وقف الأستاذ عبد اللطيف برشيلي في فقرة السيرة النبوية في الحصة الصباحية من مجلس النصيحة صباح الأحد، على أحوال الصحابة مع الدعاء من خلال تعلمهم من المعلم صلى الله عليه وسلم، ثم أصبحوا قدوة لمن بعدهم في الدعاء والتضرع إلى الله تعالى. قائلا: “لنا في الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله تعالى عليهم الإسوة الحسنة في التضرع إلى الله بالدعاء في كل أحوالهم”.

وأوضح برشيلي أن الصحابة رضي الله عنهم أخذوا منه صلى الله عليه وسلم خصال العلم والعمل معا ورأوا في سيرته أنه كان دائم الصلة بالله تعالى وإذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، بل كان يعلمهم آداب الدعاء وجوامع الدعاء، ويختار لهم الأدعية حسب الأوقات والأحوال والعبادات ويدعو اللأمة عامة ولصحابته خاصة.

وفي تعليمه لصحابته الدعاء وآدابه، أورد برشيلي ما جاء عند ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يقول: “اللهم إني أسألك الصبر” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سألت الله البلاء، فاسأله المعافاة”. ومر على رجل وهو يقول: “اللهم إني أسألك تمام النعمة” فقال: “يا ابن آدم، وهل تدري ما تمام النعمة”. قال يا رسول الله: “دعوة دعوت بها رجاء الخير”، قال: “فمن تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار”. ومر على رجل وهو يقول: “يا ذا الجلال والإكرام”، فقال له: “قد استجيب لك فاسأل””.

واسترسل المتحدث قائلا: كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أدعية جامعة، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن طارق بن أشيم الأشجعي قال: “كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهذه الكلمات؛ اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني”. وفي رواية أخرى لمسلم عن طارق أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقل يا رسول الله كيف أقول حين أسأل رب، قال: “قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك”.

وأخرج الترمذي عن أبي أمامة قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا، قلنا يا رسول الله: دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا. فقال ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله، تقولون: اللهم إني أسألك بخير ما سألك نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله”.

ووقف برشيلي مع أحد الصحابة الذين أصبحوا قدوة بعد النبي صلى الله عليه في الدعاء والتضرع، سيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، مشيرا إلى قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه حذيفة رضي الله عنه: “اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر”، وفي رواية لمسلم: “قالت أمنا عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قد كان في الأمم محدثون أي ملهمون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب”.

وأشار إلى أن مناقب هذا الإمام العادل لا تكاد تحصى، ولمكانته رضي الله عنه بين الصحابة طلب منه صلى الله عليه وسلم الدعاء له. فقد قال رضي الله عنه فيما رواه أبو داود والترمذي: “استأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي وقال: “لا تنسنا يا أُخَي من دعائك”، فقال عمر: “كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا”.

ولقد كان عمر رضي الله عنه رغم شدته في الحق -يقول البرشيلي- رجلا رقيقا المشاعر بكاء له خطان أسودان في وجهه من كثرة البكاء، دائم الخوف والوجل من الله تعالى، ودائم الدعاء والتضرع له سبحانه، وعنه رضي الله عنه أنه قال: “إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه”، وقال أيضا: “بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح”.

وتابع المتحدث: “كان عمر رضي الله تعالى عنه يعطي المثال والقدوة من نفسه”. وجاء في الحلية عن الأسود بن هلال المحاربي قال: “لما ولي عمر ابن الخطاب، قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ألا إني داع فهيمنوا -أي أمنوا- اللهم إني غليظ فليني وشحيح فسخني، وضعيف فقوني”.

وأشار المتحدث إلى محنة الرمادة عام القحط الشديد، وأورد ما أخرجه ابن سعد في طبقاته عن السائل بن يزيد قال: “نظرت إلى عمر بن الخطاب يوما في الرمادة، إذا متبثلا متضرعا عليه برد لا يبلغ ركبتيه يرفع صوته بالاستغفار وعيناه تغرقان على خديه، وعن يمينه العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه، فدعا يومئذ مستقبلا القبلة رافعا يديه إلى السلام وعج إلى ربه ورفع صوته، فدعا ودعا الناس معه، ثم أخذ بيد العباس فقال: “اللهم إنا نستشفع بعم رسولك إليك، فما زال العباس قائما إلى جنبه مليا والعباس يدعو وعيناه تهملان”.

وكان من هديه رضي الله عنه، جلوسه مع أهل المسجد ومشاركتهم الدعاء والذكر، وقد أخرج ابن سعد في طبقاته عن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: “كان عمر بن الخطاب يعس المسجد بعد العشاء -أي يطوف فيه ويتفقده- فلا يرى فيه أحدا إلا أخرجه إلا رجلا قائما يصلي، فمر بنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبي بن كعب فقال من هؤلاء، قال أبي نفر من أهلك يا أمير المؤمنين. قال ما خلّفكم بعد الصلاة، قال جلسنا نذكر الله، قال فجلس معهم. ثم قال لأدناهم إليه: خذ، أي ابدأ بالدعاء والذكر، فدعا، فاستقرأهم رجلا رجلا يدعون، أي طلب من كل واحد منهم أن يدعو حتى انتهى إلي وأنا إلى جنبه فقال هات -أي ابدأ في الدعاء- فقال الراوي: فحصرت وأخذني من الرعدة أفكل حتى جعل يجد ذلك مني، فقال ولو أن تقول اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا، قال ثم أخذ عمر فما كان في القوم أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه، ثم إيهن الآن تفرقوا”.

 لمتابعة الكلمة كلها في الفقرة الصباحية للنصيحة من هنا:

طالع أيضا  د. الشعيبي: الربيع العربي كان إعلان انبعاث جديد لهذه الشعوب