أجرى موقع لكم الإلكتروني حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، تطرّق للوضع السياسي العام في البلد، وأسباب ودلالات تنامي الاحتجاجات الاجتماعية، وخلاصات مرور 10 سنوات على بداية تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكومة، ومقولات دخول العدل والإحسان في حالة الجمود والانتظارية وكذا عزلتها، وماذا تغير فيها بعد وفاة مؤسسها ومرشدها رحمه الله، وكلمة أخيرة إلى مسؤولي البلد ونخبه وشعبه.

فيما يلي نص الحوار:

كيف تقيمون الوضع الحالي في المغرب على المستوى الحقوقي والسياسي؟

بداية أبارك لكم وللقراء الكرام وللشعب المغربي وسائر الأمة حلول رمضان، وأسأل الله عز وجل أن يتقبل فيه الطاعات، ويغفر الذنوب، ويصلح الأحوال، ويرفع الظلم والوباء.

ماذا تنتظر أن يكون عليه الوضع في ظل بنية سياسية استبدادية فاسدة، تلغي الإرادة الشعبية، ولا تعتبر عمل المؤسسات، وتحتكر الثروة من قلة متنفذة، وترتكز على الريع، وتغيب فيها قيم المحاسبة والشفافية واستقلال القضاء… كل هذا لا يمكن إلا أن ينتج وضعا في غاية السوء؛ تتزايد فيه درجة الاحتقان والتوتر يوما بعد يوم، وفي عناد ومكابرة من المسؤولين هي أشبه بالغيبة والشرود عن الواقع. وضع يضع البلد على سكة المجهول ويبعده عن الاستقرار اللازم لكل تقدم وتنمية.

على المستوى الحقوقي، بات واضحا أن النظام يمضي في مسار التضييق الشامل على الحقوق والحريات، وبشكل فج ومكشوف، تجاوز مصادرة حرية الرأي والتعبير (ما يقع مع منجب والريسوني والراضي وبوعشرين وعدد من المدونين ومعتقلي الريف وجرادة وطرد الطلبة…) إلى منع الاحتجاج والتظاهر (ما وقع مع الأساتذة والممرضين وحتى المحتجين في يوم الأرض الفلسطيني…) إلى التضييق على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (قرار الإغلاق الليلي في رمضان دون إتباعه بتدابير الدعم المادي لأصحاب المحلات والمقاهي…).

أما على المستوى السياسي فالوضع دخل في أزمة سياسية حقيقية جراء الانكشاف المتنامي للطابع التسلطي للنظام المغربي، والذي من تجلياته الأخيرة استغلال الجائحة لبسط هيمنة الداخلية والأجهزة الأمنية، وانطلاق الترتيب لعملية انتخابية مهجورة شعبيا وفارغة سياسيا بسقطة القاسم الانتخابي الشهيرة.

طالع أيضا  الإمام عبد السّلام ياسين يُقرّبنا من سيرة سيّدنا ثابت بن قيس بن شمّاس

تعيش مجموعة من المدن على إيقاع الاحتجاجات، كيف تنظرون إلى هذه الاحتجاجات التي هي في عمومها ذات طابع اجتماعي؟ خاصة وأن السلطات تواجهها عادة بالمنع والقوة؟

الاحتجاجات تمتد وتتمدّد إلى العديد من المدن وتشمل الكثير من الفئات المهنية، فهي متكاثرة مجاليا وقطاعيا. وهي تعبير صريح عن أن الوضع السياسي -الذي يتحكم في المجالين الاجتماعي والاقتصادي- مصاب بالعطب والخلل، وأن التسويق الإعلامي الرسمي والبروباغندا إذا كان من شأنهما الخداع لبعض الوقت فإنه سرعان ما ينكشف الواقع على حقيقته المرة. خاصة حين تنتهج السلطة خيارا مركزيا يقضي بتعامل الأجهزة الأمنية مع الاحتجاجات بالعنف والقمع والمنع.

اللافت هنا، والذي ينبغي الوقوف عنده مطولا، أن تلك الاحتجاجات الاجتماعية، على تنوعها وتعدد فاعليها، ترسل إشارات ودلالات سياسية واضحة مفادها أن التدبير السياسي يفضي إلى الكثير من المشكلات والأزمات المجتمعية ولا يحظى بالقبول والرضى الشعبي العام.

اليوم مرت حوالي 10 سنوات على تجربة حزب العدالة والتنمية على التدبير الحكومي، بالنسبة إلى جماعة العدل والإحسان ما هي أبرز الخلاصات التي خرجت بها؟

التجربة أكدت ما كنا نقوله ونحذر منه؛ أكدت أن الحاكم الفعلي في المغرب لا ينبثق عن صناديق الاقتراح ولا يخضع للإرادة الشعبية، وأن الحكومة والبرلمان مؤسسات شكلية وهامش على متن الحكم، وأكدت أن مقولة الإصلاح من الداخل التي تم تسويقها للإيهام أن تغييرا ما ممكن أكد الواقع أنها مستعصية ومتعذرة في ظل شروط الإذعان وغياب فعلي للسلطة الحقيقية، وأكدت أن التنازل عن المبادئ والتخلي عن استقلال القرار السياسي يمكن أن يمضي بالحركات والتيارات والأحزاب إلى الانسلاخ عن ذاتها والتنكر لسيرتها الأولى.

التجربة أكدت أيضا أن تعاطي الدولة مع حراك 2011 لم يكن برغبة حقيقية في الإصلاح والتغيير، وأن تدابير السلطة حينها، من تعديل للدستور وإجراء انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة ومؤسسات جديدة، كان المراد منها الالتفاف على مطالب الشارع ليس إلا، لتستعيد السلطوية بعد زمن قصير حقيقتها الاستبدادية ولتطل علينا بوجهها المخزني المكشوف.

طالع أيضا  د. الونخاري: السياق الذي أتى فيه النموذج التنموي يتصل بتراجعات حقوقية خطيرة

هذا يجرنا إلى الحديث عن العدل والإحسان ومبادراتها، حيث يلاحظ العديد من المراقبين أن الجماعة في وضعية الانتظار والترقب، خاصة بعد تراجع الوضع الحقوقي والسياسي والاجتماعي.. بشكل غير مسبوق، إلى أي حد هذا التوصيف دقيق؟ 

مثل هذا الكلام يتكرر كل فترة وحين، ولو كان صحيحا لتركوا العدل والإحسان لانتظاريتها السلبية وترقبها الجامد، ولما اتهموها عند كل حراك وفعل مجتمعي، ولما امتدت إليها يد الحصار والقمع والمنع والسجن والإعفاء والتشميع والتجسّس…

حسب العديد من المراقبين فإن جماعة العدل والإحسان على مستوى تحالفاتها تعيش في وضع مقلق، فلا توجد أي مبادرة تنسيقية على مستوى الفصائل الإسلامية، كما أنها بعيدة عن الفصائل اليسارية خاصة “فدرالية اليسار الديمقراطي”، هل لدى جماعة العدل والإحسان مقترحات وعروض لتطوير النقاش والعمل الميداني يجمع كل القوى المعارضة الحية والشخصيات الفاعلة والمؤثرة، على أساس أرضية تجمع أكبر عدد ممكن من الفعاليات والقوى الخيرة؟

هذا السؤال يتقاطع مع سابقه. لسنا في حاجة إلى تأكيد ما نحن عليه وما نعيشه، فالواقع أكبر من أي كلام، والخبر ما ترى لا ما تسمع. ونحن في الميدان، نقوم بدورنا الذي انتدبنا أنفسنا له؛ تربية وتعليما وتثقيفا وتأطيرا ونضالا، منحازون لمجتمعنا الأصيل ولاختياراتنا الدعوية والسياسية.

وبخصوص العمل المشترك فهو خيار أصيل في منهاج الجماعة، تقول به قناعة مبدئية وحكمة سياسية، وتجتهد وسعها لتطوير تجسيداته وأشكاله العملية، وقد كانت لها، وتكون بعون الله تعالى، مبادرات في هذا الصدد، ضابطها الموقف السياسي المنحاز لمطلب الشعب المغربي في الحرية والكرامة والعدالة والرافض لواقع التسلط والاستبداد والفساد لا اشتراك الخلفية الإيديولوجية كيفما كان لونها.

ونتصور أن هذا الخيار يفرض نفسه أكثر فأكثر مع الوقت ومع تعدد وتنوع التجارب، قد يأخذ صبغة حقوقية تارة واجتماعية تارة أخرى… في أفق أن يتشكل في مشروع سياسي شامل لا مناص عنه لبناء مغرب قوي ومستقر.

بعد مرور مدة معتبرة على وفاة المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ما الذي تغير داخل جماعة العدل والإحسان؟

طالع أيضا  د. الفراك: الإمام ياسين تنبّه مبكرا إلى ضرورة انفتاح الفكر الإسلامي المعاصر على القضايا الإنسانية

من حيث الهوية والمرجعية، والقناعات الكبرى والاختيارات الكلية والغايات الرئيسة، العدل والإحسان هي نفسها كما تركها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، لم تُغيّر ولم تَتغير. ولا أظنها مَزِيّة يُحمَد فاعلها أن يغير من طبيعته وهويته وذاتيته التي أنشأها على هدى من النظر الفاحص والتأمل الهادئ والشورى البانية والبناء المؤسسي وطلب السداد من الكريم الوهاب، بل إن الثبات والرسوخ والأصالة قيم محمودة في دنيا الفكر وعالم السياسة وميدان التدافع الحضاري.

 إلى جانب هذه الأصول والركائز والكليات التي تشد كل حركة إلى ركن متين، يأتي، كما عند كل حركة راشدة وإنسان عاقل، مساحة التطوير والتعديل والتصويب والاستدراك والتجاوز، وهي الأشياء التي تشمل الوسائل والبنيات والأهداف المرحلية، وهو ما نقوم به بشكل دوري ودائم، عبر مؤسساتنا المعنية وتقاريرنا الولائية والسنوية والمرحلية ومشاريع التطوير التي لا تنتهي.

كلمة أخيرة؟

إلى مسؤولي البلد؛ اتقوا الله في أنفسكم وفي شعبكم، أوقفوا ظلمكم وتجبركم على خلق الله، واعلموا أن الله يمهل الظالم ولا يهمله، ولا تظنوا أنكم استثناء من سنة الله في الخلق، فقد أهلك من هم أشد قوة وأكثر جمعا.

إلى نخبة المغرب؛ هيا بنا نصنع نموذجا جديدا لمغرب آخر ممكن، تضمن فيه حقوق الجميع، ونؤسس لميثاق صلب من الاختلاف والتعايش، ونؤسس لإرادة عمل جادة نشيد بها ما نفخر به أمام الأمم.

إلى فئات الشعب؛ ألا يمنعنّ بحث كل منا عن تحسين ظروف عيشه الصعبة من التكاثف الجماعي للبحث عن حل جدري لمشكلاتنا الاجتماعية والسياسية، وألا ينسينا همنا الفردي والجماعي في دنيا التدافع والاختبار مصيرنا الأخروي هناك بين يدي الرحيم الغفار.