بقلم: الـمصطفـى سـنـكي

إنه مثل شعبي بامتياز، كثير التداول علـى الألسن وفي مناسبات ومواقف متعددة. ولعل شعبية مثل “حُطْ رأسك بين الرّووس وقُـولْ: يا قطّـاعَ الرّووسْ” وبلاغته تُغنـي عن التقصـي عن قصته. فما مجال توظيفه؟ وما هـي دلالاته؟

يُستعمل هذا الـمثل فـي حالات التردد من اتخاذ قرار معين نتيجة لـما يكتنفه من توجس وتخوف. والـمثل إن تأمله يحتمل تفسيرين ومسارين مختلفين وربما متناقضين:

أولهما التحفيز علـى العمل الجماعـي والانخراط فيه وتفادي مفارقة الجماعة، فيد الله مع الجماعة، وما كان للأمة أن تجتمع علـى ضلال؛ بل إن التيه والخسران فــي مفارقة الجماعة والانتصار للذات. غير أن الانخراط في العمل الجماعـي الـمنظم يتطلب وضوحا فـي الأهداف، وإجرائية فـي الوسائل، وتقاسما للأعباء والتضحيات، وتداولا شوريا فـي الـمآلات والـمُخرجات، واستحضارا للعقبات والإكراهات، ليكون للعمل الجماعي معنى وقيمة، وهو ما يضمن دوام الانخراط وانتظام البذل والثبات علـى الـمواقف مهما كانت الصعاب.

وأما الانخراط دون هدى واقتناع فـي أي فعل مجتمعي أو مشروع تغييري فلا يبني ولا يُعوّل عليه، فمن كان دأبه الانفعال والحماس، فقد يأتي الشيء ونقيضه، يصطف اليوم في خندق ويعاديه بذات الحماس عند أول تمحيص واختبار، بدعوى التغرير به والاحتيال عليه واستغلال سذاجته.

وثاني التفسيرين والـمسارين هو إلغاء التفكير الحر والتحري قبل اتخاذ أي قرار، فتنشأ فـي الـمجتمع غوغائية مقلدة، ويغدو الـمجتمع أشبه بالقطيع الذي يسهل التحكم فيه وتوجيهه، وهذا ما يسمى بالذهنية الرعوية التي تنتظر أن يُفعل بها ولا تفعل، استقالت من تدبيــر شؤونها، وفقدت الإرادة علـى الفعل. لذلك، فالـمثل قد يُحيل إلـى النزوع نحو التهرب من تبعات الانخراط فــي الفعل الـميداني والقرار الـمسؤول بالاختباء وسط الناس، تصديقا لـمقولة: إذا عمّت هانت.

طالع أيضا  محاضرات الشاهد|1|عبادة انتظار الفرج (فيديو)

الـمثل إذن حمّالُ أوجه، فقد يكون مؤشرا علـى الوعـي إذا كان الانضمام إلـى الـموقف الجماعي علـى بينة ووضوح بالـموقف من حيث الـمبدأُ، ومن حيث الأهدافُ، ومن حيث الوسائلُ، ومن حيث النتائجُ، ومن حيث العقبات والعواقبُ مصداقا لقوله تعالى فـي بداية سورة العنكبوت: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. وقد يكون ذات الـمثل مكرسا للتقليد والتبعية لتيار جارف أو رياح عابرة، سرعان ما يكشف الـميدان وتقلباته معادن الناس وطبيعة النفوس التي صورها البيان القرآني متحدثا عن الـمنافقين: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُم قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّــــى يُؤْفَكُونَ.

الكينونة وسط الجماعة شجاعة وانتصار للحق ومؤشر صحــي على شرط الوضوح والهدى، وتبعية وإِمّعيّة وغوغائية إذا كانت مجاراة لتيار دون بينة أو يقين، وعنوان إفلاس وبوار، في دقيق الأمور قبل جُلها.  

والحمد لله رب العالـمين.