اختار الدكتور نورد الدين التاج في فقرة الإحسان ضمن مجلس النصيحة المركزية، التي نظمتها جماعة العدل والإحسان عن بعد ليلة الأحد 24 أبريل 2021، المشاركة بتناول كتاب الإحسان للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في فصله الرابع الذكر، تحت عنوان: الدعاء. حيث تطرق بدايةً للتعريف بمعنى الدعاء، ثم بعض فضائل وفوائد الدعاء، لينتقل إلى آداب الدعاء، وفي الأخير استنتج بعض العلاقة بين الدعاء والذكر والضراعة لله سبحانه وتعالى.

وأورد التاج حديثاً رواه البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان في صحيحه باب دعائكم إيمانكم، حيث ذهب الشراح يأولون كلامه، فمن قائلٍ إن كلامه ينظر إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ، إن المقصود بالدعاء هنا هو الإيمان. ومن قائل إن معناه دعاء الرسل للخلق هو السبب في إيمانهم. ومن قائل إن معنى الدعاء هنا هو الطاعة أو العبادة. وقال الحبيب المرشد: والذي يظهر لي والله أعلم (أي أنه يريد ان يحرر هذا المعنى فقد عرف عليه رحمه الله تعالى تحديد المصطلحات المنهجية والقرآنية) أن هذا من باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام أحمد: كَرَمُ الْمَرْءِ دِينُهُ. أي أن دينه يكون على مستوى كرم أخلاقه وكرم معدنه وكرم همته صعوداً أو هبوطاً، كذلك فذو الحظ العظيم من الدعاء ودوام الوقوف على باب الله أعلى ايماناً من قليل الدعاء”. ولبيان هذا المعنى اعتمد الحبيب المرشد رحمه الله تعالى مجموعة من الأحاديث بروايات مختلفة، اعتمد منها التاج حديثين شريفين.

أما الحديث الأول، وهو المعروف، مَن عادى لي وليًّا وهو حديث قدسي. فبعدما أورد الحديث قال يخبرنا الحق عز وجل أن العبد المتقرب بالفرض والنفل المحبوب إذا أدركته العناية الإلهية، فكان الله سمعه وبصره ويده ورجله ويصير دعاؤه مستجاباً، عطاء الله وفضله واضحٌ، لكن لابد من تفعُّل العبد المؤمن المحسن، لأن الحديث القدسي يقول: وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ. إلى آخر الحديث، بمعنى أن العبد بعدما قام بجميع ما فرض الله عليه، داوم على النوافل، فأصبح بذلك عبداً مقرباً محبوباً مستجاباً للدعوة.

بينما الحديث الثاني الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. أنعم به من رب كريمٍ عظيمٍ ينزل للعباد، يا حسرةٍ على العباد ناموا ومنادي الفلاح  لا ينام. من كرم الله سبحانه عز وجل أنه يعرض علينا فضله كل ليلة، فلا ينال من ذلك الفضل إلا الأيقاظ الذاكرون الداعون الله عزوجل.

طالع أيضا  بوقفة حاشدة في ذكراه العاشرة.. روح الشهيد كمال عماري ترفرف بحي دار بوعودة

ثم انتقل المتحدث ليسهب في الحديث عن فوائد وفضائل الدعاء، مضيفاً أن الرابط القوي بين العبد المقرب وربه وهي أمتن الروابط، وأقرب القرب الواردة في قوله تعالى من سورة البقرة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ. الأولياء هم أهل الرشد حقيقةً، لأنهم أكثر العباد إيماناً واستجابةً لدعوة الله عز وجل، وتعرضاً لنفحات الله، ودعاءً وتضرعاً إلى الله عز وجل.

بينما المستكبر عن الدعاء والمستكبر عن العبادة، فقد روى الإمام الترمذي رحمه الله عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَن لم يسألِ اللهَ يغضبْ علَيهِ ، وورد في سورة غافر لقول الله عز وجل: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. إن الذلة لله جل جلاله، وإظهار الفقر إليه عبادة وعبودية. فمن توقف عن الدعاء أو لم يدعو الله عز وجل فكأنه توقف عن العبادة، بل عن العبودية لله عز وجل.

قال صلى الله عليه وسلم: الدعاء هو العبادة. وأخرج الترمذي عن أنسٍ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء مخ العبادة أي لبّها وجوهرها الذي لا تقوم إلا عليه. الدعاء منجاة في الدنيا والآخرة، من أراد النجاة فعليه بالدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا تَعْجِزُوا فِي الدُّعَاءِ فإنه لن يَهْلِكَ مع الدعاء أحد. اخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم.

وأضاف التاج قائلاً إن الدعاء في الرخاء عدّة ليوم الشدة، فقد أخرج الإمام الترمذي والحاكم بإسنادٍ صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ. فالدعاء سلاح المؤمن. دعاء التحصين وأذكار الصباح والمساء، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأدعية الجامعة، وأدعية المناسبات، وأدعية الأوقات، وأدعية أثناء العبادات، وأخرى في الأكل والشرب والعادات وسائر حياة المؤمن.

أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض. فكيف للمؤمن أن يترك سلاحه وتحيط به الأعداء من كل جانب، أول أعداءه هذه النفس التي بين جنبيه، ثم شياطين الإنس والجن يريدون أن يراودوه عن دينه ويبعدوه عنه. فلابد للمؤمن أن يحتفظ بسلاحه، وليس هذا السلاح إلا الوقوف بين يدي الله عز وجل دعاءً وتضرعاً بالأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال. ليس الدعاء شيئا آخر غير الذكر. بل هو الذكر في أكثر حالات العبد حضوراً مع الله عز وجل بالحاجة والندم والاضطرار والرجاء والخوف.

وشدّد المتحدث على أن الله عز وجل لا يقبل دعاء الغافلين، أخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ. إذا تضرع العبد إلى الله سبحانه عز وجل فلابد له من حضور بين يديه سبحانه عز وجل، ليستطرح حاجاتٍه كلها. ولعل دعاء الرابطة يجمع هذه الفوائد والفضائل كلها، فإذا صار معنى الربط بتكرار المجالسة في الله، شعر المؤمن بإنتمائه إلى الموكب النوراني، موكب الإيمان والجهاد، من لدن آدم إلى يوم القيامة، فيدخل في بركة أمة الخير التي تولاها الله عز وجل، فيزداد صلةً ايمانيةً ومحبةً بمن يدعو لهم عن ظهر غيبٍ من إخوانه.

وأورد التاج أن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه العزيز مجموعة من الأدعية على لسان أنبيائه ورسله عليهم السلام، لنتأسى بها ونتقرب باللجوء إلى بابه كما تقربوا، قال الله تعالى في سورة الأنبياء: وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وقال جل من قائل: وأيّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ . وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ. لم يذكر الله سبحانه وتعالى أعمال الأنبياء وصبرهم وتحملهم وهم كانوا على صراطٍ مستقيم، بل ذكر نتائج تضرعهم وإقبالهم على الله بالدعاء. “فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر“، “فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين“، أي كل من سار على منهاج أنبياء الله ورسله، إلا وحاز ما حازوا وفاز بما فازوا.

طالع أيضا  تلاميذ المغرب يخرجون إلى الاحتجاج ويصرخون: لا لإهانة أساتذتنا

ثم انتقل المتحدث ليدلنا على آداب الدعاء، وذكر منها ما ورد عن الإمام الغزالي رحمه الله ورضي عنه، الذي ذكر في الأدب الأول أن يترصد المؤمن لدعائه الأوقات الشريفة، في يوم عرفة من السنة، ورمضان من الأشهر، والجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل. وذكر أيضاً في أدبٍ آخر أن يغتنم الأحوال الشريفة، كساعة زحف العدو، وعند الآذان، وإثر الصلاة، وحالة السجود. وذكر في الأدب الأخير، وهو الأدب العاشر كما أوردها. هو الأدب الباطن، وهو الأصل في الاستجابة، التوبة ورد المظالم، والإقبال على الله عز وجل بكل همة.

ومن آداب الدعاء أيضاً كما ذكرها الحبيب المرشد رحمه الله تعالى. التأسي بأدعيته صلى الله عليه وسلم والإستناد إليها، وحفظها والنسج على منوالها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الدعاء. روى الإمام أحمد وأبو داود رحمهم الله بسندٍ حسن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك“. على أنه صلى الله عليه وسلم أرشدنا أن يكون دعاؤنا شاملاً حتى ندعو الله في كل حاجاتنا مهما كانت، فهو سبحانه يعلم دقائق الأمور كما يعلم جلائلها. وسؤال العبد ربه في جزئيات معاشه كسؤاله إياه في كليات معانيه، أدعى للاعتراف بالعجز والتبري من الحول والقوة.

وأورد التاج أخيراً تحذير الحبيب المرشد من أنه ونحن ندعو الله عز وجل في حاجات الدنيا والآخرة، أن لا ننشغل بذلك عن الطلب الأعلى وهو طلب وجهه الكريم. “من خرج من الدنيا ولم يفز بالله فلا حد لحسرته“. وأضاف أن مقام العبد ومقام جماعة المؤمنين المستضعفين في الأرض التذلل بين يدي الله عز وجل، وإظهار فقرنا إلى مدده وعونه وهدايته. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من هو، إذا قام الصحابة في غزواتهم في كل أموره، كان ينظم الجيش فيدخل عريشه يدعو الله تعالى متضرعاً، مستطرحاً بين يديه سبحانه وتعالى، حتى أشفق عليه سيدنا أبو بكرٍ رضي الله عنه فقال: “إن الله منجزٌ ما وعدك، إن الله منجزٌ ما وعدك“. الذكر دعاء، والدعاء ذكر، ولذكر الله بالقصد الأكبر أكبر، والله يعلم ما تصنعون. فاذكروه رجاءً، وادعوه ثقةً، واسألوه إلحاحاً، وفوّض إليه، فنعم المولى هو، ونعم النصير.

طالع أيضا  رمضان للنصر عنوان

وختم بما ختم به الحبيب المرشد هذه الفقرة بأبياتٍ شهيرة تتحدث عن الثلث الأخير كما أوردنا الحديث سابقاً:

 

مَا أَكْرَمَ المَوْلَى يُجِيبُ الدُّعَا —- وَيَغْفِرُ الزَّلاَّتِ لِلجَانِي
 
يُعْلِنُهُ عَرْضًا رَحِيمًا: أَنَا —- أُجْزِلُ مِنْحَاتِي لِمَنْ جَانِي
 
أُجِيبُ كُلَّ سَائِلٍ إِنْ صَحَا —- فِي ثُلثِ اللَّيْلِ وَرَجَّانِي
 

نسأل الله تعالى أن يوقفنا بين يديه وقفة الأحباب، وأن يفتح لنا الباب، ويكرمنا بكرمه ويزيدنا من فضله إقبالاً وتضرعاً إليه سبحانه وتعالى، خاصةً مع ما تعيش الأمة من ويلات، واستضعاف.