم الحرية

الحرية هذه الكلمة السحرية التي يثور من أجلها الثائرون في كل زمان ومكان، والتي يتغنى بها الجميع بكل اللغات، لما تتركه من صدى جميل على الأسماع، ومن وقْع مؤثر على النفوس والقلوب، هو الهدف الذي جاء الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام للدعوة إليه. وهو الهدف نفسه الذي عملت من أجله الحركات التغييرية لتحقيقه. ونتيجة لذلك أصبحت الحرية حقا من حقوق الإنسان الفطرية والمكتسبة. إذْ لا يمكن الحديث عن تغيير مجتمع نحو الأفضل، أو بناء حضارة رائدة إن كان الناس عبيداً وليسوا أحراراً. فشرط الحرية في التغيير والبناء هو محلّ إجماع بين كل الأديان والحركات والعلماء والمفكرين والفلاسفة عبر التاريخ.

إن الحرية بهذا المعنى العام قاسم مشترك بين الإنسانية جمعاء، باعتبارها حقا من حقوق الإنسان الأساسية، التي لا يجوز الإجهاز عليها بأيّ حال من الأحوال، ويَعظُم هذا الحقّ في نظر الإسلام ليصبح حرمة من الحرمات التي لا يمكن الاعتداء عليها ولو من طرف الإنسان نفسه قبل غيره. كأن يرغب في الانتحار أو في سجن نفسه، أو يرضى بالدَّنِية والذل في حياته. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أصبح يرضى الدنية لنفسه غير مكره فليس منّي”. ليس مني أي ليس من الأحرار من أمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان رجلا حراًّ قد بُعث ليحرر الناس ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت تثقل عليهم كاهلهم.

طالع أيضا  ذ. ركراكي: في العشر الأواخر شمّر وشُدّ المِئْزر

والحرية التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس إليها نوعان:

الحرية الروحية: شعارها “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”. فكان الإيمان بكلمة “لا إله إلا الله” إعلانا عن تحرر الروح من سجن العبودية لغير الله تعالى، ومن تشتت الوجهة والقبلة بين تعدد الآلهة منها ما هو على الأرض من أصنام وأوثان، ومنها ما هو في السماء من كواكب ونجوم.

الحرية المادية: شعارها عتق الرقاب. فالآيات القرآنية الداعية إلى تحرير العبيد، والأحاديث المرغّبة في فضل عتق الرقاب كثيرة، وهي دليل ساطع على أهمية الحرية في نظر الإسلام. ولا نستغرب من قولنا: إن الإسلام هو الحرية. حرية الإنسان في معرفة ربه، وحرية الإنسانية في الحياة الكريمة.

لكن هذه الحرية التي كانت إلى عهد قريب ذلك القاسم المشترك بين البشر باعتبارها كرامة، أصبحت حين أُفرغت من محتواها الإنساني قاصما لهذا المشترك. ذلك أن الحرية التي كانت تجعل من صاحبها إنسانا بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، جعلت منه حيوانا يبحث عن العبث في كل شيء. تحت مسمى “الحرية الفردية”، وتحت شعار “المتعة”، حتى ولو على حساب الكرامة. فأصبحت الحرية التي كانت تمثل روح الأخلاق السامية والقاعدة التي تقوم عليها هي المعولَ لهدم الأخلاق والقضاء عليها.

أمام هذا الخطر القائم والقادم لا بدّ من تجديد هذا المفهوم، وذلك بتنقيته مما عُلّق به من معانٍ وسلوكات تضرّ بالكرامة الإنسانية. تجديدٌ يُعيد للمفهوم دوره في التغيير والبناء، على مستوى الفرد بتحرير نفسه من اتباع الهوى والشهوات، وعلى مستوى المجتمع بتحرير أفراده من الفساد والاستبداد. فالإنسان الحرّ من تحرر من نفسه وهواه وصار عبدا لله تعالى وحده. والمجتمع الحرّ أو مجتمع الأحرار من يحكمهم حاكم عادل يكفل لهم الحرية بكل أنواعها. وعلى رأسها حرية العبادة وحرية العيش الكريم.

عندما وضّح لنا الله تعالى المعنى الحقيقي للحرية في كتابه العزيز بقوله تعالى: [لا إكراه في الدين]، فذلك حتى لا نكره الناس على الإيمان، لأن إكراههم عليه إنما يصنع المنافقين، فكيف بمن يُكره الناسَ على حياة لا تليق بكرامة الإنسان. إنه يصنع الغاضبين والثائرين. والغضب حين يصير عارما يمكن أن ينفجر في أيّ وقت. وإذا لم يكن مُوجّها ومنظما فسيكون فتنة لا قدّر الله تعالى.

سؤال الحرية

سؤال الحرية هو من أعقد المواضيع التي احتدم حوله النقاش في تاريخ الفلسفة. ما هي الحرية؟ وهل هي حرية مطلقة أم مقيدة؟ وهل هي فردية أم جماعية؟ وما علاقتها بالقيم وبالدين؟

طالع أيضا  نساء العدل والإحسان ينظمن "النصيحة الجامع".. في موضوع التربية الإيمانية وأثرها على صحة النفوس

يمكن أن نفهم أن الحرية بالنسبة للإنسان هي مسألة وجود أو عدم. فالله تعالى أكرم الإنسان بالعقل، وبه ميزه عن باقي المخلوقات. وذلك حتى يكون له القرار ويكون له الاختيار. بمعنى أن تكون له الحرية. فبمجرد أن تسلب منه الحرية، يعني أنه لم يبق إنسانا. إذا تأكدنا من هذا المعطى فإن النقاش حينئذ يبقى فقط حول حدود هذه الحرية، هل هي مطلقة أم مقيدة؟

لنفرض أنها مطلقة كما يحب البعض. بمعنى أن يفعل الفرد في المجتمع ما يريد. هنا سنطرح سؤالا: ماذا يقع لو أراد كل واحد منا مثلا أن يكذب أو يسرق أو يتجسس أو يفسد… ستنتشر هذه الأمور وسنصبح أمام مجتمع كاذب، مجتمع فاسد، مجتمع لا يحترم الآخر، وسينعدم الأمن وستفقد الثقة. أكيد ستكون هناك كارثة، فوضى. فحفاظا على المجتمع من الفوضى ومن الخراب أسست القيم التي تضبط هذه الحرية. ليس لتقيدها بل لتضبطها. فنحن إذا أمام حرية ليست مطلقة وليست مقيدة، بل هي حرية مسؤولة تحقق المصلحتين الفردية والجماعية.

وقضية الحرية كما القضايا الأخرى الكبرى التي تطرأ فيها مستجدات دائما تحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع، ينبري له أهل الاختصاص للوصول إلى الموقف السليم والرأي الصواب، وليس إلى ردود أفعال ومناوشات من هنا وهناك.

خاتمة

الحرية هي حياة الإنسان، أن يتحرك، أن يعبر، أن يفكر، أن يمتلك، لكنها حرية مضبوطة ومنضبطة. فهي لا تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين كما يقال، بل تنتهي عند حدود الله تعالى ذي الجلال والإكرام. نعَم للإنسان الحرية أن يمتلك الدنيا بحذافيرها، ولكن ليس من حريته أن تمتلكه الدنيا لتستعبده، فيتجبر ويتكبر ويَظلم. الحرية أن يكون ما يملكه الإنسان الحرّ وسيلة للانتفاع الخاص والعام. وأن يكون امتلاكه في الأصل عن طريق مشروع وحلال. يقول سيدنا عمر رضي الله عنه الفقيه بالمعنى الحقيقي للحرية: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”. ويقول سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه: “لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا”.