بقلم: المصطفـى سـنكي

قصة الـمثل:

تُتـداول فـي أصل هذا الـمثل قصتان:

قصة تعتبر الـمثل أندلسيا نسبة إلـى “دادي” وهو نبات بزهر أحمر يكثر في غرناطة الأندلسية، ويشترك “الدادي” أو “الديدي” حسب طريقة نطق الأندلسيين مع “حب الـملوك”/الكرز في اللون الأحمر القاني،

وقصة ثانية تعود وقائعها إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية بضواحـي مدينة صفرو حيث كان أحد الـمعمرين ويسمى “ديدي” يستغل ضيعة لأشجار “حب الـملوك”، وكان يُشغِّل عددا كبيرا من العمال، لا سيما في موسم جني محصول “حب الـملوك”. وذات سنة كانت كل الـمؤشرات تؤكد أن الـمحاصيل ستكون جيدة، وقبل موعد الجنـي هبت عواصف رعدية أتلفت الـمحصول، وخرج “ديدي” يتفقد الضيعة، فهاله ما رأى، فلم تبق العاصفة الرعدية من الـمحصول شيئا، ولم يتحمل الكارثة فعمد إلـى بندقيته وقتل نفسه رميا بالرصاص الذي تردد صوته في الـمنطقة، فأسرع العمال والساكنة يتفقدون الـمكان فإذا برب الضيعة مُلقىً جثة هامدةً، فتبادلوا نظراتٍ ملؤها الحسرة واليأس مرددين: “لا ديدي، لا حبّ الـملوك”. فـي إشارة إلـى ضياع مالك الضيعة وفرصة جني الـمحصول.

دلالات وعبر الـمثل:

يُضرب هذا الـمثل، لا سيما بقصته الثانية لـمن راهن على شيء وفقده، بل وفقَد معه فرصة الظفر به لاحقا، فصارت الخسارة مزدوجة، كما في القصة الثانية، حيث تبخرت فرصة العمل وهلك معها صاحب الضيعة “ديدي”. وإذا كان إدراكُ الأرزاق مادية كانت أو معنوية خارجاً عن الإرادة البشرية، إذ الـمطلوب من الناس هو الأخذ بأسباب الرزق من سعـي حثيث وإفراغ الجُهد، فإنما يؤاخذ الناس بنواياهم واختياراتهم مصداقا للقاعدة القرآنية: إن يعلم الله فـي قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا.

وإذا كانت الخسارة فـي الأهداف الـمادية مقدوراً علـى تداركها لاحقا، فإن الخسارة تكون أفدح وأصعب علـى التدارك عندما يتعلق الأمر بالـمبادئ والقيم، فأعظمْ بحسرة من “استثمر” بمبادئه وقيمه محدثا نفسه بتحقيق مجد فريد ونجاح غير مسبوق، لكن الواقع صدمه، فلا هو حافظ علـى مبادئه، ولا هو حقق الـمبتغـى الذي منّـى به النفس، ومن سار فـي ركبه.

طالع أيضا  اليوم السبت.. مجلس للنصيحة المركزية عن بعد يتدارس موضوع "خلق المواساة"

إن الـمثل يحذر من عواقب الاغتـرار بالقدرات الذاتية للأفراد والجماعات، وسوء التقدير لـميزان القوى الـمتدافعة فـي الـميدان/فقه الواقع، تفاديا للسقوط الـمدوي وفقدان الرصيد الـمعنوي قبل الـمادي الذي قد يستحيل تداركه، فكما يقال: “إننا لا نسبح فـي النهر مرتين”، فـي إشارة إلى التغيير الـمطّرد لـمعطيات الواقع، وبالتالي، تقتضي الحكمة القراءة الـمتأنية للواقع علـى ضوء القدرات الـمتوفرة وضبط مختلف الـمتفاعلين والـمتدخلين فـي ميدان النزال، قبل اتخاذ قرار الـمبادرة.

لذلك، فالـمثل وما يعنيه من خسارة مزدوجة ينطبق علـى من أساء الاختيار، وأخطأ التقدير والحساب. وتبقـى ذروة الخسارة التي لا نهاية لها، من خسر آخرته بدنيا غيره متوهما أنه بذلك يسلك نهج الصلاح والإصلاح.

فاللهم قِنا مواقع الزلل، واجعل توكلنا عليك، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين فنضل ونخزى.

والحمد لله رب العالـمين.