قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض الدكتور عمر إحرشان إن الربيع العربي هو مصطلح أطلق من الناحية الزمنية ومن الناحية المكانية على الانتفاضات التي عرفتها مجموعة من الدول العربية سنة 2011، وبدأت من تونس ثم انطلقت الى مصر ثم المغرب ثم ليبيا واليمن وسوريا والبحرين، ولذلك سمي العربي. كما يمكن، يضيف، تجاوزاً أن نمدد النطاق الزمني على اعتبار أن هذا الربيع هو مجموعة من الموجات، فبالتالي في هذا التمديد يمكن أن ندخل السودان كذلك، ولكن الأفضل حسب رأيه أن الربيع العربي هو ما عرفته مجموعة من الدول العربية عام 2011.

أما تسميته بالربيع فهو بالتأكيد اسمٌ لم يطلقه المحتجون أو الثوار ولكنه اسم أطلق من دوائر غربية، يوضح إحرشان الذي كان يتحدث إلى جانب الأستاذ محمد حمداوي في ندوة “خلاصات تجارب الربيع العربي.. الحركة الإسلامية ودورها في التغيير” التي نظمها مكتب العلاقات الخارجية للجماعة وأدارتها الأستاذ حفيظة فرشاشي، وبثتها قناة الشاهد الإلكترونية يوم الجمعة 23 أبريل 2021. على الأقل ما هو معروف هو أنه أطلقه الإعلام الغربي وأول من استعمل مصطلح الربيع العربي هو مجلة فورين بوليسي، وبالضبط في مقال بعد بعد بداية الانتفاضة في تونس في مقال كاتب معروف سماه بصيغة الاستفهام “هل هو الربيع العربي التابع لأوباما؟”، تسمية الربيع هي قياس على ربيع الشعوب أو ما عرف في أوروبا بربيع الشعوب أو ربيع الأمم، وهي سلسلة من الانتفاضات، بدأت بالثورة الفرنسية وعمت تقريباً أغلب الدول الأوروبية وصلت تقريباً خمسين دولة، وكانت تقريباً أكتر الموجات الثورية انتشاراً في أوروبا، قياساً كذلك على الأحداث التي عرفتها في 1968، وقياساً كذلك على ربيع بكين. نتذكر أيضاً في 1989 الأحداث الطلابية التي اتسعت جغرافياً، وفي الصين أيضاً، كلها إذاً هي تسميات غربية مرتبطة بلحظة انتصار غربي وهيمنة للقيم الغربية.

واسترسل الباحث في علم السياسة بالقول: هنالك من أطلق عليها كذلك ثورة الياسمين، على تونس بالخصوص، وهي كذلك قياساً على ما يصطلح عليه بثورات الزهور التي بدأت في 2005 وسميت آنذاك ثورة الليمون أو ثورة الاقحوان، إلى غير ذلك. إذاً الأهم عندنا هو أن التسمية أطلقت من الخارج، وهي محاولة لتحريك سباق الآلة الإعلامية الغربية لتسم هذه الثورات العربية بأسماء متعارف عليها غربياً، لكي تنسب هذه الثورات إلى الفاعل الغربي، ولذلك كما قالت فورين بوليسي حاول أن ينسب هذا الربيع العربي إلى أوباما، بمعنى أن هذه التسميات ارتبطت تقريباً بالدول التي انشقت عن الاتحاد السوفياتي وانضمت إلى المعسكر الغربي.

طالع أيضا  أنشطة مُوحَّدة ووقفة مركزية أمام البرلمان.. الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع تعلن عن برنامجها ليوم الأرض الفلسطيني

وفي السؤال عن أسباب الانتشار السريع لهذا الربيع أجاب عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بأن الأسباب متعددة ومتداخلة ولكن يكمل بعضها بعضاً، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي ومنها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي، ويمكن أنا ننجزها في سببين كبيرين، وستتفرع عنها مجموعة من الأسباب، أهم شيء وهو أنه هناك حاجة موضوعية في العالم العربي ورغبة شعبية في وضع قطيعة مع ما سبق، وهذه مسألة مهمة جداً. أما المسألة التانية فهي وجود تشابه ما بين الدول العربية، لأنه حتى في الانتقال الديمقراطي نتحدث عن الموجة الأولى والثانية والثالثة، لأنه مثلا عندما تبدأ الاحتجاجات في أوكرانيا تصيب كل دول أوروبا الشرقية، وكذلك الأمر في أمريكا اللاتينية وآسيا، وكذلك الدول العربية، ويمكن أن نفصل في الأسباب، وبعد الحاجة والموجة هناك سبب مهم جداً وهو أن هذه الانتفاضات لامست معاناة الشعوب وعبرت عن مطالبها الحقيقية، في إسقاط الفساد أو النظام أو إسقاط الاستبداد، والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة.

سبب آخر أيضاً، يضيف إحرشان، هو الطابع الشعبي لهذه الانتفاضات، فهي فعلاً عرفت مشاركة شعبية كثيفة، تختلف من بلدٍ إلى آخر، ولكن بالتأكيد أنها لم تكن احتجاجات المنتمين سياسيأ أو المنخرطين سياسياً، وغطت كذلك مجموعة من المناطق. والأمر الثالث هو أنها استطعت أن تجذب فئات كان من الصعب اجتذابها من باقي الاحتجاجات، فنانين ومثقفين ورجال أعمال خاصةً في التجربة المصرية، وبالإضافة لهذا الطابع الشعبي كان الطابع اللامركزي، والمناطق التي عرفت مشاركة جماهيرية لم تكن هي مناطق المركز بل كانت الهوامش، لأن البوعزيزي مثلاً لم يكن في فتونس العاصمة، ورأينا هذا في مصر في السويس، وسوريا لم تبدأ في دمشق بل بدأت من درعا، وهذا الطابع اللامركزي أرهق القوات الأمنية خاصةً في ظل عدم تدخل الجيش.

طالع أيضا  العربية.. لغة تواصل أم أمانة قيم؟

الأمر الرابع هو الطابع الشبابي، لأن هذه كانت صدمة للنظم القائمة وللغرب كذلك. والسبب الخامس هو الطابع السلمي حيث انطلقت حركة سلمية واجهت عنف الأنظمة بسلمية، حيث نتذكر مثلاً أحداث موقعة الجمل إلى غير ذلك، فاللحظة التي عسكر فيها هذا الربيع العربي كانت نتيجة أخرى.

واستحضر إحرشان سببا آخر وهو ما أسماه الطابع المختلط أي أنها كانت انتفاضات عابرة للانتماءات الإيديولوجية والسياسية وحتى الدينية، مثلاً نتذكر في ميدان التحرير العلاقة التي كانت بين الأقباط والمسلمين. ثم كان هناك سبب آخر تابع هو الطابع الثوري، أو على الأقل شبه الثوري لهذه الانتفاضات، في الشعارات مثلاً حتى من لم يطرح أو يصرح بمطلب إسقاط النظام فهو تبنى مطالب جد مرتفعة على المطالب المعتادة من طرف القوى السياسية التقليدية. وسر آخر كذلك هو وسائط الاتصال الجديدة، واستعمال وسائل التواصل الإجتماعي كان عندها دور كبير جداً. ثم سبب آخر هو استهانة الأنظمة بهذه الاحتجاجات لأنه إن لاحظتم مثلاً في تونس أو في مصر كان هناك نوع من الاستهانة بهذه الاحتجاجات، لأنه تم التقليل من أثرها. ومن الأسباب أيضاً كان هو التعامل القمعي مع الإحتجاجات.

وعن انخراط الحركات الإسلامية وتباين شكل حضورها بالربيع العربي رغم تقاسمها نفس المرجعية، قال إحرشان إن التعميم بالتأكيد لن يمكننا من معرفة الأسباب. الحركات الإسلامية في العموم هي من أكبر المتضررين من النظم التي كانت سائدة قبل 2011، ولكن هذا التضرر هو بدرجات متفاوتة، هناك حركات إسلامية كانت مقموعة ليس عندها لا حق في التنظيم ولا حق في الإعلام، وبالتالي هذه حركات كان من الضروري أن تنخرط كلياً بأي صيغة من الصيغ في هذا الربيع العربي، مثلاً الإخوان المسلمين بسوريا وحركة النهضة في تونس والعدل والإحسان في المغرب. وهناك حركات إسلامية أخرى هي جزءٌ من النسق الرسمي وإن كانت في المعارضة، هذه في العموم هي حركات مستفيدة من الوضع لذلك الوضع الطبيعي هو أنها ستتردد في الانخراط في هذا الربيع حتى لا تخسر ما تراه أو تحسبه مكاسب مضمونة بمغامرة سياسية غير مضمونة، المثال البارز هنا هو العدالة والتنمية في المغرب، ويمكن أن نضيف إليه الإخوان المسلمين في الأردن. وهناك تيارٌ آخر هو الإخوان المسلمين في مصر الذين كانو في البرلمان ولكن ليس كتنظيم، فقد كان عندهم تقريباً منذ انتخابات 2005 تقريباً 88 نائبا، ولكن لا ننسى بأن الإخوان المسلمين في انتخابات 2010 التي أشرف عليها أحمد عز لم يكن لهم فيها نصيب، ولذلك كان من مصلحة الإخوان المسلمين النزول بقوة في 25 يناير.

طالع أيضا  بعد 200 من الاعتصام.. الطلبة المطرودون مستمرون في الاحتجاج والتضامن معهم يتزايد

وأشار إلى أن التيار السلفي المسيس هو كذلك كان من مصلحته النزول، لأنه كان متضرر مثلاً تيار حازم أبو إسماعيل، وعندنا التيار السلفي المهادن الذي لم يتدخل مثل السلفية التقليدية في المغرب، وكذلك جبهة الدعوة السلفية في مصر، لكن ما دفعهم للدخول فيما بعد هو تذكر ما وقع قبيل 25 يناير بعد تفجير كنيسة القديسين واعتقل فيها من الإسكندرية ومن الدعوة السلفية، وحفّز فكرة الخروج إلى الشارع وفاة أو قتل أو استشهاد السيد بلال، الذي كان من الدعوة السلفية، فلم يكن لهم عذر في عدم الخروج. وهناك أيضاً التيار الشيعي الذي تناقضت مواقفه، مع الربيع في البحرين وفي اليمن، وضده في سوريا، حيث يخاف من نجاحه في سوريا التي هي ظهر حزب الله، ثم ستكون استفادة لتركيا، وستعطي نصراً للتيار الإخواني، لذلك نلاحظ بأن التيار الشيعي إلى يومنا هذا هو ضد مخرجات الربيع العربي.

في الخلاصة بالنسبة للحركات الاسلامية كان جانب المصلحة مؤثراً، ثم الموقع، فكل حركة أثر موقعها في موقفها، وكذلك كان منطق حسابات الربح والخسارة.

يمكنكم متابعة باقي مداخلات الدكتور عمر إحرشان وكذا الأستاذ محمد حمداوي في الفيديو: