قبل وقوفه عند دور الحركة الإسلامية في دينامية الربيع العربي، قدم الأستاذ ممد حمداوي تمهيدا لمدلولات الحركة الإسلامية باعتبارها “مجموع التنظيمات المنطلقة من الإسلام باعتباره مرجعية شاملة عامة، ولها نظرة شاملة ومتكاملة للحياة… وتهدف إلى نهضة بلدانها والأمة بصفة عامة، ونصرة القضايا العادلة عامة ولقضية فلسطين بشكل أخص… وتتخذ معظمها طابعا مدنيا سلميا باستثناءات قليلة”، مميزا إياها عن الحزب السياسي والجمعية من جهة، ثم عن الصحوة الإسلامية من جهة ثانية.

بعد ذلك قدم مسؤول مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان، الذي كان يتحدث إلى جانب الدكتور عمر إحرشان في ندوة “خلاصات تجارب الربيع العربي.. الحركة الإسلامية ودورها في التغيير” التي نظمها مكتب العلاقات الخارجية للجماعة، وبثتها قناة الشاهد الالكترونية يوم الجمعة 23 أبريل 2021، تشخيصا للأوضاع في الإقليم التي أدت إلى تفجر الربيع العربي، منطلقا من الانتكاسات التي أصابت الشعوب العربية بعد حروب التحرير وجلاء الاستعمار، أعقبتها انتفاضات دورية أو انقلابات عسكرية أدت إلى تغييرات شكلية سرعان ما ينتهي مفعولها لتعود الأوضاع إلى سابق عهدها. وهنا اعتبر حمداوي أن سنة 2011 كانت بمثابة وصول الاحتقان الاجتماعي إلى مرحلته القصوى بسبب الاستبداد والفساد والافساد والظلم والفشل الاقتصادي والتنموي، ما أنتج في نظره آفات اجتماعية على رأسها آفة الفقر التي اكتوت بلظاه معظم الشعوب العربية، إضافة إلى التهميش وفقدان الأمل في التغيير. لكن الشرارة التي غيرت كل هذه السكونية، من وجهة نظره، هي وفاة الشاب التونسي البوعزيزي رحمه الله التي تحولت إلى وقود للثورة التونسية وما لحقها من ثورات أخرى.

وبخصوص تقييم تجارب الربيع العربي؛ عدد مسؤول العلاقات الخارجية للعدل والإحسان مؤشرات إيجابية مهمة لانتفاضات الإقليم العربي رغم الكلفة الباهظة جدا لهذا الحراك، من أهمها الإطاحة برؤوس استبدادية عمرت طويلا سواء في الموجة الأولى (2011) أو الثانية (2019)، وتكسير حاجز الخوف، إضافة إلى تعبئة أجيال مستعدة للتضحية تحقيقا للكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. كما صنف المتحدث هذه التجارب إلى صنفين: صنف تدحرج نحو العسكرة والمواجهة المسلحة (سوريا، ليبيا، اليمن) الذي عده حمداوي خطأ كبيرا أدى إلى فظائع وكوراث، وسهلت الاختراق الاقليمي والدولي لهذه الثورات والتلاعب بمصير تلك الشعوب. وصنف ثانٍ من التجارب حافظ على الطابع السلمي للحراك (مصر، تونس، المغرب، الجزائر، لبنان) رغم القمع الرهيب التي جوبهت به هذه التجارب. غير أن معظم هذه الأصناف لم تحقق النتائج المرجوة، رغم أن التجارب الدولية بينت أن التغيير مسار طويل من الموجات، وتبقى التجربة التونسية في نظره التجربة الديمقراطية الوحيدة الناجحة رغم المخاطر المحدقة بها داخليا وخارجيا.

طالع أيضا  د. العلام: عودة الثورات تكون أقوى وأعمق من موجاتها الأولى

وجوابا عن سؤال منشطة الندوة المهندسة حفيظة فرشاشي حول دور الحركة الإسلامية باعتبارها فاعلا مهما في لحظة الربيع العربي، قال القيادي في الجماعة إنه “على العموم كان هناك انخراط كلي وكبير في جميع الانتفاضات التي عرفها الربيع العربي في جميع البلدان، وتحملت الحركة الإسلامية كلفة كبيرة جدا لوجيستيكيا وتعبئة وحضورا ميدانيا دام لأسابيع وشهور في دول وسنوات في دول أخرى”.

واعتبر المتحدث ذاته أن هذا الحضور كان فعالا ومنسجما ومتناسقا مع القوى الأخرى سعيا لتذويب الاختلافات الجزئية تغليبا للمصلحة العامة، بالتنازل عن أمور كثيرة توحيدا للهدف وهو مواجهة الظلم وأدت في سبيل ذلك تضحيات جسام ولا تزال في مختلف التجارب خاصة في مصر.

غير أن حمداوي أكد أن هذا الطابع العام الذي تميز بانخراط كلي للحركة الإسلامية في دينامية الربيع العربي؛ خرج عنه توجه وحيد في العالم العربي وهو حزب العدالة والتنمية بالمغرب الذي كان له موقف مخالف للانخراط في الربيع العربي.

وبخصوص قراءته لتجارب الحركة الإسلامية في تدبير الدولة، وقف عضو مجلس إرشاد الجماعة مع التجربة المصرية التي لم يسعفها الانقلاب العسكري للتقييم المنصف بعد الإطاحة بأول رئيس منتخب في تاريخ مصر، الشهيد محمد مرسي رحمه الله، لكنه سجل على تجربة الإخوان المسلمين في مصر، حيث التقدير الخاطئ في نظره للتصدي لمنصب الرئاسة، وضعف الانفتاح الكبير على كل القوى لصناعة “حزام” واقي للثورة لإنجاز المهام الكبرى للثورة من جهة ولمواجهة المتربصين بالثورة من جهة ثانية. أما في التجربة التونسية فقد اعتبر حمداوي أن حركة النهضة تصرفت باتزان وكثير من المرونة أمام الاكراهات الكبيرة التي واجت التجربة، لكن الإنجازات بعد عشر سنوات لم تكن في المستوى المرجو خاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. أما بخصوص تجربة العدالة والتنمية بالمغرب التي انخرطت بقوة في عرض السلطة في 9 مارس 2011، الذي اعتبره قوى أخرى مناورة والتفافا على حراك 20 فبراير، وقد أثبت العقد المنصرم أن المغرب رجع إلى “المنقطة السالبة” ميزتها اليوم احتقان اجتماعي كبير وفشل اقتصادي تنموي، ارتفاع مهول للمديونية، اعتلال المجالات الخدماتية الأساسية خاصة التعليم والصحة.

طالع أيضا  ذ. حرور: أعمال البر المُرغّب فيها في رمضان مندوبة كذلك في شعبان

وعن سؤال التوجس الغربي من الانتفاضات العربية، فقد أرجعه الأستاذ حمداوي إلى العقيدة الفلسفية والحضارية للغرب تجاه الإسلام، وأيضا إلى مسألتين أساسيتين: أولهما توجسه من الحركة الإسلامية رغم التطمينات المتوالية التي تقدمها هذه الأخيرة خطابا وسلوكا، خاصة في اقتناعها في نظره بكونها شريكا إلى جانب شركاء الوطن في بناء دولة ديمقراطية. وثانيهما أن الغرب لا يريد قيام سلطة ديمقراطية مستقلة عن مصالحه التي لا تؤمن بالتكافؤ، بل يريد الغرب أن تكون الرابح الوحيد في أي علاقة وغيره خادم مطيع.

جدلية الدعوي والسياسي في خطاب وسلوك الحركة الإسلامية كان حاضرا أيضا في ندوة “الحركة الإسلامية ودورها في التغيير”، والذي لا يظهر جليا، حسب حمداوي إلا في إطار ممارسة السلطة، حيث قدم ثلاثة نماذج لهذه العلاقة أفرزتها تجارب الربيع العربي:

•       حالة هجرة من الدعوة إلى السياسة التي مثلتها حركة النهضة في تونس التي تحولت إلى حزب سياسي؛

•       حالة التماهي بين الدعوي والسياسي بدون حدود واضحة بين الخيارات الدعوية والسياسية كما في الحالة المصرية رغم قصر مدة التجربة قبل الانقلاب العسكري؛

•       حالة تضخم الفعل السياسي على حساب الفعل الدعوي بتصدر قيادات من الصف الأول والثاني من الحركة الإسلامية للعمل السياسي على غرار تجربة العدالة والتنمية بالمغرب.

ليقدمها استخلاصا مهما منطلقا من التسليم بضرورة وجود نوع من التمايز بين مجالات عمل الحركة الإسلامية باعتبارها تجعل وسط المجتمع في واجهات متعددة ولكل منها قواعدها الخاصة، لكن مع الحرص على تضخم أحد الجوانب على الأخرى، مع الحرص على عدم ذوبان الحركة الدعوية في الفعل السياسي، والتركيز على التربية الإيمانية الأخلاقية للرموز السياسية، وهذه الأخيرة عدها المتحدث الكفيلة بتحصينهم من إغراءات السلطة ومن مزالق النكوص والتنكر للمبادئ والقيم التي بناء عليها نالوا ثقة الشعوب.

طالع أيضا  عيد الفطر.. هدية رمضان المعطرة

وكخلاصة لمخاض تجربة الحركة الإسلامية في دينامية الربيع العربي؛ قدم الأستاذ حمداوي استشرافا للأدوار المستقبلية لهذه الحركة في تدبير الانتفاضات التي تبقى شروطها قائمة باستمرار، مركزا على المستوى الذاتي والمستوى السياسي وعلى مستوى محيطها.

 على المستوى الذاتي دعا القيادي في الجماعة الحركة الإسلامية إلى الحرص على التوازن بين التربية والتزكية الإيمانية القلبية، وبين الفكر والثقافة، والحركة في الميدان. ويبقى ركن التربية والتزكية في نظره عاملا حاسما في تحديد حاضر الحركة الإسلامية ومستقبلها. إضافة إلى ضبط العمل المؤسساتي في اشتغال الحركة، وسريان الروح النقدية البناءة داخل جسم الحركة الإسلامية، وسيادة الشورى الداخلية الملزمة، والاستناد إلى مراكز دراسات متخصصة توفر المعلومة الدقيقة لتجويد القرارات.

أما على المستوى السياسي، فقال حمداوي إن الحركة الإسلامية مدعوة إلى الإسهام مع باقي الفرقاء في العمل على صياغة برنامج مشترك للمرحلة الانتقالية، والاتفاق على قواعد النظام السياسي المأمول تجاوزا لمطبات سوء الفهم والتفاهم بين شركاء الوطن.

ليختم هذه المستويات بأهمية التركيز على المحيط المجتمعي وعدم الارتهان فقط للتغيير السياسي، وهذا ما أكدته في نظره تجارب الربيع العربي.