بقلم: ذ. عبد الصمد الخزروني

الأمر الثالث: الإحسان

الإحسان درجة ثالثة من درجات الدين، وهو كما ورد في الحديث: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وهو أعلى الدرجات، فوق الإسلام والإيمان بناء عليهما لا تحليقا. يقول الله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا (النساء:125). ويقول الله تعالى أيضا: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة:112). ويقول الله عز وجل كذلك: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى، وإلى الله عاقبة الأمور (لقمان:22).

تفيدنا الآية الأولى من هذه الآيات الثلاثة في كون الدين الأكمل عند الله والأفضل والأحسن هو من يسلم فيه العبد وجهه لله عبادة وطاعة وتقربا وخضوعا وركوعا وسجودا ليس مسلما فقط، وليس مؤمنا فقط، وإنما محسنا. فدين الإحسان هو أحسن دين وأفضله لما يدركه العبد في ذلك المقام من حلاوة المشاهدة والقرب من ربه عز وجل والفوز بمحبته ورضاه. وتفيدنا الآية الثانية في كون من أسلم وجهه إلى الله بإحسان وهو أفضل الدين وأكمله، وجزاؤه عند ربه عظيم من دون أن يُحدّد، فلا خوف عليه في الدنيا ولا حزن له في الآخرة. بينما الآية الثالثة تفيد أن الدين الإحساني وهو أن تعبد الله بإحسان دليل على الاستمساك بالعروة الوثقى وهي العبودية الكاملة لله تعالى، ودليل على الاهتداء والاصطفاء.

وإسلام الوجه لله تعالى بحالة إحسانية هي الحالة التي خلقنا الله عليها، وهي الحالة التي يريد أن نكون عليها، وهي الحالة التي يريد أن نلقاه بها. وهي حالة الفطرة السليمة والدين القيّم. يقول الله تعالى: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (الروم:30). حقيقة فإن أكثر الناس لا يعلمون بهذه المرتبة الإحسانية العالية من مراتب الدين والتي عبر الله تعالى عنها بالدين القيم.

معاني الإحسان

للإحسان معان ثلاثة وردت في الكتاب والسنة، وهي الإحسان في العبادة، والإحسان في المعاملة، والإحسان في العمل.

1- الإحسان في العبــادة: وبيان ذلك وإيضاحه كما قال العلماء أن للعبد في عبادته ثلاث مقامات:

الأول: أن يفعل العبدُ العبادةَ على الوجه الذي يسقط معه الطلب. وذلك بأن تكون مستوفية للشروط والأركان.

الثاني: أن يفعلها العبد وهو يعلم بأن الله يشاهده ويراه، وهذا هو مقام المراقبة.

الثالث: أن يفعل العبد عبادته في خشوع وحضور كاملين حتى كأنه يرى الله تعالى. وهذا هو مقامه صلى الله عليه وسلم كما جاء في قوله: “وجعلت قرة عيني في الصلاة”، وهو مقام المشاهدة.

2- الإحسان في المعاملة: هو ارتقاء العبد في معاملاته من دائرة ضيقة تشمل المسلمين، “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” 1. إلى دائرة واسعة تشمل الناس من المسلمين وغيرهم، “المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأعراضهم” 2. وفي رواية الترمذي والنسائي: “على دمائهم وأموالهم”. إلى دائرة أوسع بكثير تشمل جميع خلق الله تعالى من إنسان وحيوان ونبات وجماد. “إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته” 3. وهو كذلك أن نعامل هذا الكون وما فيه بالطيبة، وذلك بأن نردّ له جميله على ما يُغدق به علينا كلّ يوم من نِعم وعطايا مسخرة بإذن الله عز وجل، وليس أن نواجهه كعدو، فنمارس في حقه الجرائم والحروب بالفساد والظلم.

3- الإحسان في العمــــل: ويعني إتقانه شكلا ومضمونا، فمن حيث الشكل قد يؤدي أحدنا عمله ويبدو للعامة في منتهى الإتقان، بأن يحافظ العبد على الوقت والشروط والأركان، أما المضمون من حيث أداء الدور والمهمة والغاية، فقد يغيب ذلك كله أو جلّه. من جهة أخرى يكون الإتقان في العمل باستحضار الوعي فيه، وإلا شابه النقص والنسيان. فمثلا ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل. وليس الإحسان شيئا أكثر من أن يتقن العبدُ مقتضيات إسلامه وإيمانه. فيتوضأ ويصلي وهما من مقتضيات إسلامه وإيمانه، أما أن يحسن الوضوء ويحسن الصلاة فهما من مقتضيات إحسانه. روى الإمام البيهقي في شعبه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تبارك وتعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”. وفي قوله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، ما يدل على وجود فرق مهم بين مشاهدة المولى عز وجل حين القيام بالعمل وعدم مشاهدته. واستحضاره وعدم استحضاره.

طالع أيضا  تأسيس شبكة للإعلاميين المغاربيين المناهضين للتطبيع

خصائص الإحسان

    وللإحسان خصائص تُعرف بها مرتبته، وبها يتميز المحسن عن غيره، منها:

– الأدب فهو عماد الطريق إلى الله، والصحبة هي باب الدخول، واليقظة المستمرّة شعار البقاء والارتقاء والوصول. فمن لم يتأدب في ذلك المقام رُدّ إلى سياسة الدواب، ومن لم يقبل بالصحبة شرطا في السلوك ضاع في أول الطريق، ومن غفل أو استُغفِل خُدِع، ومن خدع سقط على أمّ رأسه. فقد يكون العبد مسلما بأن يحرص على الطاعة والعبادة، وقد يكون مؤمنا بأن يجتهد فيهما، ولكن أن يكون محسنا فلا بد له أن يلتزم الأدب، وذلك بأن يأتي الإحسان من بابه، وباب الإحسان الصحبة، صحبة ولي مرشد ينهضك حاله، ويدلك على الله مقاله، ويقيك في سلوك الطريق إلى الله من المهالك.

في الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” 4. والصحبة مفتاح لكل خير، مفتاح لقلوب العباد لتتعرّض للفتح الرباني، ومفتاح لأبواب مستقبل الأمة للنصر والفتح المبين. فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يأتي على الناس زمان يغزو فئام (جماعة) من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم” 5.

وجماع الخير الحرص على كل الآداب النبوية في العبادات والمعاملات والعادات. فلِعبادات الصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر وتلاوة القرآن.. آداب. وللمعاملات مع الوالدين والاقربين والجيران والأصحاب.. آداب. ولعادات المأكل والمشرب والنوم والاستيقاظ واللباس والسفر والمجلس.. آداب. وبهذه الآداب يتم فتح الباب والتقدم إلى الرحاب لنيل الرضا من الملك الوهاب.

 – الجمع بين الصعبين، بين السلوك الإحساني والسلوك الجهادي، بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، بين الدنيا والآخرة. فمن الناس من ارتضى لنفسه سلوكا إحسانيا فقط دون أن يحدث نفسه بجهاد من أجل الخلاص الجماعي للأمة، ومنهم من ارتضى لنفسه سلوكا جهاديا فقط، همّه في ذلك الحركة دون أن يطمح إلى الإحسان لطلب وجه الله تعالى. فهؤلاء جميعا لم يرتقوا إلى السلوك الكامل الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضي الله عنهم والذي كان يجمع بين الصعبين همّ طلب وجه الله في مصير العبد الفردي والاهتمام بأمر الأمة في مصيرها التاريخي. ومن الناس من يترك دنياه لآخرته، وهم الرهبانيون، ومنهم من يترك آخرته لدنياه، وهم الماديون، ومنهم من يأخذ من هذه لهذه وهم الربانيون المحسنون. أن يأخذ العبد المؤمن المحسن من دنياه لآخرته بفعل الخير وعمل البرّ فهذا يفهمه كل الناس بسهولة، لكن أن يأخذ العبد المؤمن المحسن من آخرته لدنياه فهذا الذي يشكّل لديهم صعوبة في الفهم بله التطبيق. في هذه النقطة نجد عند سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه ما به نزيل الغموض ونسهل الفهم والتطبيق معا. إذ قال رضي الله عنه: “إنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينتظمه لك انتظاما، ويزول معك حيثما زلت”.

طالع أيضا  تقرير: ناشطون يدونون وعائلات تصرخ.. أنقذوا حياة الريسوني والراضي

– إرادة وجه الله تعالى، ففي القرآن الكريم قسّم الله تعالى إرادات الناس إلى ثلاثة. فأخبر عن إرادتين في آية فقال سبحانه تعالى: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة (آل عمران:152). وأخبر عن الإرادة الثالثة في آية مستقلة، ولِعظم شأنها ذكرها في صيغة أمر، فقال الله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (الكهف:28). فكان من يريد الدنيا يريد العاجلة الفانية. ومن يريد الآخرة يريد الباقية الدائمة. ومن يريد وجه الله تعالى يريد رب الدنيا والآخرة وخالقهما. وهي أعظم إرادة وأعظم فوز. وإلا فما قيمة دخول البيت والاستمتاع بما فيه دون ملاقاة صاحب البيت الذي أعدّ هذا البيت وما فيه من متاع وخير، ودون مشاهدته والنظر إلى وجهه.

– الحرص على أحب الأعمال إلى الله، إذا كان المسلم في مرتبة الإسلام يحرص على أداء الفرائض لأنها الأساس في الدين، إذْ لا يمكن أن يتمّ له بناء بدونها. وإذا كان في مرتبة الإيمان يحرص المؤمن على فضائل الأعمال المُقامة على أساس بناء الفرائض تمهيدا ليعلو البناء إلى ما فوقه، فإن في درجة الإحسان يحرص المحسن على أحبّ الأعمال إلى ربه، لأنه قد أدرك أنه آن الأوان بعد أن قدّر ذاته بالإسلام، وحقق ذاته بالإيمان، أن يتجاوز ذاته بالإحسان ليحيا بكليته بالله ولله وفي الله. فيردّد: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمرت، وأنا أول المسلمين (الأنعام:163).

ومن أمثلة الأعمال التي يحبها الله تعالى الواردة في الأحاديث النبوية نذكر:

“أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله” 6.

“أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر” 7.

“أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله” 8.

“أحب الحديث إليَّ أصدقه” 9.

“أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي” 10.

“أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله” 11.

“إن الله يحب سَمْحَ البيع سمح الشراء سمح القضاء” 12.

“إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي” 13.

“إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده” 14.

“أحب الدّين ما داوم عليه صاحبُه” 15.

“إن الله يحب الرفق في الأمر كلّه”. وفي رواية: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله” 16.

أركان الإحسان

للإحسان ركنان عظيمان ومهمان كما ورد في الحديث وهما:

الأول: ركن المشاهدة (أن تعبد الله كأنك تراه).

والثاني: ركن المراقبة (فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

وعن الركنين ينتج ركن ثالث زاده أهل التربية وهو ركن المكاشفة. يبين الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ماهيته بأنه: “عبارة عن نور يَظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة (…) حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه (…) والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، (…) وكيفية معاداة الشيطان للإنسان، (…) والمعرفة بملكوت السماوات والأرض، ومعرفة القلب (…) ومعرفة الآخرة والجنة والنار (…) ومعنى لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم، (…) إلى غير ذلك مما يطول تفصيله” 17.

طالع أيضا  الاعتكاف منطلق مسيرة جديدة.. مع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

وبين الركنين مقاماتٌ ومنازل ينتقل من خلالها السالكون من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن منزلة إلى منزلة. هناك من العلماء من عدّ هذه المقامات بعدد آيِ القرآن بدليل حديث “اقرأ وارتق” 18. وهناك مِن الأئمة مَن عدّها كالإمام الهروي رحمه الله في كتابه “منازل السائرين” في مائة مقام. وهناك من عدّها في أقل من ذلك كابن القيم الجوزية في مدارج السالكين. والإمام الواسطي رحمه في كتابه “اللمع” عدّها في سبع مقامات: التوبة والورع والزهد والفقر والصبر والتوكل والرضا. أما الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه “الإحسان”، فقد ضمّنها داخل الخصال العشر ورتبها وفق ترتيبها.

وأعظم مقام يصل إليه المحسن السّالك في هذه المقامات هو مقام العبدية، أن يكون عبدا لله بالكلية، وهو من أفضل وأحسن ما وصف به الله تعالى نبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى(الإسراء:1)، وارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فقال لسيدتنا عائشة رضي الله عنها بعدما تفطّرت قدماه من قيام الليل: “أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا” 19، وهو المقام الذي طلبه سيدنا سليمان عليه السلام من ربه عز وجل في دعائه فقال الله تعالى على لسانه: ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (النمل:19).

يتساءل أحدنا لماذا للإسلام خمسة أركان، وللإيمان ستة، بينما للإحسان اثنان فقط وهو أعلى درجات الدين وأسمى مراتبه. فبالنظر إلى كون الدين عبارة عن بناء فإن الدرجة الأولى لابد لها من أركان يعلو فوقها البناء، والدرجة الثانية كذلك، بينما الثالثة هي الأخيرة بركنين فقط حتى يبقى مفتوحا للمشاهدة بين العبد وربه. والله أعلم.


[1] رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.
[2] رواه مسلم.
[3] رواه مسلم.
[4] رواه أبو داود والترمذي بسند حسن.
[5] رواه الشيخان واللفظ لمسلم.
[6] حديث نبوي رواه الإمام أحمد وحسنه السيوطي.
[7] رواه مسلم وأحمد عن سمرة بن جندب.
[8] رواه ابن حبان في صحيحه وغيره عن معاذ ووافقه السيوطي في تصحيح الحديث.
[9] رواه البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة.
[10] رواه أبو يعلى وابن حبان وصححه السيوطي.
[11] رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مسعود.
[12] رواه الترمذي عن أبي هريرة.
[13] الحديث رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص.
[14] رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسناد حسن.
[15] أخرجه الشيخان والنسائي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
[16] أخرجه الشيخان والنسائي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
[17] سعاد الحكيم، إحياء علوم الدين في القرن الواحد والعشرين، ص:38.
[18] رواه أبو داود في سننه بسند صحيح.
[19] متفق عليه.