بقلم: شيماء زرايدي

لقد أتى ضيف عزيز يطرق أبواب القلوب يملأها بالفرحة والسرور. اللهم أهله علينا باليمن والايمان والسلامة والإسلام. هو شهر تتجدد فيه النيات، وتتصافى فيه القلوب ويشمر فيه أحباء الله على السواعد تقربا وتضرعا وتعرضا لنفحاته سبحانه وتعالى، وامتثالا لقوله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 1.

رمضان غنيمة للمؤمنين، وشفاعة للمتقين، وحصن حصين من النيران للفائزين، يقول صلى الله عليه وسلم: “إذا كانت أول ليلة من رمضان فتّحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفّدت الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة”. 2. ويقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: “أتاكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويَحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم رحمة الله”. 3

هي أرواح تتسامى فتصوم عن شهوات النفس ورغباتها، هي ألسنة لا تردد سوى الذكر والتلاوة والاستغفار والتسبيح، هي قلوب تذوب خشية وحبا وتضرعا لخالقها سبحانه وتعالى؛ تتجاوز، تتسامح، وتصفح. وهي جوارح تترجم عمل الروح وسكون القلب، فتسجد وتركع وتجاهد وتخشع وتنفق ليكون لها نصيبها من المغفرة والرحمة والعتق من النار.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ”. 4

ولأن ذخر الأمة شبابها، وعزتها لن تكون إلا بهم، كان لا بد أن نجدد العزائم وأن نشد الهمم لنتعلم نحن الشباب كيفية الاستعداد لشهر الرحمة والمغفرة.

الشباب ورمضان

عنوان اجتمع فيه عمر العطاء والجد والاجتهاد مع وقت الاغتنام والفوز والكد والعمل إذا كان في العزم مضاء. فإذا تزود الشاب والشابة بخصال الإيمان وتنسم معالي الإحسان في وقت انصراف الأقران والأخلاء للهو والرخو، كانا من الأًصناف السبعة الذين واللواتي يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله وفازا بالجائزة العظمى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”. 5

عندما تهب نسائم رمضان ينقسم شباب الأمة إلى قسمين:

طالع أيضا  شجاعته ونجدته صلى الله عليه وسلم

1-    شباب يحزن النفس: والله من المحزن أن ترى جموعا غفيرة من الشباب في ليالي رمضان متتبعا للملاهي، منهكا بالتنقل بين الشاشات، فإذا نادى منادي الثلث الأخير من اليل أعتم غرفته وخلد إلى النوم، ولم يستفق إلا آخر النهار، منتظرا ساعات الافطار. فأي صيام لهؤلاء؟ وأي رمضان لهؤلاء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “رب صائم ليس له من صيامه الا الجوع والعطش”. 6

2-    شباب يفرح الروح: هلَّ هلال السعد وشد الشباب الهمة، وسدوا المناكب وحادوا بين الصفوف ركوعا وسجودا في المساجد والصلوات – ما سلم منها من الإغلاق والحظر. شباب تفوح من روحه وريحانه ريح الهداية، شباب عقد العزم على الختم، والمداومة على الصلوات والقيام، شباب استقام في رمضان تطلعا لما بعد رمضان.

إعداد القلب والجوارح لرمضان

كيف لقلب أثقلته المعاصي والذنوب وأقبل عليه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، ألا يعقد العزم طلبا في جنان العلى والعتق من النيران؟ هذا الاستعداد أحبتي يكون بالتوبة والاستغفار بعد أن ييسر الله تعالى للإنسان أسباب الهداية، ويشرح صدره ويجعله راغبا طالبا في الصلاح، لكي يقوي رغبته ويستنير بالعلم النافع وينخرط في العمل الصالح. فقد كان السلف الصالح يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم نفحات رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم طاعات رمضان، وكأن حياتهم كلها رمضان. فطوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان. أقول لك أخي القارئ أخيتي القارئة قد حان وقت العزم والعمل فهما أساس الفوز دينا ودنيا، وهذه صوى لي ولك نوقظ بها ما خمل من أنفسنا:

1-    الرغبة: لا بد لك أخي وأختي أن تحيي نبض ما بيسارك، وأن تزيل عنه غبار الكسل، وتنعش أطراف قلبك بالشوق والظمأ لمورد شهر رمضان. خُط خطة توبة نصوح لا رجوع بعدها، تجُّب ما قبلها، وجدد النية له وحده لا شريك له.

طالع أيضا  د. بن مسعود: التطبيع مع الكيان الغاصب مفروض ومرفوض

2-    العلم: الله لا يعبد بجهل أحبتي، تزود أيها الشاب بعلم يقربك إلى ربك؟ اعلم بما فرض عليك من فرض الصلاة والصيام في هذا الشهر المعظم، ثم ابحث عن فضائله ليستنير عقلك، وتشرق روحك، وتثقل صفحتك بالعمل الصالح في الوقت المبارك المضاعف للأجر. خذ دفترك وخطط لشهرك؛ يومه وليلته.

3-    العمل: لما سيشتد ظمأ القلب بالرغبة، ويستنير العقل بالعلم، فقد آن أوان العمل. لا تتحسر على زمان جرفته سيول طيش الشباب، ما مضى لن يعود ولكن المستقبل أنت صانعه، شد مئزرك، وقلب صفحات مصحفك، واجعل الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتك.

4-    تجديد همة: هي عزيمة، هي اقتحام، هي إصرار، هي إرادة عالية، هي همة، هي طموح، هي حلم، هي يقين بغدٍ أفضل. هي حب، هي محبة هي شعلة نار، هي غيرة على وطن، تلك هي هممكم يا شباب هذا الوطن، فأنتم عزيمة ماضية، أنتم طليعة اقتحام العقبات، أنتم رمز الفتوة والإصرار على بلوغ الهدف. أنتم طموح يحقق المبتغى، أنتم حلم طفولة رُسِم على أوراق دفتر جرفته مياه الذكريات على هامش مجتمع غارق في الخلاف.

أنتم يقين على أن النصر آت آت، والإسلام آت آت، لا ينقصكم سوى أن تبحثوا عمن يشد على أياديكم ويقول لكم: من هنا الطريق! من هنا البداية!

من أجل أن تخلد أسماؤكم وينشد لكم قائلين: أنتم شهب كتِب لها أن تحترق لإنارة عصورها، لأن العلم لا ينال براحة الجسم كما يقال بل بالكد والتفاني، ولأن من طلب العلى سهر الليالي. لذلك أقول لكم ولي تحت هذه السحابة السوداء شدوا الهمم وعضوا على الإرادات بالنواجذ، وهلموا لنكون مزارعين قبل أن تمطر السحابة السوداء مطرا ولا يسقي لنا حرث. قبل أن نعض على أيادينا حسرة وتحسرا على ما فات، لأن من لم يذق مُر العلم ساعة تجرع مرارة الجهل طول الحياة. لذلك اطلبوا العلم ولا تتكاسلوا فما أبعد الخيرات على أهل الكسل، ولا تقولوا قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل.

طالع أيضا  #رمضان_فرصة مع الأستاذة السعدية الجغلالي.. "قيام الليل"

 نعم السحابة خيمت وحجبت الشمس لتوهمنا أننا بعيدون عن الحر، لكن هيهات هيهات هو وهم هذه الراحة التي ننعم فيها؛ سرير، هاتف، مائدة تعكف على إعدادها من تنظر لنا بعين التعظيم، على أننا أطر المستقبل. لذلك أقبلوا نخطو خطوة، ونقلب صفحات الكتب بحثا على ما يزيد مستقبلنا ومستقبل الوطن إشعاعا وازدهارا.

 هو صلاة في وقتها، هو قرآن أزيل عنه الغبار، هو ذكر، هو دعاء، هو تضرع، هو قيام، هو صدقة، هو بدل، هو كلمة طيبة، هو بشاشة وجه، هو كتاب، هو مقرر دراسي، هو ضمير كالسيف الحاد على التهاون، هو عقل فطن، هو عاطفة على مجتمع الفوارق، هو سرير طوِّيت أغطيته صباحا هو غرفة فتحت نوافذها، هذا هو رمضاننا أحبتي.

أسأل الله تعالى أن يُقر أعيننا بشهر البركة والإحسان، وأن يُمتعنا بلذة الصيام وبركة القيام وأن يُذيقنا حلاوة الإيمان.


[1] [البقرة:183]
[2] أخرجه البخاري ومسلم
[3] أخرجه الطبراني.
[4] «حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يخرجاه» من كتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم.
[5] رواه البخاري (38)، ومسلم (760).
[6] رواه أحمد والحاكم.