ثم يطرق -رحمه الله تعالى- بكلماته الحانية وعباراته الراقية أبواب القلوب يوقظها ويشوّقها ويذكّرها، وفي الآن نفسه ينبّهها تنبيه أب رحيم ومعلّم حكيم لئلا يضيع الجهد سدى، ولئلا ينضب معين العطاء والبذل أبدا:

“أمومة حانية لمن جفتهن الأمهات، صدور محبة لمن يستغثن، ذمة موثوقة لمن لدغتهن أفاعي مجتمع الظلم والكراهية. أي مَعْدِنٍ هو معدِنُكِ يا أخت الإيمان؟ أنانية وشُح أنت أم عين تفيض بِرّاً؟ ما قدرك عند الله مولاك؟ انظري ما قدر مريض عندكِ عدته في الله، واشتريت علب الدواء بعد أن أحضرت الطبيب. انظري ما قدر جائعات وجائعين أطعمتهم في الله. وراقبي نفسك ليكون كل ذلكِ في الله ولله، لا يدخلْ نفسكِ رياء فيبطلَ عملك.

تصلحين في الأرض يا أخت الإيمان اقترابا من ربكِ عز وجل وتقديما لآخرتك، وحُسْنَ صحبة للشعب، وتأليفا للقلوب على الدين، وتهييئا لإقامة دولة الإسلام، دولة العدل الذي يعيد إلى نصاب الاستقامة ما اعوج من شؤون الناس. ثم هي مسيرة لا تقف بك وبأجيال المؤمنات من بعدِكِ. لا يَأسو عدل الدولة الجراح الشخصية، ولا للدولة قلب متفرغ للحالات الخاصة، ولا تملأ القسمة العادلة مهما بلغ تحريها فجواتٍ اجتماعية، وفراغاتٍ طارئة، ومصائبَ نازلةٍ عينيّةٍ مكانية زمانية ضحيتُها فلانة وآل فلانة من الناس.” 1.

إنّ الخصال التي تحلى بها مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمله للكلّ وصلته للرحم وإكسابه للمعدوم وإعانته للناس في النوائب جعلت له شعبية كبيرة، وحضورا قويا في أوساط قريش وما حولها من القبائل. فسمّوه الصادق الأمين ورضوا به حكما في قضايا كبرى كإعادة وضع الحجر الأسود مكانه مثلا، كما أن أخلاقه هاته هيأت له أرضية دعوية جذبت إليها الكثير من المستضعفين. فعلينا أن نتحلى بهذه الفضائل تأسيا بالجناب الأعظم صلى الله عليه وسلم أولا، ثم حرثا في أرض الدعوة في انتظار سحب الاستجابة والاستقطاب. و لله درّ الإمام –رحمه الله تعالى- فقد قال:

“في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز، في وعي المقهور المحقور لا يتضح إلا برهان الحرية، في الأثر: “كاد الفقر أن يكون كفرا.” فمن كان شغل يومه ونهاره هم القوت، والمأوى، والكسب والشغل، والدين، ومرض الأطفال، ومصير الأسرة، لن يستمع لعرض المبادئ العليا ولو كانت دينا يؤمن به، لا وقت له، لا استعداد، لا مناسبة. ويأتيه النقابي الماركسي، والمحرك الإيديولوجي يعرض عليه حالته الاجتماعية، ويعلمه من هم أعداؤه الطبقيون كيف استغلوه، كيف ابتزوا رزقه، كيف أكلوا عرق جبينه، كيف أفقروا أسرته كيف اضطهدوه وسفكوا دمه، كيف يجب أن يتكتل مع من يدافع عن حقه، ويقدم الخدمات، كيف يثور على الظلم. لن تسمع تلك الآذان البريئة حديثا عن الدين في ذلك السياق المعاشي، لن يطرق ذلك الوعي الساذج ما يخدش الدين في وعود التحرر الذي يتعطش إليه المقهور المحقور.

طالع أيضا  ذة. القيطوني: من مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم (فيديو)

فإذا أتيت يا داعي الله بالوعظ السامي وغزوت تلك الأذن وذلك الوعي المشغولين بالفقر والتعاسة والهم والمقهورية بقوارع الزجر أو لوامع البيان دون أن تذكر أمل الشفاء لمريضك، دون أن تصف العلاج، دون أن ترد المرض إلى أسبابه، دون أن تواسي، دون أن تقف بجانب من يحتاج إلى وقفتك، دون أن تربط مصائر الناس في الآخرة بمصائرهم في الدنيا، فلا تعجب أن غلب الفقر ولواذعه الإيمان ونوازعه” 2.

“جعل الله الحافز المادي دعامة من دعامة الإيمان، لا اكتمال للإيمان في نشوئه وحركته إلا بها. في مقدمة خطوات اقتحام العقبة فك رقبة، واطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة: أرأيت هذا الحنو على حالة المقهور والجائع؟ أرأيت التهمّم باليوم الشديد والمسغبة الشاغلة؟” 3.

وتبقى دعوتنا مجرد أحلام وأوهام إن ظننا أنّه فقط بواسطة خطباء متميزين يصدعون بكلمة الحق في المحافل يمكننا كسب قلوب الناس واستقطابهم، ولذلك يقول الإمام رحمه الله تعالى:

“وعلى جند الله أن يبسطوا يد الرحمة للمسلمين، ويبرهنوا للشعب بحملهم همومه، ورعايتهم لحقوقه، أن برنامج الحل الإسلامي إقامة مجتمع العدل والرحمة والكرامة.

على مستوى التنظيم تشاع مستلزمات الأخوة بين جند الله، يكرم بعضهم بعضا، ويصلحون ذات بينهم، ويسترون عورات الناس ما لم يكن فسق أو بدعة قادحة في العقيدة، أو خيانة لأمانات الجماعة.

ومن مكملات الدعوة إدخال السرور على المسلمين وتنفيس كربهم، ومدافعة اضطهاد المستكبرين عنهم. حتى إذا اجتمعت الدعوة والدولة في يد المؤمنين كان معنى هذه الشعبة إقامة مجتمع يكرم فيه المسلمون، ويكرم فيه الإنسان.” 4

وبلمسة أبوية وخبرة تربوية لا ينسى الإمام –رحمه الله تعالى- التذكير بما قد يفسد أعمالنا، فنأتي في اليوم المشهود، وقد أبطلنا كل ما بذلنا من أموال وجهود:

طالع أيضا  ولد الهدى

“الفتى يحمل، ويصل، ويجمع، ويفدي إخوته. ليس الفتى من هذه الإبل المائة التي لا تكاد تجد فيها راحلة. بل هو حامل ثقل الجماعة. ثم لا يمن على إخوته عطاء فيفسد عمله. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى 5. فمن كان يقدم لإخوته خدمات ثم يذكرها ما شم من خصلة البذل رائحة. وقولك في معرض الحديث بدون حاجة: «فعلت لفلان كذا» مما يبطل الأعمال عند الله. روى الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم (قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات). قال أبو ذر: خابوا وخسروا! من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف»” 6.

وأختم بهذه الالتفاتة الحانية التي تنمّ عن قلب كبير ومشاعر فياضة وإحساس مرهف ودراية بمعالجة الأنفس:

“لا تستطيع الدولة بسلطانها أن تعوض الناس عن الحنو الأخوي والتعاون بينهم، حتى ولو توفر لها من الأموال ما تسدّد به نفقات ما يسمى بلغة العصر «دولة الرخاء العام».

مال وزع بالقسطاس، هذا عدل. لكن الإنسان لا يعيش سعيدا بمقياس ما لديه من مال. لا ولا تقدر الدولة أن تنكب على الحالات الشخصية، ولا أن تعطي مع الحوالة بسمة ومساعدة محبة رحيمة” 7.

نعم إنّه لمما يغفل عنه كثير من المنفقين والمتصدقين والعاملين على خدمة الناس، وهو أن حاجة الفقراء والأرامل والأيتام وأصحاب النوائب إلى الكلمة الطيبة، واللّمسة الحانية، والبسمة الشافية، أعظم من حاجتهم إلى العطاء نفسه. قال الله عز وجل: أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ 8. في كثير من الأحيان لا يكون الأذى بالكلام، وإنما يكون بالوجه العبوس والإشارة اللاذعة والنظرة المزدرية، أذى الصمت أشدّ على النفوس المقهورة من أذى الكلام.

طالع أيضا  ذ. مساعيف: متشبثون بملف الشهيد كمال عماري وذكرى مقتله لن يمحوها مرور الأيام والسنوات (حوار)

يا أخي… “تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة…” 9 هكذا علمنا سيد الأنام.

أحسن إِلَى النَّاس تستعبد قُلُوبهم…     فطالما استعبد الْإِنْسَان إِحْسَان

 يَا خَادِم الْجِسْم كم تشقى بخدمته…أتطلب الرِّبْح فِيمَا فِيهِ خسران

أقبل على النَّفس واستكمل فضائلها…فَأَنت بِالنَّفسِ لَا بالجسم إِنْسَان

وَإِن أَسَاءَ مسيء فَلْيَكُن لَك فِي…عرُوض زلته صفح وغفران

وَكن على الدَّهْر معوانا لذي أمل…يَرْجُو نداك فَإِن الْحر معوان

وَاشْدُدْ يَديك بِحَبل الله معتصما…فَإِنَّهُ الرُّكْن إِن خانتك أَرْكَان

من يتق الله يحمد فِي عواقبـه…ويكفه شَرّ من عزوا وَمن هانوا

من اسْتَعَانَ بِغَيْر الله فِي طلب…فَإِن ناصره عجز وخذلان

من كَانَ للخير مناعا فَلَيْسَ لَهُ…على الْحَقِيقَة إخْوَان وأخدان

من جاد بِالْمَالِ مَال النَّاس قاطبة…إِلَيْهِ وَالْمَال للْإنْسَان فتان

من سَالم النَّاس يسلم من غوائلهم…وعاش وَهُوَ قرير الْعين جذلان 10

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.

 


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات 2، مطبوعات الافق- الدار البيضاء، ط1/1996، ص60.
[2] عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، توزيع دار الإيمان، ط1/1987، ص12.
[3] عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية ، توزيع دار الإيمان، ط1/1987، ص12.
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص144.
[5] (سورة البقرة، الآية: 264).
[6] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص194.
[7] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع، ط2/1989، ص207.
[8] (سورة البقرة، الآية: 264).
[9] رواه الترمذي، والبزار ، وابن حبان. قال الترمذي: حسن غريب.
[10] قصيدة للشاعر أبو الفتح البستي.